رأي

نداء للعقلاء في الدولة لا تقتلوا مجلة المناهل

بقلم مصطفى بن عمور استاذ باحث في الفكر والثقافة العربية الإسلامية

ليس في الحادثاتِ أعجبُ ممّا رأينا اليومَ في هذا البلدِ الذي يُزعمُ أنَّ له ثقافةً، وأنَّ له تاريخاً يُحتَفى به، وأنَّ لهذا التاريخِ حُرَّاساً يَصونونَه. فإذا بالحارسِ نفسِه يَطعنُ في جسدِ الذاكرةِ، وإذا بالمأمونِ على التراثِ يُصبحُ خائنه. لقد أوقفوا مجلةً هي للمغربِ كالنبضِ للجسدِ، وكالماءِ للظمآنِ، وكالنورِ للبصيرةِ، ثمَّ أفرغوا مكاتبَها كأنَّهم يُخْلُونَ داراً للهدمِ، لا صرحاً من صروحِ التاريخ و العقلِ.
إنَّنا في مشهدٍ مأساويٍّ يُعيدُ إنتاجَ سؤالِ الثقافةِ في المغربِ، سؤال يَمزجُ بينَ تاريخِ المجدِ وحاضرِ التَّهميشِ، بينَ نخبةٍ كانت تصنعُ المعنى وتبنيه وحكومة تهدمه وتمحوه .

تلكَ “المناهلُ” التي نَشَأْنا عليها، والتي كانَ يَكتُبُ فيها مَن يَملِكونَ ناصيةَ البيانِ، ومن يَملِكونَ زمامَ الفكرِ في هذا المغربِ، حينَ كانَ للمغربِ رِجالٌ يَصنعونَ الثقافةَ ولا يَصنعونَ منها مَطايا للمناصبِ وأنفاقا لنهب الريع . لن ننسى محمدَ الفاسيِّ الذي قادَ المجلَّةَ في بداياتِها، وكانَ يجمعُ بينَ صفاءِ الروحِ ودهاءِ السياسةِ، يَكتبُ فيها ويسهرُ عليها كأنَّها مولودُه. ولن ننسى أولئكَ الأساطينَ: علالَ الفاسيَّ، وعبدَ اللهِ كنونَ، ومحمَّدَ حَجّي، ومحمَّدَ المكيَّ الناصريَّ، ومحمَّدَ بنَ تاويتَ، وغيرَهم من الذين كانوا يُشكِّلونَ “مشروعاً وطنيّاً” قبلَ أن تختزلَ الدولةُ ذاتَها في مشروعٍ رياضيٍّ تجعله واجهة تخفي وراءها بؤسا كهذا البؤس الثقافي المرير . كانوا هم الوطنَ، وكانت “المناهلُ” وثيقتَهم. فلمَّا رحلوا، رحلَ معهم هذا المفهومُ النبيلُ للثقافةِ، وبقيتِ المجلَّةُ تئنُّ تحتَ وَطأَةِ الإهمالِ، حتى جاءَ مَن لا يَعرِفُ تاريخَها ولا قيمةَ رجالِها لِيُسدِلَ عليها الستارَ.

أيُّها القومُ، أتعقِلونَ أنَّ دولةً تَزعُمُ أنَّ لها اثنيْ عَشَرَ قَرْناً مِن العُمرِ لا تَستطيعُ أن تَحفَظَ مجلَّةً عُمُرُها نِصفُ قَرْنٍ؟! أتعقِلونَ أنَّ الكويتَ التي نَشَأَتْ حديثا حَفِظَتْ “العربيَّ” حتى في أيَّامِ الاحتلالِ، لأنَّها عَرَفَتْ أنَّ المجلَّةَ رِسالةُ الدولةِ إلى العالَمِ، ، وأنَّ “الأزهرَ” المصريَّةَ لا تَزالُ تَصدُرُ منذُ الخمسينيَّاتِ، فكيفَ بنا نُفرِّطُ في “المناهلِ” كأنَّها جريدةٌ يوميَّةٌ لا خَطَرَ لها؟

إنَّ المجلَّةَ التي تَصدُرُ نصفَ قَرْنٍ تكونُ قد صارَتْ عنواناً للدولةِ، وصارَتْ سِجِلّاً لتاريـخِها، ومَرآةً لعُقولِها. و”المناهلُ” كانت كذلكَ، بل كانت أَكثَرَ من ذلكَ: كانت مَدرَسَةً فكريَّةً، ومَوئِلاً للباحثينَ، ومَضْمَاراً للأقلامِ المبدِعَةِ.
إنَّ في قرار توقيف إصدار هذه المعلمة الثقافية ما يُثيرُ أكثرَ من الاستنكارِ، إنَّه يُثيرُ التأمُّلَ في علاقةِ الدولةِ بالثقافةِ ذاتِها. فالمشروعُ الثقافيُّ – كما نرى اليومَ – لم يكُنْ يومًا مشروعَ الدولةِ، بل كانَ مشروعَ نخبةٍ وطنيَّةٍ حملَتْه على أكتافِها لعقودٍ، وما الدولةُ إلا راعٍ متغيِّبٍ، أو متفرِّجٍ لا يُبالي. وما وقفُ “المناهلِ” اليومَ إلا تأكيدٌ على أنَّ هذه النخبةَ قد ماتت، وأنَّ الدولةَ لم تَرثْ مشروعَها، بل إنَّها تخلَّتْ عنه بأقلِّ الأثمانِ.

ومِن أَعجَبِ العَجائبِ أنَّ هذا القرارَ يأتي بعدَ أن كانتِ الأعدادُ الجديدةُ جاهزَةً لسنةِ 2024، وأنَّ الوزارةَ تَتَعامى عن مَطالِبِ هيئةِ التحريرِ المادِّيَّةِ واللوجستيَّةِ، كأنَّها تُريدُ للجرحِ أن يَنزِفَ حتى الموتِ. وهذا ليس قَرار إداري، هذا قَرارُ إعدامٍ، إعدامُ ذاكرةٍ، إعدامُ هُويَّةٍ، إعدامُ ما بَقِيَ من مَشروعٍ ثقافيٍّ كانَ للنُّخَبِ لا للدَّولةِ، وماتَ النُّخَبُ فماتَ المَشروعُ ، فما دور الدولة إذن ووزارة الثقافة ؟
أمّا الوزيرُ الذي وقَّعَ هذا القرارَ، فلا حاجةَ بنا إلى أن نعرفَ اسمَه أو حزبَه، فالمسألةُ ليستْ شخصيَّةً، بل هي مسألةُ بنيةٍ وذهنيَّةٍ. إنَّه ليس ضدَّ “المناهلِ” وحدَها، بل هو ضدّ فكرةِ الثقافةِ نفسِها حينَ تكونُ جادَّةً وعميقةً ومُرهِقةً. إنَّه ابنُ زمنِ الاستهلاكِ السريعِ، وابنُ ثقافةِ “اللاَّثقافةِ”، حيثُ الكلمةُ الرصينةُ تُزعِجُ، والفكرُ الناقدُ يُقلِقُ، والمشروعُ الطويلُ يُرهِقُ.
أيُّها المسؤولونَ، إنَّ الثقافةَ ليستْ ملْعَباً للسياسيِّينَ، ولا هي مادَّةً يُتَّجَرُ بها في الميزانيَّاتِ، ولا هي مَكسَباً لمن يَصِلُ إلى الكُرسيِّ. الثقافةُ هي وَجْهُ البلدِ الحقيقي ، وهي ما يُبْقيهِ حَيّاً في وُجودِهِ بعدَ أن يَزُولَ السياسيُّونَ. ومَن يَظُنُّ أنَّ الثقافةَ كماليَّةٌ فلا خَيْرَ في وِزارَتِه، ومَن يَرى أنَّ المجلَّةَ العَريقةَ يمكنُ إغلاقُها كأَيِّ مَكتبٍ حُكوميٍّ زائد فهوَ – وإن لبِسَ ثوبَ الوِزارةِ – عارٍ من رُوحِ الثقافةِ.

إنَّ نداءَنا اليومَ ليس مجرَّدَ نداءٍ عاطفيٍّ، بل هو نداءُ عقلٍ قبلَ أن يكونَ نداءَ قلبٍ. إنَّنا نُطالِبُ الجهاتِ العُليا في الدولةِ أن تَتَدخَّلَ لإنقاذِ ما يمكنُ إنقاذُه، وأن تُعيدَ الاعتبارَ لهذه المجلَّةِ التي حملَتْ اسمَ المغربِ في المحافلِ الثقافيَّةِ طوالَ خمسين عاماً. فالثقافةُ كما أسلفنا ليستْ مِلْعَباً للسياسيِّينَ، ولا هي مادَّةً يُتَّجَرُ بها في الميزانيَّاتِ، ولا هي مكسَباً لمن وَصَلَ إلى الكرسيِّ. الثقافةُ هي وَجْهُ البلدِ، وهي ما يُبْقيهِ حَيّاً في وُجودِهِ بعدَ أن يَزُولَ السياسيُّونَ. ومَن يَظُنُّ أنَّ الثقافةَ كماليَّةٌ فلا خَيْرَ في وِزارَتِه، ومَن يَرى أنَّ المجلَّةَ العَريقةَ يمكنُ إغلاقُها كأَيِّ مَكتبٍ حُكوميٍّ، فهوَ – وإن لبِسَ ثوبَ الوِزارةِ – عارٍ من رُوحِ الثقافةِ.
إنَّا لا نَطلُبُ المستحيلَ، ولا نُطالِبُ بإحياءِ الموتى، وإنَّما نَطلُبُ ألاَّ نُساعِدَ في مَوتِ الأحياءِ. “المناهلُ” حيَّةٌ ما دامتْ في ذاكرتِنا، ولكنَّها ستَموتُ حينَ تُطوى أعدادُها ويُغلَقُ ملفُّها إلى الأبدِ. فَلْنُنقِذْها قبلَ فواتِ الأوانِ، ولْنُنقِذْ معَها ما تَبقَّى من مشروعٍ ثقافيٍّ وطنيٍّ، قبلَ أن تُصبِحَ الثقافةُ في هذا البلدِ مجرَّدَ هامشٍ في سيرِ الأحداثِ، أو نادياً للنخبِ دونَ أن تلتفتَ إليه الدولةُ.

وإنَّا للهِ وإنَّا إليه راجعونَ. فَقْدُ “المناهلِ” فَقْدٌ للذاكرةِ، وفَقْدُ الذاكرةِ مَوتٌ قبلَ الموتِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى