
أولا: لنُعرف ما المقصود بالسكينة المفقودة في زماننا نحن زمن حب التظاهر والتهافت على فتات الدنيا. قال ابن القيم: “السكينة هي الطُّمَأنِينة والوَقَار والسُّكون الذي يُنَزِّلُهُ الله في قلب عبده عند اضطرابه من شدَّة المخاوف، فلا ينزعج بعد ذلك لِمَا يَرِدُ عليه، ويوجب له زيادة الإيمان، وقوَّة اليقين والثَّبات”.
وهي كما ترون أبرز ما تكون عند الشدائد والمخاوف… والسكينة جندي من جنود العزيز المقتدر، حيث أنزلها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار، وفي قمة الحرج المؤدي إلى الحتف بمعية صاحبه أبي بكر رضي الله عنه. جسدها القرآن في قوله تعالى بسورة التوبة: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا، وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى، وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)﴾.
والسكينة إذا نزلت على العبد تعمل على إطالة عمره لأن كثرة الهموم تضر بالقلب على العموم، ونحن نقول بدارجيتنا المغربية: ” دِيرْ الْهَمْ فَالشَّبْكَة شِي يْطِيحْ وْشِي يَبْقَى “. يقول الفيلسوف ديل كارنيجي: “لمن يحب الحياة ويريد أن يعيش طويلا، ويستمتع بالعافية، فليقرأ ما كتبه الدكتور أليكسيس كاريل: من يمكنهم الاحتفاظ بالسكينة وسط مدينة عصرية، هم دون شك معصومون من الأمراض النفسية، وثمة حقيقة غريبة أن عدد الأمريكيين الذين ينتحرون أكثر من عدد من يموتون بالأمراض على اختلافها، والسبب في معظم الأحيان: القلق! وهو المرض الخطير الذي أصاب معظم البلدان الإسلامية التي رجحت كفة الدنيا بتسع وتسعين في المائة، وتركت واحدا ترجو به الثواب والمغفرة ودخول الجنة، ولقد علمت من قرآنها ترغيب الإله في الآخرة والزهد بالقليل في الدنيا الزائلة في النصيحة التي أجراها الله على لسان الصالحين المخلصين لقارون المتكبر الجواظ بسورة القصص القول المبين: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)}، ويا ليته سمع كلامهم، فما خسف الله به متجلجلا في أعماق الأرض إلى ما شاء ربك.
ثم إن السكينة هي مفتاح السعادة وبوابة الرضا والقَبول، فالمؤمن يرى الأحداث من منظور مختلف عن غيره الكافر؛ حيث يرى في كل أزمة فرصة للتوبة والأوبة والرجوع إلى الله، وفي كل مِحْنَةٍ مِنْحَةٌ، وفي كل مَنْعٍ عطاء، فيكون له قلب ثان يستعمله إذا طاش عقله من وقع الشدة والصدمة.
قال تعالى بسورة البقرة مُشِيدا بهذه الثلة الصابرة المؤمنة بقضاء ربها وقدره: “وَلَنَبْلُونَكُم بِشَئٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ وَنَقْصٍ منَ الأمْوَالِ والأَنْفُسِ وَالثَمرَاتِ، وَبَشِرِ الصَّابِرِينَ(154) الّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمٌ مُصِيبَةً قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (155)أُوْلَئِكَ عَلَيهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحمَةٌ، وَأوْلَئِك هٌمُ الْمُهتَدونَ (156)”، وما هذا الصبر إلا أثر من آثار السكينة.
ومن ثمراتها الزيادة في رسوخ الإيمان كما هو مصرَّح به في سورة الفتح لدى قوله عز من قائل:”هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ، وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4)”. اللام في ” ليزداوا ” لام العاقبة أي: عاقبة السكينة هي زيادة الإيمان.
ومن ثمرات السكينة ثبات الأقدام عند مواجهة الخطوب المدلهمة والأعداء المتربصة، وذلك بالصبر وربط القلوب على النصر ، وعدم التذبذب أو الاضطراب أو التولي عن الزحف. قال تعالى بسورة الأنفال: ” إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴿9﴾ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ،وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿10﴾ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴿11﴾ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا، سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴿12﴾ …”.
فالسكينة رحمة وطمأنينة تنزل من رب السماء، ولا تُستَخرج من الأرض، فكل من بحث عن سكينة قلبه في الأرض، رجع خائبا وهو حسير.
وكل من التمس السكينة من البشر، لن يصل إلى شيء، بل ربما مسَّه منهم الضرر المبين. لكن متى يدعو المسلم بالسكينة له ولأخيه في الدين؟! طبعا الدعاء يكون في الشدة والرخاء. في الشدة عسى أن يهوِّن عنك الله أثر البلاء، ويرفع عن قلبك العناء، ويقويك في مواجهة الزلزلة، وعند زوغان الأبصار من الرعب، وبلوغ القلوب الحناجر من الفزع. والمؤمن الحق هو المكثر من الدعاء في الرخاء طبقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ الله لَهُ فِي الشَّدَائِدِ وَالكُرَبِ، فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ”. الحديث بالسلسلة الصحيحة رفم: 595.
إن دعوات الرخاء تحميك وقت الشدة، وتجعلك في مأمن من أعاصير البلاء، فاستكثر منها، وأبشِر بالسلامة والوِقاء. لا إله إلا الله: قال النبي ﷺ: «اَللَّهُمَّ لاَ عَيْشَ إِلاَّ عَيْش الآخِرَةِ».فشأن الدنيا بجوار الآخرة حقير، وكَدَرُ لذاتها كبير، وسرعة فنائها شهير، والانشغال بها عن العيش الدائم الذي لا كدر فيه علامة حمق وغياب عقل حقير.
ومن أسباب السكينة: معية الله مرافقة وحفظا قال تعالى في ما أجراه على لسان نبيه طمأنة لصاحبه في الغار:(لا تحزن إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه)، حيث نفى عنه الحزن لأن الله معه، ومن كان الله معه، كيف يستسلم لحزنه؟!والله كافٍ لكل مهِمٍّ، قوي على دفع كل مُلِمٍّ. وهذه المعية خاصة بأولياء الله، وتشمل نصر الله لهم وتأييدهم، وحفظهم، ورعايتهم، وهي معية تابعة لأعمالهم الصالحة، فإنه سبحانه مع المتقين، ومع المحسنين، ومع عباده إن ذكروه، كما قال سبحانه، وهذه المعية جسدها النبي محمد صلى الله عليه وسلم في قوله بالحديث القدسي نقلا عن ربه: “أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي”. والحديث في هذا يطول، فَلْنكتفِ بما ذكرنا، فإنه كاف للمؤمن وشاف للقلب المضطرب..
آهٍٍ لو امتلأت قلوبنا اليوم بما امتلأت به قلوب الصحابة في بيعة الرضوان لكافأنا الله بمثل ما كافأهم به، ولكنا عن هذا الكنز من عبادات القلوب غافلون! لكن لا تيأسوا وتقنطوا من رَوْحِ الله، فلا زال عرض ساريا ما دامت السموات والأرض، ونهر الأجر والثواب جاريا لا ينضب، فلننقب في قلوبنا قصد إعمارها بالإيمان والإخلاص والرجاء، ومن أراد السكينة عند نزول البلاء، فليعتنِ بقلبه اليوم، وليعمره بخير زاد وهو الثقة في وعد الله، والصبر لحكمه، والإيفاء بما بايعناه عليه. ولنتسلح بالتفاؤل مهما اشتدت علينا المشاكل والخُطُوب؛ حيث كان الرسول صلى عليه وسلم يحب الفأل الحسن مقتفين سيرته مع أصحابه. حيث جاءه اعرابي قائلا له:ألا تنجز لي ما وعدتني؟ قال له ﷺ: أبشِر! “.
قال ابن هبيرة: “فيه أن الرجل إذا طلب منه حاجة أن يقول: أبشِر”.
وما أجمل أن يكون أول ما تجيب به من سألك حاجة: قولك أبشِر، فتسكب بذلك السكينة في قلبه، وتغمر بالبِشْر أسارير وجهه، وتشرح صدره فيشرح الله صدرك، وتوسِّع عليه فيوسِّع الله عليك. إن من الناس مفاتيح خير، وأي شيء اعظم خيرا من زرع الأمل ومعه السكينة في قلوب اليائسين، فكن مفتاح خير.
تحياتي واحتراماتي وتقديراتي ومودتي للجميع.




