رأي

الدبلوماسية الرياضية: الفوائد والتحديات.

محمد كندول

لا يسع المتتبع للشأن الرياضي المحلي والعالمي أن يلاحظ أن الرياضة أصبحت مرتبطة بالحياة البشرية، لكنها تجاوزت كونها مجرد نشاط بدني أو ترفيهي لتصبح ظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية عالمية. ففي النصف الثاني من القرن العشرين، ومع صعود مفهوم القوة الناعمة أدركت الدول أن الرياضة تمثل لغة عالمية مشتركة تستطيع تجاوز الحواجز اللغوية والأيديولوجية ، ومن هنا برز مفهوم الدبلوماسية الرياضية، وهو استخدام الرياضة كأداة لتحقيق الأهداف السياسية الخارجية، وتعزيز التفاهم الدولي، وتحسين صورة الدول.
2. فما هي الدبلوماسية الرياضية؟
تُعرف الدبلوماسية الرياضية بأنها استخدام الرياضة كأداة للتواصل، والتفاوض، وبناء الجسور بين الدول والشعوب، بهدف تعزيز المصالح الوطنية، وتحسين الصورة الدولية، وحل النزاعات.
وتنقسم إلى ثلاثة مستويات رئيسية، دبلوماسية حكومية وتستخدمها الدول عبر استضافة الأحداث الكبرى أو إرسال البعثات مثل تنظيم الأولمبياد ،ودبلوماسية شعبية عامة تتم عبر تفاعل الجماهير والرياضيين مع ثقافات أخرى، وأخيرا دبلوماسية رياضية مستقلة تقوم بها الاتحادات الرياضية الدولية مثل الفيفا واللجنة الأولمبية كجهات فاعلة مستقلة عن الحكومات.
3. فما هي فوائد وأهداف الدبلوماسية الرياضية؟
جوابا نقول أن الدبلوماسية الرياضية تملك قدرة فريدة على تحقيق مكاسب لا تستطيع الدبلوماسية التقليدية تحقيقها بسهولة، وتتمثل أبرز فوائدها في:
أ) كسر الحواجز السياسية وحل النزاعات حيث تتمتع الرياضة بقدرة على خلق مساحات آمنة للحوار بين الدول المتخاصمة.
ب. تعزيز القوة الناعمة والصورة الوطنية : حيث تساعد استضافة الأحداث الرياضية الكبرى أو رعاية الفرق العالمية في تغيير الصورة النمطية عن الدول، وإبرازها كدول حديثة، منفتحة، وقادرة على التنظيم والابتكار.
ج. تحقيق منافع اقتصادية وتنموية، ففي مجال السياحةمثلا تجذب الأحداث الكبرى ملايين الزوار، مما ينعش قطاعي السياحة والضيافة.وعلى مستوى البنية التحتية، تدفع الدول إلى تسريع مشاريع البنية التحتية كالمطارات، والطرق، و المواصلات.
كما أن الاستثمارات ترتقع مداخيلها بحيث تفتح الرياضة أبواباً للشراكات الاقتصادية الدولية وترويج رؤية الدول الاستثمارية .
ومما يشكر للرياضة مساهمتها في نشر القيم الإنسانية والاجتماعية فتستخدم الرياضة كمنصة للترويج لقضايا عالمية مثل مكافحة العنصرية، وتعزيز العدالة وحماية البيئة، وتعزيز ثقافة السلام والتسامح بين الشعوب.
4. فإذا كانت هذه فوائد الدبلوماسية الرياضية فلا يخلو مصيرها من مشاكل وتحديات الدبلوماسية الرياضية،فرغم الفوائد الجمة، إلا أن تداخل الرياضة مع السياسة أفرز إشكاليات وانتقادات واسعة، أبرزها:
أ) ظاهرة “غسيل الرياضة”
هو أبرز الانتقادات الموجهة للدبلوماسية الرياضية الحديثة. وتُعرف بأنها استخدام الدول أو الجهات ذات السيادة السيئة السمعة للرياضة لتحسين صورتها المتضررة، وتحويل انتباه العالم عن انتهاكات حقوق الإنسان، أو الفساد، أو السياسات القمعية.
ب) تسييس الرياضة: حيث تتحول الملاعب أحياناً إلى ساحات للصراعات الجيوسياسية، مما يفقد الرياضة حيادها، فيعبر عن ذلك بالمقاطعات وعدم المشاركة و الحضور، أو بفرض العقوبات تارة والإقصاء تارة أخرى كاستبعاد رياضيين أو دول من المنافسات بسبب مواقف سياسية أو غوض حروب مع دولة أعضاء في حلف معين.
ج) العبء المالي والفساد :فأمام التكاليف الباهظة بإنفاق مليارات الدولات على استضافة الأحداث، والتي غالباً لا تُسترد وهذا هو ما يعبر عنه بالفيلة البيضاء التي ترمز إلى بناء ملاعب ومنشآت عملاقة تُهمل وتُترك لتتآكل بعد انتهاء الحدث بسبب عدم وجود جدوى اقتصادية لاستخدامها محلياً . ومن المظاهر التي يؤسف لها ظاهرة الفساد المالي حيث يتورط مسؤولون كبار في اتحادات دولية بقضايا رشاوى لمنح حقوق الاستضافة.
د) ومن معايب الأنشطة الرياضية الدولية و العالمية كذلك انها تعمل على تأجيج النزعات القومية المتطرفة والعنف
بدلاً من تعزيز السلام، فقد تُستخدم المباريات الدولية لتأجيج المشاعر القومية المتطرفة، أو تبرير التفوق العرقي، مما يؤدي أحياناً إلى أعمال شغب وعنف بين الجماهير، أو حتى حروباً قصيرة .
هـ) ومن السلبيات كذلك انتهاكات حقوق العمال بحيث
ترتبط استضافة الأحداث الكبرى في الدول النامية أو ذات الأنظمة الخاصة بانتقادات حول استغلال العمالة المهاجرة، وسوء ظروف العمل، والوفيات في مواقع بناء الملاعب والمنشآت التحتية. ولنخلص في الأخير
أن الدبلوماسية الرياضية ليست مجرد لعبة أو ترفيه، بل هي مجال حيوي ومعقد من مجالات السياسة الدولية. فهي سيف ذو حدين؛ فهي من ناحية تملك قدرة سحرية على توحيد الشعوب، وكسر الجليد بين الأعداء، وخلق حوار إنساني يتجاوز حدود السياسة. وهي من ناحية أخرى، تُستغل أحياناً كستار لإخفاء العيوب الداخلية، وتُثقل كاهل الدول بشؤون مالية، وتُعرض لخطر التسييس المفرط. لذا ومن أجل أنسنة الرياضة المحلية أو العالمية فيجب الاشتغال على وضع مدونات سلوك وأطر أخلاقية ملزمة للهيآت والاتحادات الرياضية الدولية تربط بين حقوق الإنسان ومنح شرف الاستضافة.
مع التركيز على الاستدامة عند بناء المنشآت الرياضية، وتجنب الإنفاق التبذيري.
باستخدام الرياضة كأداة للتنمية المجتمعية المحلية وليس فقط للتسويق السياسي الخارجي. تحياتي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى