
استغربت القيادية في حزب العدالة والتنمية، آمنة ماء العينين، استعمال أحد ضيوف برنامج “من الرباط” (منصة “صوت المغرب”) لمفهوم “الاشتراكية بقيم ليبرالية”، واعتبرت هذا الاستعمال إهانة لليسار ورصيده وفكره. يمكن تفهم هذا الذي قالته ماء العينين ما دام قد جاء في سياق سجال سياسي وإيديولوجي، غير أنه يحتاج إلى تصويب في شرط سياسي انتخابي جديد لم يعد فيه للمفاهيم معنى، ولا هو السجال فيها يصدر عن معرفة وتمحيص ومواكبة علمية للنقاش السياسي وأفكاره ومكوناته وقضاياه.
إذا أردنا التعريف بالماهية أو النقيض، تصبح الاشتراكية غير قابلة للبرلة بما هي تحرير للملكية الجماعية لوسائل الإنتاج وجعلها ملكية فردية، كما تصبح الليبرالية غير قابلة للاشتراك بما هو تحرير للإنتاج من قبضة مالكي وسائله وجعلهما -أي الإنتاج ووسائله- في ملكية المجتمع (الملكية الجماعية).. بهذا المعنى، لا اجتماع بين الليبرالية والاشتراكية إلا على سبيل التوليف الإيديولوجي لدى من بخدمه.
عند التعريف بالتاريخ، تصبح الماهية أكثر انفتاحا على نقيضها حسب الشروط التاريخية للفعل السياسي-الاجتماعي.. الليبرالية مرحلة تاريخية، قد تتم بيد الرأسمال وبمبادرة منه، كما قد تتم بيد الدولة. تجربة سابقة، نظريا وعمليا. الأدب الروسي في روسيا القيصرية، الأدب الجامعي قبل ثورة الصين الشعبية، ليبرالية فيتنام قبل ماركسيتها؛ كل هذا يدل على ليبرالية سابقة على الماركسية، بل مؤسسة لها. لا تتأسس الماركسية نظريا إلا ليبرالية، الليبرالية هي شرطها النظري والواقعي وإن جاءت كنقيض له.
وعلى المستوى العملي، فإن الماركسية لم تجد شرطا لفاعليتها إلى في مجتمع “ليبرالي”، بما تعنيه الليبرالية من مفهوم اجتماعي، أي بما هي فكر وسياسة متعلقان بمجتمع صناعي بورجوازي. ولذلك ففي مجتمعات متأخرة، سواء بواقع ما قبل بورجوازي أو ذي بورجوازية غير مكتملة؛ في هذا النموذج من المجتمعات، وحيث اندلعت ثورات مجتمعية في الصين أو روسيا أو كوريا الخ، أصبح “التحديث” من مهام القيادة الثورية؛ أي أن هذه القيادة ذات الإيديولوجية الاشتراكية برصيدها النظري والإيديولوجي الليبرالي-الاشتراكي قد وجدت نفسها أمام مهمة اجتماعية-سياسية معقدة.
تتجلى هذه المهمة المعقدة في ما يسميه عبد الله العروي “اختصار الزمن”، بمعنى تحديث المجتمع في ظل الإطار الاشتراكي، أو لنقل تحرير البنى الجديدة في المجتمع في ظل قيود الدولة. لم تكن الليبرالية في جوهرها الثوري غير تحرير لقوى الإنتاج الجديدة من علاقات الإنتاج الإقطاعية، وهي بهذا المعنى تحرير مستمر لقوى الإنتاج، وهذا ما جعلته الثورات الاشتراكية من مهامها، لكن بنوع من التقييد الاشتراكي حسب كل تجربة. وينظَر في هذه المسألة الاختلاف بين تجربتي الصين وروسيا.
هذا الفصل المطلق بين الليبرالية والاشتراكية ليس في حقيقته إلا فصلا إيديولوجيا، في حين يتداخل المعنيان نظريا ما دامت الليبرالية أساسا نظريا للاشتراكية، وعمليا ما داما معا نتاج تاريخ يتسم في مجمله بتداخل “مراحله” وأنشطته وعناصر حركيته. هذا نقاش نظري لا يتسع له نقاش انتخابي عابر، بل لا يتسع له شرطنا الاجتماعي-السياسي على وجه العموم.. يغيب معنى الاشتراكية، ويغيب معنى الليبرالية، فكيف السبيل للوعي بجدليتهما في العقل السياسي المغربي؟!




