رأي

حصان طروادة… حين تُصنع اللغة لتُدمّر الهوية

مصطفى بن عمور استاذ باحث

تمهيد: في البدء كانت الكلمة، وفي النهاية تكون الهوية

ليست اللغة مجرد أداة للتواصل، كما يظن القاصرون، بل هي وعاء الوجود، وصانعة الهوية، ومستودع الذاكرة. إنها ما يمنح الإنسان انتماءه، ويمنح الجماعة وحدتها. يكشف عباس العقاد في “اللغة الشاعرة”: إن اللغة “تتراءى فيها طبيعة أهلها بصفاتهم وصفات أوطانهم، كما يتراءى لنا منها أطوار المجتمع من مادة الألفاظ ومفردات الأسلوب” . فإذا كانت اللغة مرآة الأمة ووعاء تاريخها، فماذا يحدث حين تُفرض على أمة لغةٌ لا جذور لها في تراثها، ولا حروف لها في ماضيها، ولا مؤلفات لأجدادها فيها؟ إنها ليست مجرد لغة جديدة، بل هي محاولةٌ لخلق إنسانٍ جديد، منفصلٍ عن ماضيه، مقطوعٍ عن هويته، معلقٍ في فراغٍ وجودي يسهل على أعداء الأمة ملؤه بما يشاؤون.

وهذا بالضبط هو لبّ المؤامرة التي تُحاك ضد المغرب اليوم، تحت غطاء “التمازغ” و”الاعتراف بالتنوع”. إنها ليست دعوةً للاعتراف بثقافة، كما يُزعم، بل هي مشروعٌ سياسيٌّ أيديولوجي، هدفه الأسمى تمزيق النسيج الوطني المغربي، وخلق قطيعة وجودية بين الأجيال الصاعدة وبين هويتها العربية الإسلامية، وتراثها العريق، وروحها الوطنية التي صهرت كل مكوناتها في بوتقة واحدة. هذا هو “حصان طروادة” الجديد، الذي يُدخل إلى سور المغرب من باب اللغة المزعومة، ليُحدث في هويته وتاريخه ما لا تحدثه جيوشٌ ولا مدافع.

أولاً: اللغة المختبرية… بين فراغ الماضي ومخططات المستقبل

يُزعم لنا اليوم أن هناك لغةً “أمازيغية” يجب تعليمها للأجيال، وتدوين التاريخ بها، وكتابة المناهج الدراسية فيها. ولكن، أين تراث هذه اللغة؟ أين كتبها ومؤلفاتها؟ أين هي في خزائن المخطوطات؟ لقد سألنا، فلم نجد. لا توجد لغةٌ بهذا الاسم في تاريخ المغرب، ولا حروف بهذا الشكل عرفها أجدادنا العرب الأمازيغ، الذين صاغوا أمجادهم بالقلم العربي، وباللسان العربي، الذي كان لغة العلم والدين والسياسة والإدارة لقرون طويلة . إنها لغةٌ لا تملك إرثاً مكتوباً بأقلام أبنائها، لا قبل مائة سنة ولا قبل ألف سنة. إنها لغةٌ مصنوعةٌ في مخابر الأيديولوجيا، حروفها “تيفيناغ” ميتة، لم يستخدمها أجدادنا في تدوين شيء ذي قيمة، لا في دين ولا علم ولا أدب ولا تاريخ….ولا وحود لها في غير مايسميه التمزيغيون نقيشات مشتتة لا قيمة لها في إلا أن يصدق فيها قول الشاعر في آثار حبيبته
تَلوحُ كَباقي الوَشمِ في ظاهِرِ اليَدِ

وهنا تكمن الخيانة الكبرى. عندما يُفرغ الإنسان من تراثه، يُفرغ من هويته. وعندما تُفرغ لغةٌ من ماضيها، تُصبح صفحةً بيضاء، سهلة الكتابة عليها بأيِّ فكرٍ وأيِّ عقيدة. وهذا ما توصل له المفكر الروسي يوري بيزمينوف، في تحليله لآليات “التخريب الأيديولوجي حين يؤكد أن الهدف هو تغيير إدراك الواقع لدى كل مواطن في الدولة المستهدفة، لدرجة لا يعود معها قادرًا على التوصل إلى استنتاجات معقولة تحمي مصالحه ومصالح مجتمعه وعائلته ووطنه. وهذا بالضبط ما يفعله مشروع التمزيغ: يخلق فراغاً هائلاً في وعي الأجيال، ثم يترك لهم من يملأه.

وهنا أطرح السؤال الوجودي الملح : من يملأ الفراغ؟

من البدهي أن الفراغ الثقافي لا يبقى فارغاً طويلاً. لذلك سيسارع أعداء الأمة، وفي مقدمتهم الموساد ومؤسسات التنصير، إلى ملئه. فهم يتربصون بالمغرب، بتاريخه، ودينه، وعروبته. وهم يعرفون أن أسهل طريقة لضرب أمة هي ضرب لغتها وهُويتها. وهنا يأتي دور “العملاء” الذين يُنتجون كتباً ومناهجَ بهذه اللغة المختبرية، وحروفها الغريبة، ليُقدموا للأجيال الجديدة “تراثاً” مُستورداً، و”هويةً” مصنوعة، تتفق مع أجنداتهم التخريبية، وتتناقض مع كل ما هو مغربيٌّ أصيل.

إن المشروع الأمازيغي، كما تُمارسه بعض التنظيمات، ليس مشروعاً ثقافياً، بل هو مشروع سياسيٌّ بامتياز. وكما يؤكد المفكر علي حرب في كتبه، فإن إعادة إنتاج الهويات غالباً ما تكون مشروعاً لتفتيت الدولة الوطنية، وخلق كيانات سياسية جديدة، تخدم مصالح القوى الكبرى في المنطقة. والأدلة على ذلك كثيرة: فمن المطالبة بـ”الحكم الذاتي” لبعض المناطق، تحت غطاء الاعتراف بالخصوصية، إلى الدعوات الفدرالية التي تُقسم الوطن إلى دويلات، كل ذلك يصب في خانة واحدة: تمزيق المغرب . إنها ليست مصادفة أن تترافق الدعوات إلى “الأمازيغية” مع دعوات إلى “العلمانية” و”الفدرالية”؛ فالكل يخدم مشروعاً واحداً، هو مشروع التفكيك.

القطيعة الوجودية… جيلٌ بلا هويةٍ وبلا تاريخ

وأخطر ما في هذه المؤامرة هو نتائجها على الأجيال القادمة. إن تعليم الأطفال لغةً لا تراث لها، وحروفاً لا ماضيَ لها، هو بمثابة قطع الحبل السُّري الذي يربطهم بآبائهم وأجدادهم. سيكبر هؤلاء الأطفال ليجدوا أنفسهم أمام فراغ هائل، لا يعرفون من هم، ولا ماذا يقرؤون، ولا بأيِّ تاريخٍ يفتخرون. فبدلاً من أن يقرؤوا تراث المغرب العظيم، من ابن رشد إلى ابن خلدون، ومن الفقه المالكي إلى الأدب الأندلسي باللغة التي كتب بها أجدادهم العظماء ذلك ، سيقرؤون نصوصاً مبتسرة، وتاريخاً مختلقاً، يخدم أغراضاً سياسية خبيثة تهيأ تحت غطاء أنشطة مركز موشيه دايان أو مركز حاييم هرتسوغ وباقي بؤر الصهيوتمزيغية .

سيُخلق جيلٌ مشوّه الهوية، لا يعرف العربية لغةَ القرآن والعلم بل يعاديها ويحاربها حمقا أو عن غرض وقصد ، ولا يعرف الأمازيغية إلا كأداةٍ للتفريق والإقصاء . وسيكون هذا الجيل فريسةً سهلةً لأعداء الأمة، الذين سيستغلون عزلته الثقافية وضياعه الوجودي، ليزرعوا فيه الأفكار الهدّامة، ويقودوه إلى مزيد من التطرف والانفصالية. وهذه هي مرحلة “زعزعة الاستقرار” التي يتحدث عنها بيزمينوف، حيث “يُصبح المواطن عدوًا لنفسه ومجتمعه ووطنه، فلا عقيدة موجِّهة، ولا وحدة فكرية جامعة” .

المغرب واحدٌ، وهويته لا تُجزأ

إن المغرب، منذ فجر تاريخه، كان أمةً واحدةً، عربيةً إسلاميةً أمازيغية، صهرت كل مكوناتها في بوتقة الإسلام والعروبة لغة . لقد كانت الأمازيغية موجودةً، ولا زالت، كلكنةٍ ولهجة، وكجزءٍ من التنوع الثقافي المغربي، لكنها لم يجعلها أجدادنا يوماً بديلاً عن العربية، ولا عن الهوية المغربية الجامعة. والمشروع “التمزيغي” ليس مشروعاً لإحياء هوية، بل هو مشروع لصناعة هويةٍ جديدة، من صنع المخابر، ومن توجيه الأعداء.

وحذارِ أن ننخدع بشعارات “الوحدة في التنوع”، فهذا المبدأ، كما يقرأه العقلاء، ليس إلا “رد فعلٍ ضد الآخر”، ووسيلة لتمرير مخططات سياسيةٍ تحت غطاءٍ ثقافي . فالتنوع الحقيقي لا يُمارس على حساب الوحدة، والاعتراف بالخصوصيات لا يعني تمزيق الوطن.

المغرب اليوم في معركة وجود، معركة هوية، معركة تاريخ. والفائز فيها هو من يحافظ على دينه، وتراث أجداده باللغة التي ارتضوها وأحبوها وجعلوها مصب عقولهم ومشاعرهم ووحودهم . والخاسر الأكبر هو من يُفرّط في كل ذلك، تحت أوهام “التعددية” و”الاعتراف”.
فهل نترك أعداءنا يسرقون هويتنا من تحت أنظارنا، أم نقف صفاً واحداً لحماية وطننا من حصان طروادة هذا؟

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. حين يُراد قلب الحقائق، يُصبح الضحية هو المتهم!
    ​إن محاولة تصوير النهضة الأمازيغية كـ “حصان طروادة” أو كأداة لتخريب الوطن هي قلب صارخ للحقائق التاريخية والواقع المعاش. إذا كان هناك من استعمل “حصان طروادة” حقيقيًا في تاريخ هذا الوطن، فهم دعاة الفكر التعريبي الإقصائي، الذين اتخذوا من الدين الإسلامي الحنيف والأخوة الدينية غطاءً ومطية، ليس لنشر قيم الإسلام، بل لتمرير أيديولوجية قومية ضيقة هدفت إلى محو الهوية واللغة الأمازيغية عن بكرة أبيها.
    ​الكاتب يقول: “حين تُفرَّغ اللغة من ماضيها، يُفرَّغ الإنسان من هويته”، وهذه العبارة تنطبق تماماً على ما واجهه الأمازيغ؛ فقد بُذلت جهود ممنهجة لعقود من أجل تفريغ الإنسان الأمازيغي من تاريخه الأرضي الممتد لآلاف السنين، وطمس معالم هويته، بل ووصل الأمر إلى محاولة طمس وتغيير أسماء الأمكنة والجغرافيا الإثنوغرافية العريقة لتعويضها بأسماء هجينة لا علاقة لها بذاكرة الأرض.
    ​الحقيقة التي لا يمكن حجبها بالغربال:
    الأمازيغية لم تصنعها مختبرات الغرب، بل هي ابنة هذه الأرض، كُتبت بدماء المقاومين الأحرار الذين دافعوا عن الوطن وحريته، والنهوض بها اليوم ليس خيانة، بل هو تصالح مع الذات الوطنية، وإعادة الاعتبار لتاريخ حُجب عمداً.
    ​لولا استفاقة المناضلين الأمازيغ الأحرار والجمعيات المدنية الواعية التي وقفت سداً منيعاً أمام قطار الطمس والتعريب الكلي، لكنا اليوم أمام مجتمع مبتور الذاكرة. المطالبة بالحقوق اللغوية والثقافية في إطار مؤسساتي ووطني هي قمة المواطنة الحقة، أما التخوين وتوزيع صكوك الوطنية بناءً على الهوس الأيديولوجي، فهو “الحصان الحقيقي” الذي يهدد التماسك والانسجام الوطني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى