أجي فمي أكول القاموس الشعبوي بين بلاغة القرب ولغة الإهانة: مصطلح «القندوح» وإستعماله السياسي
منير لكماني المانيا
09/07/26
ليست الشعبوية مجرد موقف سياسي، بل هي أيضا طريقة في الكلام. فهي لا تخاطب الجمهور بالمفاهيم الباردة وحدها، بل تستدعي قاموس الشارع، ونبرة الغضب، والتعبيرات الساخرة، لكي تصنع إنطباعا بأن السياسي «يتكلم مثل الناس» و«لا يخاف من قول الحقيقة». من هنا تأتي دلالة عنوان «أجي فمي أكول»؛ فهو يلخص حالة إندفاع لغوي تتحول فيها الفصاحة السياسية إلى إنفلات تعبيري، ويصير الفم أسبق من العقل، والإنفعال أقوى من التقدير.
في هذا السياق، تبرز كلمة «القندوح» بوصفها نموذجا دالا على إنتقال اللفظ من الإستعمال الشعبي إلى المجال السياسي. فالكلمة تنتمي إلى الدارجة المغربية، ولا تحظى بمقابل فصيح مستقر في المعاجم العربية المعيارية. وترد في بعض معاجم الدارجة بمعنى الشخص غير الناضج أو «البرهوش»، أي الإنسان الخفيف في سلوكه وحكمه. غير أن معناها لا يقف عند هذا الحد؛ إذ قد تستعمل أيضا للتنقيص من شخص ما، أو لوصفه بأنه تافه، أو مزعج، أو لا يستحق الإعتبار. لذلك فهي كلمة قدحية، حتى وإن وردت أحيانا في سياق المزاح أو السخرية اليومية.
غير أن خطورة الكلمة لا تظهر في معناها المعجمي فقط، بل في مقام إستعمالها أيضا. ففي الكلام العادي، قد تمر كلمة «القندوح» كجزء من الدعابة الشعبية، أما في الخطاب السياسي، فإنها تتحول إلى علامة على تدهور النقاش العمومي. فالسياسي، حين يستعمل لفظا مهينا، لا يصف خصمه فحسب، بل يصنع صورة ذهنية عنه: صورة شخص صغير، بلا قيمة، ولا يستحق الرد العقلاني. وهنا تصبح الكلمة أداة لإلغاء الخصم بدل مناقشته.
هذا هو جوهر العلاقة بين الشعبوية واللغة الجارحة. فالشعبوية، كما يعرفها الباحث كاس موده، تميل إلى تقسيم المجتمع إلى معسكرين متقابلين: «الشعب النقي» من جهة، و«النخبة الفاسدة» من جهة أخرى، مع الادعاء بأن السياسة يجب أن تعبر عن الإرادة العامة للشعب. وداخل هذا التصور، لا يكون الخصم مجرد طرف سياسي مختلف، بل يتحول إلى عائق أخلاقي، أو متحكم، أو خائن لإرادة الناس. لذلك تستسهل الشعبوية الأوصاف القاسية؛ لأنها تخدم هدفا تعبويا يتمثل في إثارة الجمهور، وشحذ الغضب، وتبسيط الصراع.
وقد ظهر هذا بوضوح في واقعة عبد الإله بنكيران بمدينة الصويرة. فقد إستعمل الأمين العام لحزب العدالة والتنمية كلمة «قندوح» في لقاء حزبي بالمدينة، في سياق حديثه عن محيط الملك ومستشارين ملكيين، وهو ما جعل اللفظ يخرج من مجال السجال الحزبي العادي إلى مجال أكثر حساسية. وقد نقلت منابر إعلامية أن الكلمة وردت ضمن خطاب أثار جدلا واسعا بسبب إقترابها من شخصيات مرتبطة بالمؤسسة الملكية.
ولم يكن الجدل بسبب الكلمة وحدها، بل بسبب ما كشفته من منطق خطابي. فحين يواجه السياسي خصومه بمصطلحات من قبيل «قندوح»، فإنه يراهن على الأثر السريع: التصفيق، والضحك، والتداول في مواقع التواصل، والإحساس بأن المتكلم جريء. لكن هذا الأثر السريع له كلفة كبيرة؛ لأنه ينقل السياسة من مستوى الحجة إلى مستوى النعت، ومن مستوى النقاش إلى مستوى التحقير.
بعد إتساع الإنتقادات، نشر بنكيران توضيحا قال فيه: «أتمسك بكل ما قلته في كلمتي بمدينة الصويرة إلا كلمة قندوح، فإنني أسحبها وأعتذر عنها». وهذا الإعتذار يحمل دلالة مهمة؛ فهو لا يراجع الموقف السياسي العام، لكنه يعترف بأن اللفظ نفسه كان غير موفق. بمعنى آخر، حاول بنكيران أن يفصل بين مضمون الخطاب وقاموسه، وبين الفكرة التي أراد الدفاع عنها والكلمة التي أضرت بها.
وهنا تكمن العبرة. فالمشكلة ليست في إستعمال الدارجة داخل السياسة؛ فالدارجة قد تقرب الخطاب من المواطنين، وتمنحه حرارة ووضوحا. وليست المشكلة أيضا في النقد الحاد؛ فالديمقراطية تحتاج إلى نقد قوي ومباشر. المشكلة تبدأ حين يتحول القرب من الشعب إلى إستعراض لفظي، وحين تصير الكلمات المهينة بديلا عن التحليل، وحين يخلط السياسي بين الشجاعة والفظاظة.
إن «القندوح» في هذه الواقعة ليست مجرد كلمة، بل مرآة لأسلوب سياسي كامل؛ أسلوب يريد أن يبدو شعبيا، لكنه قد يسقط في الشعبوية؛ ويريد أن يكون قريبا من الناس، لكنه قد يطبع الإهانة؛ ويريد أن ينتقد السلطة أو محيطها، لكنه قد يفقد قوة النقد بسبب سوء إختيار العبارة.
تعلمنا حادثة «القندوح» أن اللغة السياسية ليست تفصيلا ثانويا. فالسياسي لا يحاسب فقط على مواقفه، بل أيضا على مفرداته. والكلمة، حين تكون مهينة، قد تبتلع الخطاب كله. لذلك فإن السياسة المسؤولة تحتاج إلى جرأة في الموقف، نعم، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى إنضباط في اللسان. فليس كل ما يقوله الفم يصلح أن يتحول إلى خطاب عام، وليس كل تعبير شعبي قادرا على خدمة فكرة سياسية نبيلة.



