رأي

حزموني ورزموني ولا تعولوا عليا تعيين فاكوندو تيلو بين هاجس العدالة التحكيمية وضغط اللحظة الحاسمة

منير لكماني

09/07/26

كلما إقترب منتخبنا من الأدوار الكبرى، عاد السؤال نفسه إلى الواجهة: هل نترك لنلعب كرة القدم وحدها، أم ندفع إلى خوض مباراة أخرى غير معلنة، عنوانها الضغط النفسي، والتحكيم، والبطاقات، والحسابات الخفية؟ بعد مباراة كندا، وما رافقها من إنذارات وتوتر بدني واضح، ثم تعيين الحكم الأرجنتيني فاكوندو تيلو لمواجهة فرنسا، بدا القلق مفهوما، بل مشروعا. فالجمهور لا يخاف من المنافس بقدر ما يخاف من التفاصيل الصغيرة التي قد تغير مصير مباراة كاملة.

لا نطلب إمتيازا، ولا نبحث عن عذر، ولا نوزع الإتهامات قبل أن تبدأ المباراة. مطلبنا واحد وواضح: نريد تحكيما عادلا للمغرب. فتعيين حكم أرجنتيني في مواجهة بهذا الحجم ليس تفصيلا عابرا، خصوصا حين تكون حسابات البطولة مفتوحة على إحتمالات كثيرة. لذلك، فإن السؤال ليس تشكيكا في كل شيء، بل دفاع عن حق مشروع في الطمأنينة. نريد صافرة تقيس التدخلات بالميزان نفسه، وتتعامل مع الإعتراضات بالمعيار نفسه، ولا تجعل البطاقة سيفا مسلطا على طرف دون آخر. العدالة في كرة القدم لا تعني فقط أن يكون الحكم نزيها في ضميره، بل أن تظهر نزاهته في قراراته، في صمته، في إنذاراته، وفي قدرته على ألا يصبح هو بطل المباراة.

فاكوندو تيلو حكم معروف، وليس إسما عابرا في عالم التحكيم. هو حكم دولي صارم، قوي الشخصية، لا يتردد في إستعمال البطاقات عندما يشعر بأن المباراة تفلت من يده. سبق له أن أدار مباريات كبرى، وله تجربة سابقة مع أسود الأطلس في مواجهة البرتغال سنة 2022، وهي المباراة التي إنتهت بإنتصار تاريخي وتأهل غير مسبوق إلى نصف النهائي، رغم طرد وليد شديرة في الدقائق الأخيرة. هذه الواقعة وحدها تمنعنا من إختزال الرجل في صورة الحكم المعادي. لكنه، في المقابل، حكم شديد الحزم، وقد إرتبط إسمه بمباريات شهدت قرارات قاسية وبطاقات كثيرة، مما يجعل حضوره في مباراة حساسة سببا إضافيا للإنتباه.

المشكلة اليوم ليست في تيلو وحده، بل في السياق. بعد مواجهة كندا، دخل بعض لاعبينا مرحلة الحسابات الدقيقة، خصوصا من عليهم ضغط البطاقات، أو من يكثر حضورهم في الإلتحامات، مثل عز الدين أوناحي وغيره من العناصر المؤثرة. في مثل هذه الظروف، يصبح الحكم الصارم عاملا تكتيكيا قائما بذاته. قد يجبر المدرب على حسابات مبكرة، وقد يدفع اللاعبين إلى الحذر الزائد، وقد يجعل أي إعتراض أو تدخل غير محسوب بابا لعقوبة قد تقلب ميزان اللقاء.

وهنا تحديدا يكمن الخطر الحقيقي. فالكمين، إن وجد، لا يبدأ بالصافرة، بل يبدأ في الرأس؛ يبدأ عندما يدخل اللاعب مرتبكا، والجمهور غاضبا، والمدرب محاصرا بهاجس التحكيم قبل هاجس المنافس. لذلك، فإن الرد الأذكى لا يكون بالصراخ، ولا بتوقع الظلم قبل وقوعه، بل بالإنضباط، والهدوء، والذكاء في إدارة اللحظات. يجب ألا نمنح الحكم فرصة سهلة، وألا نضع لاعبينا تحت ضغط مجاني.

ومع ذلك، تبقى مسؤولية الإتحاد الدولي قائمة. كان من الممكن إختيار حكم من جنسية أقل حساسية، ليس لأن تيلو غير نزيه، بل لأن التعيينات في المباريات الكبرى يجب أن تراعي الصورة بقدر ما تراعي الكفاءة. فحين يتسلل الشك إلى الجمهور، تصبح الشفافية جزءا من العدالة.

ليست عبارة “حزموني ورزموني ولا تعولوا عليا” سوى صرخة قلق جماعي أمام مباراة تلعب على الأعصاب بقدر ما تلعب بالأقدام. لكن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نهزم بالخوف قبل أن تبدأ المواجهة. منتخبنا مطالب بألا يمنح خصومه ما ينتظرونه: إعتراضا زائدا، تدخلا متسرعا، أو إنفعالا يفتح الباب لبطاقة قاتلة. الرد الحقيقي لا يكون بالشكوى المسبقة، بل بذكاء بارد، وإنضباط حديدي، وحضور قوي يجعل الحكم خارج الحكاية، ويجعل الملعب وحده شاهدا على من يستحق العبور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى