رأي

الأصالة والمعاصرة… حزب يبحث عن زعيم أم زعيم يبحث عن حزب؟

عبد العزيز رجاء فاعل مدني

منذ تأسيسه سنة 2008، ظل حزب الأصالة والمعاصرة واحدًا من أكثر الأحزاب المغربية إثارة للجدل، ليس بسبب موقعه الانتخابي فقط، وإنما بسبب طبيعة نشأته، وسرعة صعوده، وأسلوب تدبيره الداخلي، وعلاقته بمفهوم العمل الحزبي كما استقر في التجارب الديمقراطية. فالحزب الذي وُلد وهو يحمل طموح قيادة المشهد السياسي، وجد نفسه بعد أقل من عقدين أمام سؤال وجودي: هل استطاع أن يتحول إلى مؤسسة سياسية حقيقية، أم بقي مجرد وعاء انتخابي يبحث في كل محطة عن شخصية قادرة على إنقاذه؟
ويعود الجدل اليوم بقوة مع الحديث عن التحاق شخصيات تكنوقراطية وازنة بالحزب، وفي مقدمتها فوزي لقجع، بما يطرح سؤالاً يتجاوز الأشخاص: هل الأحزاب هي التي تصنع الزعماء، أم أن الزعماء هم الذين يُستقدمون لإنقاذ الأحزاب كلما اقترب موعد الانتخابات؟

من حزب مشروع إلى حزب أشخاص
في التجارب الديمقراطية الراسخة، تنشأ الأحزاب من المجتمع، وتتبلور حول أفكار وبرامج ورؤى، ثم تفرز قياداتها عبر التدرج التنظيمي والتنافس الداخلي. أما حين يصبح الحزب مجرد إطار جاهز لاستقبال شخصية نافذة أو مسؤول إداري أو تكنوقراطي قبل أسابيع من الانتخابات، فإن ذلك يفرغ الحياة الحزبية من مضمونها، ويحول الانتماء السياسي إلى إجراء إداري أكثر منه مسارًا نضاليًا.
هذا هو جوهر الانتقاد الذي يلاحق الأصالة والمعاصرة منذ تأسيسه. فالحزب لم ينجح، رغم مرور سنوات طويلة، في إنتاج زعامة سياسية مستقرة من داخل صفوفه، بل ظل يعتمد على شخصيات يتم استقطابها من خارج التنظيم أو من مؤسسات الدولة أو من عالم الأعمال والإدارة.

زعماء بالتعيين السياسي لا بالتدرج التنظيمي
شهد الحزب تداولًا سريعًا على قيادته؛ من حسن بنعدي ثم محمد الشيخ بيد الله، إلى مصطفى الباكوري، ثم إلياس العماري، فحكيم بنشماس، وعبد اللطيف وهبي، وصولًا إلى تجربة “القيادة الجماعية”، وهي صيغة غير مألوفة في الأحزاب الديمقراطية، جاءت نتيجة عجز الحزب عن التوافق على زعيم واحد يحظى بالإجماع.
ولعل هذا التداول السريع لا يعكس حيوية تنظيمية بقدر ما يكشف أزمة بنيوية، حيث تتحول القيادة إلى نتيجة لتوازنات النفوذ أكثر منها ثمرة لصناديق الاقتراع الداخلية أو للمشروعية النضالية.

أزمة هوية قبل أن تكون أزمة قيادة
من أبرز الانتقادات الموجهة للحزب أنه لم يحسم يومًا موقعه الإيديولوجي. فهو ليس حزبًا محافظًا بالمعنى التقليدي، ولا يساريًا، ولا ليبراليًا واضح المعالم، ولا حتى حزب وسط يمتلك مشروعًا فكريًا متماسكًا.
ولهذا بقي الخطاب السياسي للحزب يتغير بتغير الأشخاص والظروف، بينما ظل البرنامج الحقيقي هو السعي إلى الفوز بالانتخابات أكثر من بناء مشروع مجتمعي متكامل.
وقد أدى هذا الغموض إلى تحويل الحزب إلى فضاء يجتمع فيه منتخبون وأعيان ورجال أعمال وإداريون سابقون، لكل منهم حساباته المحلية، دون أن يجمعهم رابط فكري قوي.
حزب انتخابي أكثر منه حزبًا سياسيًا
أصبح من المألوف في كل استحقاق انتخابي أن يعرف الحزب موجات من “الترحال السياسي”، حيث يلتحق به منتخبون يملكون قواعد انتخابية جاهزة، لا اقتناعًا ببرنامجه، بل بحثًا عن أفضل موقع انتخابي.
وهذه الظاهرة لا تخص الأصالة والمعاصرة وحده، لكنها تبدو أكثر وضوحًا داخله، بحكم اعتماده الكبير على الأعيان والفاعلين المحليين، وهو ما يضعف وظيفة الحزب باعتباره مؤسسة لتأطير المواطنين وإنتاج النخب.

هل يستطيع الحزب صناعة رئيس حكومة؟
الحديث عن أسماء مرشحة لرئاسة الحكومة قبل الانتخابات يثير بدوره نقاشًا دستوريًا وسياسيًا. فالفصل 47 من الدستور ينص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات، غير أن روح هذا المقتضى تفترض أيضًا أن يكون الرئيس تعبيرًا عن مشروع الحزب وخياراته السياسية، لا مجرد شخصية التحقت به في اللحظات الأخيرة.
وهنا يبرز السؤال: إذا كان الحزب عاجزًا عن إنتاج قيادته طيلة سنوات، فكيف يمكنه أن يقنع الرأي العام بأنه قادر على قيادة الحكومة وإنتاج السياسات العمومية؟

هل يكفي النجاح الإداري أو الرياضي؟
لا أحد ينكر أن النجاح في تدبير مؤسسة عمومية أو هيئة رياضية يمثل رصيدًا مهمًا لأي شخصية عامة، لكن السياسة تختلف عن الإدارة.
فالسياسة تقوم على بناء التوافقات، وإنتاج الأفكار، وإدارة الاختلاف، والاحتكام إلى الشرعية الشعبية، وهي مهارات لا يكتسبها المسؤول بالضرورة من نجاحه في مجالات أخرى.
ولهذا فإن انتقال أي تكنوقراطي إلى قيادة حزب أو حكومة ينبغي أن يمر عبر مسار سياسي واضح، لا عبر قفزة مباشرة من الإدارة إلى الزعامة.

الأزمة الحقيقية: ضعف الوساطة الحزبية
ليست مشكلة الأصالة والمعاصرة وحده، بل تكمن في النموذج الحزبي المغربي برمته، حيث تراجعت الأحزاب عن أدوارها التقليدية في تكوين النخب وتأطير المجتمع، مقابل صعود منطق الأعيان، والمال الانتخابي، والشخصنة. وأصبح الناخب يصوت للأسماء أكثر مما يصوت للأفكار، بينما أصبحت الأحزاب تبحث عن “المرشح القوي” بدل أن تصنعه.

قد ينجح أي حزب في استقطاب شخصية ذات كفاءة وخبرة، لكن ذلك لا يعفيه من مسؤولية بناء مؤسسات داخلية قوية، وإنتاج قياداته من رحم التنظيم، وترسيخ الديمقراطية الداخلية، وصياغة مشروع مجتمعي واضح.
فالأحزاب التي تعيش على استيراد الزعماء، لا على صناعة القيادات، قد تحقق مكاسب انتخابية ظرفية، لكنها تبقى معرضة لكل أزمة قيادة جديدة. أما الحزب الذي ينتج نخبه من داخله، ويحتكم إلى الفكر والبرنامج والمؤسسات، فهو وحده القادر على الاستمرار وتحقيق الاستقرار السياسي، لأن الزعيم فيه يكون ثمرة الحزب، لا بديلاً عنه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى