رأي

*كلمات* .. على ضوء حُكمٍ في التوقح على الرسول الكريم .. ومعنى”مورية” الملك !

قراءة في انتقال الاستهداف .. من العقيدة إلى الدولة في شخص الملك(1/3)

أحمد ويحمان
 باحث في علم الاجتماع السياسي ورئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع
إن أخطر الحروب ليست تلك التي تُشن على الحدود، وإنما تلك التي تُشن على الوعي. فالدول قد تصمد أمام الجيوش، لكنها تواجه خطرًا أشد حين يُعاد تعريف هويتها، وتُعاد كتابة روايتها التاريخية، ويُعاد تركيب شرعيتها الرمزية، حتى تستيقظ الأمة ذات يوم لتجد أن ما كان من ثوابتها أصبح موضوع مراجعة، وأن ما كان بالأمس من المسلمات صار محل تشكيك ومساومة.. ومؤامرة، وليس موضوع تطوير ومناقشة في إطار التحولات الطبيعية للاجتماع السياسي وسنن التقدم .
ومن هذا المنطلق، فإن الحكم الصادر أخيرًا في الملف المتعلق بالإساءة إلى مقام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، لا ينبغي أن يُقرأ في معزل عن سياقه، ولا أن يُختزل في منطوقه القضائي وحده، بل يستحق أن يُقرأ أيضًا في ضوء ما أثاره، وسيثيره من نقاش عمومي وأسئلة تتعلق بكيفية حماية الثوابت الدستورية للمغرب، وفي مقدمتها الدين الإسلامي، والوحدة الوطنية، والدولة ومؤسساتها .
ولا يتعلق الأمر، في نظرنا، بحادثة منفصلة أو بسجال عابر، وإنما بسؤال أوسع يتصل بالاتجاهات التي يعرفها المجال الثقافي والسياسي والإعلامي خلال السنوات الأخيرة. فالباحث لا يقرأ الوقائع واحدةً واحدة، وإنما يحاول أن يكتشف الخيط الذي قد يجمع بينها، إذا كان ثمة خيط يستحق الانتباه.
لذلك سبق أن قلنا، في كتاب «بيبيو… الخراب على الباب»، إن مشروع الاختراق الذي نرى أنه يستهدف المغرب لا يتحرك ـ في تقديرنا ـ بعشوائية، وإنما يشتغل على مستويات متدرجة؛ يبدأ بمحاولة المساس بالعقيدة، ثم ينتقل إلى إعادة تشكيل الهوية والانتماء، قبل أن يلامس في نهاية المطاف المرجعيات المؤسسة للدولة. ولم يكن ذلك، بالنسبة إلينا، مجرد فرضية نظرية، وإنما خلاصة قراءة لمسار طويل من الوقائع والكتابات والخطابات التي قد تبدو متفرقة إذا نُظر إليها منفصلة، لكنها تكتسب دلالة مختلفة عندما توضع جنبًا إلى جنب.
ولو كان الأمر يتعلق بحادثة معزولة، أو باجتهاد فكري منفرد، لما استحق كل هذا التوقف. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الوقائع المتفرقة إلى اتجاه، ويتحول الاتجاه إلى خطاب، ثم يصبح الخطاب إطارًا يعيد تشكيل الوعي العام. وهنا يغدو من حق كل مغربي أن يتساءل : إلى أين يراد أخذ هذا البلد ؟ وما هي الصورة الجديدة التي يراد رسمها لهويته وتاريخه ومرجعياته ؟
ولعل أبرز ما غذّى هذا النقاش هو المقارنة التي يجريها المغاربة بين هذا الحكم وأمثاله، إذا تحركت المتابعات أصلا في حق المطبعين ومن يوالون ويخدمون الأجندة الصهيونية رغم فداحة ما يقومون به وبين ملفات أخرى ارتبطت بالتعبير عن الرأي، لاسيما إزاء التطبيع مع كيان الإجرام الصهيوني . فقد أثار منطوق الحكم في قضية الإساءة إلى مقام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، بما انتهى إليه من عقوبة ( 8 أشهر موقوفة التنفيذ وغرامة 500 درهم ! ) تساؤلات لدى فئات واسعة من الرأي العام، خاصة عند مقارنته بأحكام سالبة للحرية صدرت في قضايا أخرى تتعلق بمنشورات أو تدوينات مناهضة للتطبيع، كما هي حالة المناضل سعيد بوكيوض الذي تم اعتقاله بين أفراد عائلته بالمطار وحوكم بخمس سنوات سجنا نافذا وزج به في المعتقل عقابا له على تدوينة من بضعة أسطر، لا تزيد عن فقرة سرعان ما محاها ولم يذكر فيها إسم أي أحد ومضى عليها عامان كاملان ! أو حالة المدون رضوان القسطيط الذي ما يزال وراء القضبان منذ أزيد من سنة بشأن تدوينة لم يذكر فيها إسم أحد، وإنما تم استنتاج ما قد يكون قصده بتدوينته من منظور سلطة الاتهام !
وينضاف لكل هذه الأسئلة سؤال التباطؤ في فتح التحقيق ثم الإجراءات التي دفعت البعض للحديث عن ” تهريب الحكم ” بعد الإمعان على إدخاله للتأمل في وقت غياب المحامين ورفض طلب الدفاع إخراج الملف من التأمل حفاظا على حقوق المشتكين وحقوق الدفاع !!!
إن هذا هو ما دفع كثيرين إلى التساؤل عن مدى اتساق تطبيق القانون ومعايير حماية الثوابت الدستورية. ولسنا هنا بصدد الفصل في تلك الملفات، وإنما بصدد تسجيل أن هذا التفاوت في الانطباع هو الذي يفسر جانبًا مهمًا من الجدل الذي رافق هذا الحكم.
وليس المقصود من إثارة هذه الأسئلة أن يحل المقال محل القضاء، أو أن يصدر أحكامًا على الأشخاص، فذلك ليس من وظيفته، وإنما أن يتوقف عند المناخ العام الذي تتفاعل داخله هذه الوقائع، وعند الرسائل التي تلتقطها فئات واسعة من الرأي العام، وما يترتب عليها من شعور بالاطمئنان أو القلق إزاء حماية الثوابت الجامعة.
إن النقاش الذي رافق هذا الحكم، وما سبقه وما تلاه من سجالات حول قضايا الهوية والذاكرة والانتماء، يبين أن المغرب يعيش مرحلة تستدعي قدرًا أكبر من اليقظة الفكرية. فالنقاش لم يعد يدور فقط حول خيارات سياسية أو دبلوماسية، بل أصبح يلامس أسئلة من قبيل : من نحن ؟ وكيف نقرأ تاريخنا ؟ وما هي المرجعيات التي يقوم عليها اجتماعنا الوطني ؟ .
وفي هذا السياق، يكتسب الجدل الدائر حول ما يسمى بـ”المورية”، (أو ” البورغواطية الجديدة ” وهما مفهومان لعنوان ومتعهد واحد ) دلالة تتجاوز الخلاف الأكاديمي المشروع. فالبحث التاريخي حق، بل ضرورة، ما دام ملتزمًا بقواعده العلمية. أما حين تتحول السرديات التاريخية إلى أدوات لأسطرة وتزوير التاريخ لإعادة تشكيل الهوية الجماعية، فإن من حق المجتمع أن يناقش آثار ذلك، وأن يتساءل عن نتائجه، لأن الهوية ليست شأنًا ثقافيًا مجردًا، بل هي أحد أعمدة الاستقرار الوطني، وبالعكس يعد ضربها كسرٌ لهذا الاستقرار.
لذلك، فإننا نرى أن قراءة كل ملف بمعزل عن غيره قد تحجب الصورة الكبرى. أما جمع الوقائع في إطار تحليلي واحد، فلا يعني الجزم بوجود تفسير واحد لها، وإنما يعني ممارسة حق مشروع في قراءة الاتجاهات واستشراف مآلاتها. وهذا هو دور الفكر، ودور الصحافة الجادة، ودور الباحث الذي يحاول أن يربط بين الأسئلة المتفرقة بحثا عن الحقيقة، خصوصاً عندما تتوفر أدلة قاطعة وتؤكد القرائن القوية فرضيات يتضح، بعد البحث والتحري والتمحيص، أن وراء الأكمة ما وراءها .
إن حماية الثوابت ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، ولا تيار واحد، بل هي مسؤولية جماعية، لأن قوة المغرب لم تكن يومًا في مؤسساته وحدها، وإنما في اجتماع دينه، ووحدته الوطنية، وشرعيته التاريخية، وتماسك دولته.
*آخر الكلام*
إن المشكلة ليست ولم تكون أبدا في اختلاف الآراء، ولا في تعدد القراءات التاريخية، فذلك شأن طبيعي في كل مجتمع حي. لكن المشكلة تبدأ عندما يلتقي الطعن في العقيدة، والتشكيك في الهوية، وإعادة تعريف المرجعيات الجامعة، داخل مسار واحد تتراكم حلقاته مع الزمن. عندها لا يعود الأمر مجرد سجال فكري، بل يصبح سؤالًا وطنيًا يتعلق بأمن المغرب الفكري، واستقراره، ووحدته .. ومصيره.
إن صيانة الثوابت لا تكون بالشعارات، ولا بالانتقائية في إنفاذ القانون، وإنما بعدالة يطمئن إليها الجميع، ويقظة فكرية لا تخشى النقاش، وإرادة وطنية تجعل من الدين، والوطن، والدولة ومؤسساتها الدستورية ( رغم كل ما يمكن أن يقال عنها )، ركائز جامعة تعزز تماسك الدولة وتحفظ وحدتها.
( وللحديث بقية )
 هام : الحلقة القادمة تحت عنوان :
كلمات
.. في” مورية الملك “
كلاب وأوحساين وجهان لمشروع واحد؛ استهداف أساس “شرعية” الملك .. ولكن لفائدة من ؟!
×

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى