رأي

المستفيدون من دحرجة العدالة والتنمية سياسيا

عبدلاوي لخلافة - كاتب وصحافي

إعادة نشر

في أعقاب انتخابات 8 شتنبر 2021، بعث الكاتب والصحافي عبدلاوي لخلافة بهذا المقال إلى هيئة تحرير إطلالة بريس، متضمناً قراءة تحليلية لأسباب النتائج التي أفرزتها تلك الاستحقاقات، ومقدماً رؤية استشرافية لمآلات المشهد السياسي والانتخابي بالمغرب.

ونظراً لما يتضمنه المقال من معطيات وتحليلات وأسئلة لا تزال تحتفظ بقدر من الراهنية، خاصة مع اقتراب استحقاقات انتخابية جديدة، تعيد إطلالة بريس نشره تعميماً للفائدة، وإسهاماً في إثراء النقاش العمومي حول التجربة الحزبية والانتخابية بالمغرب، وفتح المجال أمام القارئ لمقارنة ما ورد فيه بما أفرزته التطورات السياسية خلال السنوات الماضية.

اطلالة بريس

كتبت هذا المقال عقب انتخابات 2021، وأرسلته لعدة مواقع الكترونية لم تنشره وقتها، فموقع لم ينشره ربما لترتيبات خادمة لأجندته الخاصة، رغم نشره لعدة مقالات أنتقد فيها حزب العدالة والتنمية، وموقع ثان استغل مديره “عمقه الفكري والسياسي” لتوظيف أفكاره في مقال مماثل ـ في ما يشبه سرقة اعلامية بجلاجلها ـ كما استغل معطياته في برنامج تلفازي، كخبير اعلامي بعد هزيمة العدالة والتنمية، وهو يفهم نفسه من خلال إعادة نشر هذا المقال.

   يحس غالبية مناضلي حزب العدالة والتنمية والمتعاطفين مع خطابه السياسي بنوع من الذهول والحسرة وهم يتلقون النتائج الانتخابية لثامن اكتوبر2021، وكأن الحزب الإسلامي قد مات، ولم تعد له قائمة وأنه مصدر أزمات المغرب الماضية والمستقبلية ويجب التخلص منه.

والحقيقة السياسية والنفعية أن الحزب بحاجة لاسترجاع الأنفاس بما تقتضيه مقولة : “استراحة محارب” ما دام مؤمنا بالعمل الديمقراطي والتناوب السياسي وحاجة المغربلاكسجين مالي” يخفف تداعيات أزمة “كورونا” وطمأنة رجال الأموال والأعمال للرجوع للمغرب وإنعاش الاستثمارات دون خوف من صندوق زكاة او محاسبة، وتجاوز ديماغوجية: من أين لك هذا؟

هذه الحقيقة السياسية وعلاقتها بالنتائج المحصل عليها تستدعي توضيحات لتقريبها وإثبات صدقيتها وهذه التوضيحات تتأسس على فهم ذاتي وموضوعي للحالة الراهنة، ليأتي بعدها تقديم اقتراحات للتعامل مع الوضع الراهن واستشراف مستقبل سياسي راشد يخدم البلاد والعباد.

توضيحات ذاتية:

لا شيء يأتي مجانا الا عضة العقرب كما يقال، وبناء على هذه المقولة فالنتيجة الراهنة جاءت نتيجة لتخبطات على المستوى الذاتي:

 ـ لقد وصل حزب لعدالة والتنمية محطة الانتخابات منهكا من الضربات السياسية والإعلامية لطبيعة تسييره الحكومي، سواء من خصومه السياسيين والاديولوجيين وكذا من المتضررين من قراراته الاجتماعية والاقتصادية.

ـ  السقوط في بؤرة الغرور السياسي، الأمر الذي جعل الظاهرين في المشهد السياسي والمتصدرين داخل الحزب يحسون بغرور زائد، بأن لا حاجة لنا لمناضلين: يعرقلون او ينتقدون، وليذهبوا خارج الحزب إن لم يعجبهم ما نفعل، فنحن أدرى بالقرارات التي نتخذ، لاننا ٱنسنا القرب من صناع القرار ولقائهم في القاعات المكيفة.

