في الرد على مغالطات الكاتب العام للنقابة الوطنية لصناعات البترول والغاز ورئيس الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول
ادريس الازمي الادريسي

منذ مدة والسيد الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية لصناعات البترول والغاز ورئيس الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول، يحرص في كل مرة، يتطرق فيها لموضوع المحروقات على ربط موضوع تحرير أسعارها بذكر اسم رئيس الحكومة الأسبق الأستاذ ابن كيران، والتي كان آخرها فقرات مليئة بالمغالطات نشرها في أحد المواقع الإلكترونية بعد إعلان محطات التوزيع، صباح الخميس 16 يوليوز 2026، عن الزيادة في أسعار الغازوال والبنزين.
حيث دبج فيها الافتراء التالي: “لقد اكتملت الصورة اليوم أمام الجميع؛ فتحرير أسعار المحروقات، الذي قرره بنكيران تزامنًا مع تعطيل تكرير البترول بمصفاة المحمدية، لم يكن صدفة، وإنما تواطؤ بين حكومة بنكيران واللوبيات المتحكمة في سوق المحروقات بالمغرب، والغاية من ذلك هي فتح المجال أمام هذه الشركات للرفع من أرباحها. أما الزعم بإنقاذ صندوق المقاصة، فهو زعم مفضوح أمام الواقع المريض للصحة العمومية والتعليم العمومي، ليضاف إلى ذلك انهيار القدرة الشرائية لعموم المغاربة.”
أولا- المثير في تصريحات السيد الحسين اليماني هو هذا الافتراء الغريب بكون تحرير أسعار المحروقات إنما هو تواطؤ بين حكومة بنكيران واللوبيات المتحكمة في سوق المحروقات بالمغرب وربطه المضلل بين قرار التحرير وتوقف مصفاة تكير البترول بالمحمدية… والمعلوم لدى الجميع أن لا علاقة لهذا القرار نهائيا بتوقف شركة سامير التي بلغت مداها بطريقة طبيعية وكانت متوقفة أصلا بعد سنوات من الأزمات والخسائر الضخمة، وأن المعروف أن قرار التحرير جاء ضدا على إرادة هذه الشركات ومعارضتها القوية لهذا القرار وعلى مدى سنوات عديدة، وذلك باعتباره قرارا أنهى عقودا من الريع النفطي ومن الأرباح الفاحشة الممولة مباشرة وفي صمت من الميزانية العامة وبدون حسيب ولا رقيب.
لقد بلغ على سبيل التجسيد الغلاف المالي المخصص لصندوق المقاصة ما يناهز 214 مليار درهم بين 2010 و2014 فقط، وتجاوزت المتأخرات المتراكمة وحدها لفائدة شركات المحروقات 22 مليار درهم في متم سنة 2012، مع العلم أنه لم يكن آنذاك يسمع أي صوت للسيد اليماني ولنقابته للتصدي للتواطؤ الحقيقي الذي يحسب بعشرات ملايير الدراهم من الأموال العمومية، وللمطالبة بكشف المستفيدين من هذه المبالغ، وهو حيث كان آنذاك ونقابته حاضرين بشركة لا سامير وهو الخبير والعليم بصناعات البترول والغاز وبما يجري في سوق المحروقات في العالم وفي المغرب.
ثانيا- لا يجادل إلا من له غاية معينة في كون هذا القرار مكن من التحكم في الكلفة المالية لصندوق المقاصة، وفي استعادة وضبط التوازنات المالية، وتحويل الهوامش المالية التي تم توفيرها إلى برامج دعم الفئات الهشة والقطاعات الاجتماعية والحفاظ على مجهود الاستثمار العمومي، وفتح الباب أمام منظومة جديدة متكاملة لتعميم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية وصرف الدعم الاجتماعي المباشر، وذلك بغض النظر عما قد تعرفه بعض القطاعات من إشكاليات.
ثالثا- وهذا هو الأهم لأن المطلوب ليس إقناع السيد اليماني لا بالأولى ولا بالثانية مادام يتعامل مع هذا الملف ليس كموضوع وطني يتطلب الترافع والنقاش العلمي بموضوعية وصدق، ولكنه يتعامل معه بمنظار إيديولوجي ضيق هدفه النيل من خصم سياسي وإيديولوجي عبر تكرار اسم ابن كيران في كل وقت وحين، في الوقت الذي يغفل من سبقه من المسؤولين العموميين ومن الوزراء الأولين وخاصة الذين هم على علاقة بملف شركة سامير.
وهنا لا بد من التنبيه إلى أن السيد اليماني يحرص على بدءِ سرديته حول تاريخ شركة سامير من 2015 وذلك بطريقة انتقائية تبعث على الشك، وهو يقفز على محطات أساسية من حياة هذه الشركة، ويتعمد ويغفل ويتناسى العديد من الوقائع والأسئلة الحقيقية التي تعنيه شخصيا ونقابته وتحملهما جزءا من المسؤولية باعتبار أنهم معنيون بهذا الملف.
لذا على السيد اليماني الذي عايش ونقابته مسلسل شركة سامير منذ البدء وخاصة منذ خوصصتها في 1997، وقبل التصريح بأن “المخرج من هذا كله هو إسقاط هذا التحرير بقرار من رئيس الحكومة، بإعمال الفقرة الثانية من المادة الثانية من قانون المنافسة وحرية الأسعار، وكذلك إحياء تكرير البترول بمصفاة المحمدية في أقرب الآجال، ومراجعة الضريبة على المحروقات”، عليه أن يخبرنا لماذا يركز فقط على قرار تحرير المحروقات وعلى سنة 2015 وما بعدها في حين أن ما عاشته شركة سامير منذ 2015 إنما هو نتيجة طبيعية لقرارات متتالية ابتدأت من 1997.
لقد تمت خوصصة الشركة في 1997، من خلال عملية عرض عمومي للبيع عبر إدراجها في البورصة، ثم وفي مرحلة لاحقة، تمت عملية بيع الشركة لفائدة مستثمرين من خلال طلب عروض دولي، والذي فازت به مجموعة كورال بتروليوم هولدينغ (Corral Petroleum Holdings).
ثم تواصلت إشكاليات الشركة بعد حريق 2002، وهي السنة التي تم خلالها فتح الأبواب أمام شركات المحروقات لاستيراد المنتجات البترولية المكررة المستوردة من الخارج، وليس في 2015، وأصبحت شركات التوزيع بعد ذلك غير ملزمة عمليًا بالتزود من شركة سامير، ثم تفاقمت مشاكل الشركة بعد أن تخلفت الشركة عن الوفاء بالتزاماتها الاستثمارية لتحديث وتأهيل منشآتها الصناعية، وتوالت إشكاليات الشركة منذ ذلك الحين وتراكمت ديون الشركة التي بلغت في النهاية ما مجموعه 43 مليار درهم من المستحقات التي يطالب بها مختلف الدائنون من زبناء وممونين والجمارك والخزينة العامة والأجراء وغيرهم…
لذا يبقى السؤال هو لماذا التركيز على مرحلة ما بعد 2015، وتعمد إغفال السنوات التي قبلها، بدءا بـ1997 سنة الخوصصة، مرورا ب2002، سنة الحريق وتوقف التكرير وتحرير الاستيراد، ثم 2008، أول أزمة أداء بالنسبة للشركة، و2011، حيث بلغ صافي مديونية الشركة حوالي 14 مليار درهم، و2014 سنة تحقيق خسارة قياسية بلغت نحو350 مليون دولار، وبلوغ إجمالي ديون الشركة حوالي 24 مليار درهم، وتسجيل عجز السيولة بنحو 11 مليار درهم، ثم وصولا إلى تعليق تداول سهم شركة سامير في بورصة الدار البيضاء، في 2015، بعدما فقدت أسهم الشركة حوالي 50% من قيمتها.
وخلال كل هذه المراحل من حياة الشركة منذ 1997 لا بد أن السيد اليماني ونقابته كانا على علم بها وبإشكاليتها، فلماذا غفل ولم يتصد في حينه لقرار الخوصصة، ثم لماذا غفل ولم يتصد في حينه لقرار تحرير الاستيراد، ثم لماذا غفل ولم يتصد في حينه لمختلف المطبات والأزمات التي عاشتها الشركة، ولماذا لم يظهر له أثر إلا بعد دخول الشركة اضطرارا مرحلة التصفية.
على السيد اليماني وقبل أن يحمل المسؤولية لغيره أن يوضح للرأي العام ما الذي فعله هو ونقابته، لمواجهة مختلف هذه المحطات التي سبقت سنة 2015؟ أم أن الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول لم تعد معنية بالموضوع إلا بعد إفلاس الشركة والشروع في تصفيتها في 2015 والتي هي في الحقيقة نتيجة طبيعية وموضوعية للمسلسل الذي عاشته الشركة منذ 1997 والتي كان ينبغي مواجهته والتنبيه له في حينه؟ أم أن الأمر لم يكن ليثير الانتباه والاحتجاج والدعوة للإنقاذ مادامت الشركة كانت تعيش في بحبوحة ولم يظهر الاحتجاج والدعوة إلى الإنقاذ إلى بعد أن سقطت وفقدت سيولتها وجاذبيتها.
أما نحن في العدالة والتنمية، فلا يهمنا مثل هذه الافتراءات والركوب بطريقة انتقائية ومؤدلجة على قضايا وطنية كبيرة وجدية، لكن الذي يهمنا هو أن نقوم بواجبنا وكذا ما عبرنا عنه رسميا عبر دعوتنا إلى نقاش وطني حقيقي للعمل على تذليل كل الصعوبات القانونية والعملية لإعادة تشغيل الشركة المغربية للصناعة والتكرير “مصفاة سامير”، باعتبار ذلك أصبح أولوية لتعزيز الأمن الطاقي لبلادنا عبر توفير قدرات وطنية مستقلة في مجال تكرير المحروقات، بما يوفر آلية للتفاعل مع تقلبات الأسواق العالمية واضطراب وتوقف سلاسل الإمداد، وآلية لتعزيز المنافسة والحد من الاختلالات البنيوية والتواطؤات والتفاهمات التي يعرفها سوق المحروقات ببلادنا، ومحاربة الريع والهيمنة في هذا القطاع، وبما ينعكس إيجابًا على تكوين الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمواطنين والاقتصاد الوطني.



