الهضرة عليك أ لحادر عينيك الرياضة والدبلوماسية بين المغرب وفرنسا: أسئلة الأداء وتزامن المصالح
منير لكماني ألمانيا
10/07/26
لم تكن خسارة المنتخب المغربي أمام فرنسا مجرد نتيجة رياضية عابرة في نظر شريحة واسعة من المتابعين. فطريقة اللعب، وغياب الإندفاع، وسوء إستثمار الكرات الثابتة، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية وإقتصادية فرنسية تجاه المغرب، كلها عناصر فتحت الباب أمام أسئلة تجاوزت حدود الملعب.
أكثر ما أثار الإنتباه في المباراة هو الإنطفاء الواضح للروح القتالية التي ميزت المنتخب المغربي في مواجهات سابقة. لم يظهر اللاعبون بالشراسة المعتادة، ولم تلعب الركنيات والضربات الحرة بالجدية المطلوبة، رغم أنها كانت من أبرز الوسائل التي يمكن الإعتماد عليها أمام منتخب فرنسي منظم دفاعيا. بدا تنفيذ الكرات الثابتة مرتجلا، وغابت عنها الدقة والتنسيق والرغبة الحقيقية في تهديد المرمى.
كما لم يظهر المنتخب بخطة فنية واضحة. ما شاهدناه كان أقرب إلى مباراة إعدادية منه إلى مواجهة حاسمة. تمريرات مشتتة، وبناء بطيء للهجمات، ومساحات واسعة بين الخطوط، وتبديلات غريبة لم تقدم الإضافة المنتظرة. لم تنجح التغييرات في رفع الإيقاع أو تعديل التوازن، بل بدا أن فرنسا وجدت أمامها المساحة والوقت لتفرض أسلوبها وتسجل من دون ضغط مغربي قوي.
ويزداد الإستغراب عند مقارنة أداء فرنسا في هذه المباراة بما قدمته أمام منتخبات أخرى. فقد عانت فرنسا أمام السنغال في مباراتها الأولى، كما واجهت صعوبات أمام باراغواي. واللافت أن المنتخب المغربي سبق أن واجه السنغال في كأس إفريقيا، كما إختبر باراغواي في مباراة ودية، ولم يظهر أمامهما بالصورة الباهتة نفسها. وهذا لا يعني أن نتائج المباريات يمكن قياسها بطريقة آلية، لكنه يجعل مستوى المغرب أمام فرنسا محيرا ويستحق التفسير.
لم يكن المطلوب من المنتخب ضمان الفوز، ففرنسا تملك لاعبين كبارا وتجربة واسعة، لكن المطلوب كان أن نشاهد محاولة حقيقية، وخطة واضحة، وضغطا متواصلا، وإستثمارا جديا للركنيات والكرات الثابتة. أما أن يظهر الفريق بلا رد فعل قوي، وأن تمر فترات طويلة من المباراة من دون تهديد منظم، فذلك يطرح أسئلة مشروعة بشأن التحضير والإختيارات الفنية وطريقة إدارة اللقاء.
وفي موازاة ما جرى داخل الملعب، جاء التوقيت السياسي والإقتصادي ليزيد المشهد تعقيدا. فالرباط وباريس تستعدان لعقد إجتماع حكومي رفيع المستوى، بمشاركة مسؤولين ووزراء من البلدين، لبحث ملفات التعاون السياسي والإقتصادي والإستراتيجي. كما يتواصل الحضور الفرنسي في المغرب من خلال مشاريع مرتبطة بالطاقة والنقل والسكك الحديدية والموانئ والبنية التحتية.
وإمتدت التحركات الفرنسية إلى الأقاليم الجنوبية، من خلال زيارات دبلوماسية وإقتصادية ولقاءات مع مسؤولين محليين، إلى جانب بحث فرص الإستثمار في مجالات الطاقة المتجددة، وتحلية المياه، والهيدروجين الأخضر، والنقل والخدمات اللوجستية. وتحمل هذه التحركات بعدا سياسيا وإقتصاديا مهما، بالنظر إلى إرتباطها بالموقف الفرنسي من قضية الصحراء وبالمصالح التي تسعى الشركات الفرنسية إلى تعزيزها داخل المغرب.
أما فرنسا، فإن الوصول إلى التتويج بكأس العالم يمنحها مكاسب تتجاوز الجانب الرياضي. فاللقب يعزز صورتها الدولية، ويقوي نفوذها الرمزي، ويوفر لحظة وحدة وطنية في ظل الإنقسامات السياسية والإجتماعية. كما تستفيد الجامعة الفرنسية لكرة القدم، والشركات الراعية، ووسائل الإعلام، وسوق الإعلانات، ومبيعات القمصان والمنتجات الرياضية. وترتفع أيضا القيمة التجارية للاعبين الفرنسيين، وتزداد جاذبية الأندية والأكاديميات الفرنسية.
وسط هذه الأجواء، أثار ظهور رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إلى جانب رئيس الإتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، خلال الشوط الثاني إهتمام الجمهور. لم يكن الجلوس في المنصة هو المشكلة في حد ذاته، فهو أمر طبيعي في المباريات الكبرى، لكن اللافت هو غياب توضيح مؤسسي بعد اللقاء، رغم إتساع الإنتقادات وتزايد الأسئلة بشأن الأداء والإختيارات الفنية.
كان من المنتظر أن تخرج الجامعة بتفسير واضح للرأي العام: لماذا ظهر المنتخب بهذه الصورة؟ ما الخطة التي دخل بها المدرب وهبي؟ لماذا لم تقدم التبديلات أي إضافة؟ لماذا غابت الفاعلية عن الكرات الثابتة؟ وما أسباب التراجع الواضح في الحدة والإندفاع؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تحتاج إلى الدخول في سجالات سياسية، بل إلى احترام الجمهور وتقديم تقييم فني صريح لما حدث.
لا يثبت تزامن المباراة مع التحركات الدبلوماسية والاقتصادية وجود اتفاق أو صفقة، كما أن ظهور رئيس الجامعة إلى جانب إنفانتينو لا يشكل دليلا على أي تواطؤ. لكن غياب التوضيح، إلى جانب الأداء غير المقنع، يترك فراغا واسعا تملؤه التأويلات.
المشكلة، ليست في الخسارة وحدها، بل في الطريقة التي حدثت بها. فقد يخسر المنتخب بعد مقاومة وقتال، ويتقبل الجمهور النتيجة. أما أن يخسر من دون خطة واضحة، ومن دون روح تنافسية ظاهرة، ومن دون تفسير مؤسسي مقنع، فهنا تبدأ الأسئلة. وبين ما جرى داخل الملعب وما يتحرك خارجه، تبقى الشفافية وحدها قادرة على حماية الثقة ووضع حد للتأويلات.




