رأي

ليس ردا على رضوان بن عبد السلام …ولكن المناسبة هي السبب الرأي الفقهي الأصولي حول تحريم راتب سائق حافلة عليها ملصقات للقمار .

مصطفى بن عمور المعاشي الحسني

تمهيد في النية والخطأ المنهجي

صاحب التذكير – على طيب قصده وإخلاص نيته – قد استشعر خطورة القمار، وأراد تنبيه الناس إلى مخاطره وشر مآلاته ، وهذا مما يُشكر عليه أصلاً. لكنه لما تجاوز حدَّ النصح إلى إصدار الأحكام الشرعية، وربط حرمة الراتب بحرمة الإعلان، وقع في مزلة فقهية عظيمة، وخلط بين بابَيْن متباينَيْن: باب مباشرة الحرام، وباب الاكتساب بعمل مباح في بيئة مختلطة. وهذا الخلط منشؤه عدم التمييز بين عقد الإجارة وعقد المشاركة، وبين ذمة العامل وذمة الشركة.
لذلك سأعمل على توضيح هذا من خلال الخطوات التالية :

الأولى: ماهية عقد الإجارة وثمرته

عقد العمل بين السائق وشركة النقل هو عقد إجارة على منفعة، وهي قيادة الحافلة في الطريق، وهذه منفعة مباحة بالاتفاق. والأجرة في الإجارة إنما تَمْلَّكها مقابل تسليم المنفعة، لا مقابل قرارات الإدارة أو سياسات التسويق. وقد قال الله جل وعلا: “وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ” – والبيع اسم جنس يدخل فيه الإجارة دخولاً أولياً. والأصل في العقود الصحة، فلا يُعدل عنها إلى الفساد إلا بدليل قاطع، ولا دليل هنا يقطع بتحريم الأجر.

الثانية: مسئولية الفعل لا تتعدى فاعله

من قواعد الشرع المستقرة: أن كل امرئ بما كسب رهين، وأن لا تزر وازرة وزر أخرى. وهذه القاعدة ليست في الإثم فقط، بل في المعاملات والضمانات أيضًا. فالشركة هي التي وضعت الإعلان، وهي التي تعاقدت مع جهة القمار، وهي الآثمة في ذلك إن صحت الصورة. أما السائق فلم يعقد عقد الإعلان، ولم يوقع عليه، ولم يدفع ثمنه، ولا يملك إزالته، فكيف يُحمل تبعة ما لم يصنع؟! هذا تكليف بالضمان بغير سبب، وهو خلاف قول الفقهاء كافة في أن الضمان إنما يثبت باليد أو بالتسبب المباشر.

الثالثة: الفرق بين الكسب من عين الحرام والكسب في بيئة مختلطة

الفرق بين الأمرين بون شاسع، فإن من يعمل عند صائغ يبيع الحليّ وحليّ الرجال من الذهب حرام – لا يحرم أجره على الصائغ، ولا يُقال للمشتري أجرته حرام. وكذلك من يعمل في شركة طيران تقدم الخمور للمسافرين، فإن أجرة الطيّار والمضيفين حلال في قول أكثر الفقهاء، لأن عملهم هو النقل والسلامة، لا تقديم المحرم. وهذا التفريق هو عين العدل، لأن الحرمة تتعلق بالفعل لا بالذات، والمباشرة شرط في الإثم.
لذلك يفرق الفقهاء بين:

· الحرام لعينه: كالخمر والميسر؛ فكسبه مباشرة حرام .
· المال المختلط: وهو أموال فيها حلال وحرام؛ وحكم العامل في مثل هذه الشركة أنه يأخذ أجرته لقاء عمله المباح، ولا يأثم بما في مال الشركة من شبهات إلا إن كان شريكاً أو متسبباً بها .

وقد دل على هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم تعامل مع اليهود مع أن في أموالهم ربا، واكتفى بتحريم عين الربا لا التعامل المباح معهم . ولو كان مجرد العمل في شركة فيها محرم يوجب تحريم الأجر، لما جاز التعامل معهم.

الرابعة : قاعدة: “الحلال بيّن والحرام بيّن”

قال النبي عليه الصلاة والسلام: “الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس” – وعمل السائق بيّن الحلال، وإعلان الشركة بيّن الحرام عليها لا عليه. فكيف نجعل البيّن الحلال حراماً بسبب ما ليس في يده ولا قدرة له عليه؟! هذا من التوسع في التحريم بغير دليل، والتوسع في التحريم باب من أبواب التنطع المنهي عنه شرعاً.

الخامسة:الضمان في الفقه الإسلامي يثبت باليد أو بالسبب المباشر. والسائق يده مضمونة على الحافلة وقيادتها لا على واجهتها الإعلانية. فلا يصح القول بأنه آكل للحرام؛ لأنه لم يباشر الحرام ولا عاون عليه، وهذا بخلاف من يقبض مالاً للإعلان عن القمار مباشرة، فهذا يكسب من عين الحرام .

السادسة : النصح والورع لا يبلغان درجة الإيجاب

نعم، الورع مستحب، والاحتياط في الدين محمود، ولكن لا يبلغ الورع مبلغ الإيجاب، ولا يجوز تحريم ما أحل الله بالاستحباب. فمن أراد أن يترك العمل احتياطاً فهو حر في ذلك لنفسه، أما أن يفتي على غيره بالتحريم، ويخوّفه بأنه يُطعِم زوجته وأولاده الحرام، فهذا إرجاف في دين الله، وتخويف بغير سلطان، وقد قال ابن تيمية: “الأصل في الأموال الإباحة، حتى يقوم دليل على التحريم”. ولم يقم ههنا دليل.
في الختام نخلص إلى أن :
· راتب السائق حلال؛ لأنه مقابل عمل مباح، والعبرة بعقد الإجارة وثمرتها لا بسياسة الشركة.
· الإثم على من تعاقد مع أهل القمار، لا على الموظف المنفذ لعمل آخر.
· التحذير من القمار حق، لكن لا يُبنى عليه تحريم راتب لا علاقة له بالمباشرة.
· على الناصح أن يتورع عن الخوض العاطفي فيما لا يحسن الحكم فيه كتحريم الحرام، وتخويف الناس بالنار على أكل الحلال لما فيه من تضييق لما وسعه الله، ومجاوزة للحد في النصح إلى حد الإزراء بالمسلمين وتفسيقهم من غير بينة.

والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى