رأي

أي استراتيجية لاحتضان الكفاءات العلمية وهندسة الموارد البشرية؟

الدكتور الحسن الباز

في الهامش الأول من الصفحة الأولى لكتاب فقيه القانون الدستوري عياض بن عاشور بعنوان (الإسلام والديمقراطية ثورة داخلية، ترجمة محمد قوبعة، ط 1، معهد تونس للترجمة، تونس، 2024)، قال المؤلف: “هذا الكتاب ثمرة إقامة بغرض البحث العلمي في ما بين شتنبر 2018 ويوليوز 2019، بالمعهد المتوسطي للدراسات والبحوث المتقدمة في مرسيليا (فرنسا) التابع لجامعة إكس مرسيليا. وما كان له أن يرى النور لولا ما لقيت من تشجيع وإلحاح ودي من تياري فابر ( T,Fabre) مدير برنامج “المتوسط” بالمعهد. فله في هذا المقام أصدق عبارات امتناني وصداقتي.” (المرجع المذكور، ص 5)
ورغم ما عرف عن المؤلف من اهتباله بالنموذج الغربي الحداثي في الحقوق والحريات وفق القوالب الديمقراطية المعاصرة، فإنه يختم مقدمة كتابه بقوله:
” فلنعمل إذا على تدبر هذا العهد الجديد، وعلى أن نضفي عليه معنى ونسند إليه أفقا، انطلاقا من سلسلة نسب خاص بالعالم العربي وبالإسلام، من حيث هو دين، وثقافة وحضارة، وأن نسجله -تاريخيا- في كونية الناموس الديمقراطي.” (م س ص 16.)
وهذه الخلاصة، في حد ذاتها، لها أهميتها البالغة رغم أن المؤلف ينجذب أحيانا لاتخاذ موقف سلبي ناقد للاتجاهات الفكرية والسياسية الإسلامية التي تحمل المشروع الإسلامي في السياسة والحكم وتطبيق الشريعة، خاصة أن الببليوغرافية العربية التي اعتمدها لا تكاد تشكل في حجمها إلا ثلث حجم الببليوغرافية الأجنبية التي رجع إليها. بالإضافة إلى الشح الملحوظ عنده في مصادر السياسة الشرعية والدراسات الحديثة التي عالجت قضايا الفقه الدستوري الإسلامي مقارنا بالنظم الديمقراطية الحديثة.
ولئن كانت مؤلفات أعلام الفكر الإصلاحي الإسلامي ضامرة نسبيا في مصادر الكتاب ومراجعه مثل الجويني وابن تيمية وابن القيم ورشيد رضا ومحمد إقبال وعباس محمود العقاد وراشد الغنوشي وفهمي هويدي وحسن الهضيبي وأحمد الريسوني، وقد اعتمد تقريبا لكل منهم مؤلفا واحدا، فإنه تحضر مؤلفات أخرى بعضها أقرب إلى الدرس الفلسفي وإشكالية المنقول والمعقول، مثل: تهافت التهافت لابن رشد ونقد العقل العربي للجابري، ومن تاريخ الإلحاد في الإسلام لعبد الرحمن بدوي. مقابل زخم من الأسماء المعروفة بإثارة إشكاليات وتحديات معاصرة منها المعتدل، مثل: الطاهر الحداد ورضوان السيد، والمغالي، مثل: محمد شحرور وعبد المجيد الشرفي، وعلي عبد الرازق، وغيرهم.
والسياق الذي أسوق له هذا التقريب هو ربط العنوان أعلاه بما ذكره المؤلف من أن كتابه ثمرة انقطاع وتفرغ لإنجاز عمل بالإيعاز من المشروع الموصوف في المعهد المذكور برعاية مسؤوله الذي أثنى عليه، باعتبار احتضانه ومتابعته.
وكثيرة هي المشاريع المعطلة عندنا رغم وضوح قسماتها وملامح محتواها ومراحل إنجازها مقابل عطالة كفاءات تحمل في شخصياتها مؤهلات عليا وتجر وراءها رصيدا هائلا من تراكمات الخبرات البيداغوجية والعلمية فضلا عن شحن من القوى الاقتراحية، ولكن لا يلتفت إليها لأسباب منها:
ما يتعلق بطبيعة نظمنا في التعليم والتكوين من حيث غلبة الإرهاق الكمي الذي يثقل كاهل المؤطر، مما يجعله متشوفا إلى الراحة والخمول والانشغال بالأمور الصغيرة والتافهة، أو الانبهار بما فاته به من هو أقل منه علما وكفاءة وتأهيلا.
ومنها: غياب الحوافز نتيجة مكافأة التكوين الهش وتجاهل التكوين المختمر والخبرة الناضجة.
ومنها: أثر طابع التخلف الذي يسيطر على كثير من قطاعات المجتمع وعلاقاته وسير مرافقه الحيوية على مجالات العلم والمعرفة أيضا. وغير ذلك من العوامل التي تحتاج من أهل الاختصاص التحليل الموضوعي واقتراح البدائل المرحلية الممكنة للفعل التاريخي والعمل الحضاري، كشأن الأمم التي تترك آثارها في أمجاد التاريخ ومعالم الحضارة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى