
عندما تقع حادثة سير مروعة، أو يُصاب شخص بأزمة صحية مفاجئة، لا يفكر الأهل إلا في شيء واحد: أن يصلوا بعزيزهم إلى قسم المستعجلات في أسرع وقت. هناك، لا أحد يسأل عن ثمن العلاج، ولا عن عدد العمليات الجراحية، ولا عن مدة الإقامة في المستشفى. كل تلك الأسئلة تؤجل، ويبقى سؤال واحد يسيطر على الجميع:
هل سيعيش؟
تمر الدقائق ثقيلة كأنها ساعات، ثم يخرج الطبيب من غرفة الإنعاش. تتعلق به الأبصار قبل الكلمات، فيقول: “وجدنا نبضاً.” فجأة ترتسم على الوجوه ابتسامة الأمل، ويتبادل بعضهم التهاني، وكأن الخطر قد انتهى. لكن الطبيب الحاذق لا يسمح للوهم أن ينتصر على الحقيقة، فيقول بهدوء: “تمهلوا… وجود النبض لا يعني أن المريض قد شُفي، بل يعني فقط أن باب الحياة ما زال مفتوحا. أما الآن، فيبدأ البروتوكول العلاجي.”
ففي علم الطب، النبض ليس نهاية المعركة، بل بدايتها. ولا يوجد طبيب عاقل يكتفي بإخبار أهل المريض أن قلبه ما زال ينبض، ثم يغادر المستشفى تاركا الجسد يصارع إصاباته. لأن الحياة لا تُستعاد بالنبض وحده، وإنما بخطة علاج متكاملة، دقيقة، وصارمة. وهذه ليست وجهة نظر، بل قانون من قوانين الحياة.
والأوطان كالأجساد تمرض، وتدخل غرف الإنعاش، وتبحث عن نبض يعيد إليها الأمل. وما حققه المنتخب المغربي في الملاعب كان نبضا حقيقيا بعث الحياة في نفوس المغاربة، وأثبت أن هذا الوطن قادر على بلوغ العالمية. ومن حقنا أن نفرح بهذا النبض، بل إن الفرح به أمر طبيعي لأنه يخبرنا بأن الجسد لم يمت.
لكن الخطر يبدأ عندما نخلط بين علامة الحياة والحياة نفسها.
فالانتصار الرياضي، مهما كان عظيما، لا يعالج مدرسة متعثرة، ولا يختصر طوابير المستشفيات، ولا يخلق فرص الشغل، ولا يبني اقتصادا منتجا، ولا يرسخ عدالة يشعر المواطن بظلها. إنه يخبرنا فقط أن في هذا الوطن طاقات هائلة، لكنها تحتاج إلى مشروع متكامل يحررها ويحولها إلى نهضة شاملة.
إن الجسد لا يقبل أنصاف العلاج، فلا يستطيع الطبيب أن يعالج القلب ويترك الرئتين، أو يوقف النزيف ويهمل العدوى، ثم ينتظر من المريض أن يغادر المستشفى معافى.
إما بروتوكول علاجي متكامل، وإما بقاء المريض حبيس السرير، وهذه سنة لا تتخلف في الأجساد، كما لا تتخلف في الأوطان.
ولهذا فإن البروتوكول العلاجي للمغرب ليس ترفا سياسيا، ولا شعارا انتخابيا، ولا رفاهية يمكن تأجيلها.
إنه ضرورة للحياة، يبدأ بإصلاح التعليم، لأنه العقل الذي يفكر، ويشمل الصحة، لأنها الجسد الذي يقاوم،ةويمر عبر قضاء عادل، لأنه الضمير الذي يحفظ الحقوق، ويقوم على اقتصاد منتج، لأنه الدم الذي يغذي سائر الأعضاء، ويترسخ بالحرية، لأنها عمود الخيمة الذي تقوم عليه المجتمعات الحرة، والهواء الذي تتنفس به الأمم الحية.
لقد أثبتت كرة القدم أن المغرب قادر على تحقيق الإنجاز عندما يُحسن التخطيط ويستثمر في الإنسان.
والسؤال الذي ينبغي أن يلاحقنا بعد كل احتفال هو: لماذا يبقى هذا النجاح استثناء في الملاعب، ولا يتحول إلى قاعدة في المدرسة، والجامعة، والمستشفى، والإدارة، والبحث العلمي؟ لماذا لا يصبح ما نجح في الرياضة منهجا عاما في سائر مؤسسات الدولة؟
قد يصفق الناس للنبض، وهذا حقهم، لكن الطبيب لا يجب أن يقف عند هذا الترف، فمسؤوليته الحقيقية تبدأ من اللحظة التي يكتشف فيها أن القلب ما زال يقاوم، عندها لا يكون مطالبا بإلقاء الخطب ولا بمشاركة أهل المريض فرحتهم، وإنما بالشروع فورا في تنفيذ البروتوكول العلاجي، لأن كل دقيقة تأخير قد يكون ثمنها حياة إنسان.
فالطبيب الذي يكتفي بأن يقول لأهل المريض: “وجدنا نبضا”، ثم يغادر غرفة الإنعاش قبل أن يبدأ العلاج، لا ينقذ حياة، بل يؤجل إعلان الوفاة.
والأسوأ من ذلك، أنه يكون قد خان الأمانة التي حملها يوم اختار مهنة الطب. وكذلك الأوطان؛ فالنبض يمنحها الأمل، أما الحياة فلا يمنحها إلا العلاج.