ـ  بعد الغرور يأتي الترفع عن الانصات لانتقادات الآخرين، وان كانت عين الصواب، وانناوحدنا مضويين البلادباستثناء تجارب معدودة قدرت ان لين الجانب والحرص على اتخاذ القرارات باغلبية الفاعلين السياسيين هو الحل الأسلم للتعامل مع المعضلات السياسية المتراكمة منذ الاستقلال الى ما بعد الانتخابات.

ـ  والثالث هو السقوط في تكثير”مناضلي البطون على حساب مناضلي العقول”، كما قال أحد المناضلين من الجنوب الشرقي للمغرب، بخلاف ما بدأ به الحزب مشواره السياسي، الذي تأسس على اناس خلص يعملون بصمت وتفان دون ان ينتظروا ظهورا او تلميعا تماشيا مع فلسفة الصدق والثقة في مسار الإصلاح.

لقد انتصر الحزب في سابق محطاته الانتخابية، ليس بنرجسية قيادات سياسية أو خطابات جوفاء، بل يقينا بأن من يتحرك في نفق السياسة من مناضلي الحزب في غالبيتهم: انسان ورع يريد الإصلاح وليس هدفه نفعي او الترقي الاجتماعي والاستفادة من الامتيازات المتاحة سياسيا، والتي اصبحت مشرعنة قانونيا، وليست ريعا وارتزاقا بالسياسة شرعيا وثقافيا.

ـ  والمعطى الواضح والاخير في هذه التوضيحات الذاتية هو هيمنة وجوه واصحاب خطابات، ترى انها الوحيدة الخبيرة بالسياسة وكواليسها وغيرها مجرد فقهاء، يجب ان يكون خدم لسدنة السياسة، ولا يجب الخلط بين الدعوة والسياسة، وربما دافعوا بكل شراسة، وربما وقاحة، بأن الدعوة خادمة للسياسة وليس العكس، حتى ان أفرادا من مثل هاته الوجوه انتقل من سابق زعماته الدعوية الى منصة السياسة لما تجلبه من رزق وتفوق طبقي بحجة: “اننا انتخبنا في المدينة الفلانية لرأب الصدع بين الإخوان”، وكأنهم هم الوحيدون الذين يليقون لهذا التعيين وهذا المنصب وتلكم الامتيازات..

توضيحات موضوعية

 أكيد ان تعميم فشل الحزب انتخابيا على المستوى الوطني بكونه من صانعي القرار الفوقي يجانب الصواب وفيه نوع من المبالغة والتبريرية، لأن التراجع مؤسس على المعطى الذاتي السابق ذكره وعلى بعض المعطيات الموضوعية الاتية:

ـ سخط المقاطعة الشعبية، التي يبرزها عدد المصوتين والأصوات الملغاة، فبناء على معطيات المشاركة ـ كمراقب مركزي بسلا ـ يتبين ان نسبة التصويت تقدر بالثلث، ونسبة الثلث تتقاسمه الاحزاب المشاركة بشموليتها تحت رحمة المال والانتقام.

     ولمزيد من التوضيح فمن نسبة 701 مسجل بلائحة في مكتب فرعي مثلا، سجلت مشاركة 215 ناخب في الاقتراع منها 33 ورقة ملغاة والباقي اي: 183 تقاسمته اثني عشر حزبا.. وليتمم الحساب، حتى ان لوائح حصلت على صفر صوت، لا يشرف حتى طباعة اوراق الانتخاب لأصحابها.

ـ  حياد الإدارة في زجر المخالفين لشفافية الانتخاب وغض البصر عن توزيع المال لشراء الذمم، حتى إن خدام احد المرشحين ينقلون الناخبين إلى مكاتب الاقتراع وتسليمهم المبالغ المتفق حولها بكل أريحية.

ـ الوضع الاقتصادي المستقبلي للمغرب امام تداعيات “كورونا”، والذي يحس بهذا  المعطى جيدا هم رجال الأعمال والعمال والمستخدمين، وهو الوضع الذي لا يستطيع العدالة والتنمية توفيره، وان صدقت نواياه الإصلاحية، فالمستقبل الاقتصادي يحتاج معه المغرب لاوكسجين مادي مقدر يفي بالاحتياجات الاجتماعية الملحة، والتي تؤجل اي احتقان اجتماعي ومأزق اقتصادي.

ـ  قد تكون مرتبة العدالة والتنمية أمام المعطيات السابقة تتراوح بين المرتبة الرابعة والخامسة بكل موضوعية، لكن العمل، من كل الأطراف المتحكمة والمشاركة في اللعبة، لدحره الى المؤخرة بهذا الشكل الكاريكاتوري، يشكك في جدوائية المشاركة السياسية، وهو ما يطرح السؤال: كيف تمكن حزب خلال ولايات سابقة ان يحقق نتائج ملحوظة رغم محدودية فعله وخطابه السياسي، وكيف أصبح بين ليلة -دون ضحاها – لاشيء، وكأنه هو سبب ازمات المغرب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية منذ الاستقلال الى يوم الناس هذا، وهو الحزب الذي كان، إلى وقت قريب ضروري لتأثيث المشهد السياسي، حيث أعطى وجوده السياسي في المشاركة السياسية نوعا من المصداقية داخليا وخارجيا؟

مقترحات وتوصيات

قد تكون الاستقالة السريعة لأمانة الحزب والدعوة إلى مؤتمر استثنائي خطوة في المسار التصحيحي للتعامل المسبق مع المرحلة المستقبلية، غير أنه من الأجدى الإشارة إلى قائد السفينة الدكتور سعد الدين العثماني.

إن ما يحسب للعثماني، الذي قاد الولاية الثانية لحكومة جزء من الاسلاميين في التسيير، رغم ما يصوره الاعلام من هزيمة مدوية، هو نجاحه في اخراج المغرب من قلاقل التناحر السياسي بالحرص على التوافقات بين مختلف الفرقاء، والتي ادى الحزب ضريبتها، وقدم للداخل والخارج ان الاسلاميين ليسوا خطرا على الديمقراطية.

كما حاول العثماني تفاديالتخلويض السياسي“، حيث عدت تصريحاته الاعلامية واشتغاله الاخلاقي مع الفرقاء ضعفا او فقدان لكاريزما سياسية تزلزل الاخر بخطاباتها او الكذب على الشعب ووعده بما لا يطبق لكسب وده وصوته.

لذا جاءت دحرجة هذا الفصيل الاسلامي الى الوراء فرصة لتجريب رجال المال في التدبير السياسي بعد تجريب الاشتراكيين والاسلاميين و طمأنة اصحاب الاموال وفسح المجال لاستثمار أموالهم مع ارهاصات ازمة اقتصادية مستقبلية لا يملك العدالة والتنمية قدرة لمواجهتها، حيث إن اغلب مناضليه موظفون ينتظرون راتبهم الشهري من خزينة الدولة، وليس لهم ما يضخون للخزينة لمواجهة تحديات الاقتصاد.

ويبقى على الحزب ان يقر، وهو الحزب ذو المرجعية الاسلامية، ان ينضبط بكل تواضع لمضمون ومقاصد الاية: ” وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم، رغم ان الخطاب جاء من البشر، الا انه فرصة للحزب للملمة شعثه وتنظيم صفوفه والتعامل الموضوعي مع المعطيات الذاتية والموضوعية التي سهلت الدحرجة.

وفي انتظار تجربة رجال الاعمال في التسيير السياسي ومدى نجاحها، وكذا التجريب السياسي لحزب الاصالة والمعاصرة بعد تأهيله سياسيا بالحصول على  المرتبة الثانية لولايتين، وبعد دحرجة غريمه السياسي من اية منافسة، تبقىى إشارة الى ضرورة وعي صانعي القرار بالمغرب ان الاستمرار في التجريب لا يخدم ترسيخ ديمقراطية شفافة تعيد للسياسة نبلها وكونها وسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية والكرامة الانسانية.

فالمغرب، منذ الربيع العربي، قطع مع تجارب جيرانه في التعامل مع مختلف الفرقاء السياسيين رغم اختلاف اديولوجتهم، مطالب اليوم بصيانة مكتسباته وتطهير السياسة من سطوة المال وجعل المشاركة السياسية فضاء لتدافع المشاريع بكل حرية واستقلالية وفسح المجال للشباب والاصوات، التي تبدو خطاباتها معارضة، دون القفز على حقائق الواقع السياسي المغربي بالاستمرار في التجربب الى ما نهاية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى