رأي

*كلمات* .. في “مورية الملك”.. والانتماء السائل !

كلاب وأوحساين وجهان لمشروع واحد؛ استهداف أساس "شرعية" المَلك.. ولكن لفائدة من ؟!

أحمد ويحمان

باحث في علم الاجتماع السياسي ورئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع

إذا كان الحديث، في الحلقة السابقة، قد انطلق من ملاحظة انتقال بؤرة الاستهداف – في تقديرنا – من العقيدة إلى الدولة، فإن الحلقة الثانية تقف عند محطة تبدو أكثر حساسية، لأنها تمس أحد أهم أسس “الشرعية التاريخية” والدستورية للمغرب حتى الآن، ممثلة في الملك والمؤسسة الملكية، وذلك عبر موجة ما بات يسمى بـ”المورية”، وما يرافقها من محاولات إعادة تركيب النسب والهوية والانتماء.
ولعل أخطر ما في هذه الموجة أنها لا تقدم نفسها باعتبارها قراءة تاريخية جديدة، وإنما باعتبارها “حقيقة” يراد فرضها على الوعي الجماعي، رغم أن تاريخ المغرب القديم نفسه ما يزال من أكثر فترات تاريخ المنطقة تعقيداً وغموضاً، ويقوم، في جانب كبير منه، على فرضيات واستنتاجات أكثر مما يقوم على وثائق أو آثار راجحة الثبوت. ولذلك ظل كبار المؤرخين يقدمون رجلاً ويؤخرون أخرى قبل الجزم بأي واقعة أو حدث يعود إلى تلك الأزمنة، اعتماداً على ما أورده الرومان أو الإغريق أو القرطاجيون أو أو البيزنطيون وغيرهم، من إشارات متفرقة كتبها كل منهم وهو يؤرخ لنفسه لا للمغرب.
بل إن الخلاف لا يقف عند حدود الوقائع والأسماء، وإنما يمتد إلى طبيعة الكيانات السياسية نفسها. فهل نتحدث فعلاً عن “دول” بالمعنى الذي نفهمه اليوم، أم عن ممالك متفاوتة القوة، أو مراكز وعواصم إدارية أقامتها قوى إمبراطورية متعاقبة، أم عن اتحادات قبلية كان يقودها زعماء وشيوخ، أو ما يصطلح عليه في الموروث المغربي بـ”إمغارن” (جمع أمغار ) ؟ وهل يجوز إسقاط مفهوم الدولة الوطنية الحديثة على مرحلة كان الولاء فيها للقبيلة أو للحلف القبلي أكثر منه لكيان سياسي مستقر وموحد تحت سلطة واحدة تدير شؤون البلد من عاصمة إدارية معروفة ؟ إن هذه الأسئلة ما تزال محل نقاش بين المختصين، ولذلك يتعامل الباحثون الجادون مع أسماء مثل ماسينيسا، وسيفاكس، ويوغرطة، وبوكوس الأول والثاني، ويوبا الأول، ويوبا الثاني وغيرهم، بوصفها شخصيات تاريخية تحركت داخل سياقات شديدة التعقيد، لا باعتبارها مفاتيح جاهزة لإعادة صياغة هوية المغاربة في القرن الحادي والعشرين.
لكن، على خلاف هذا الاحتياط العلمي، نسمع اليوم من يرفع صوته متحدياً الجميع قائلاً : “هذا هو التقويم الموري… وغادي تقبلوه صحة !”، وكأن التاريخ يصنع بالشعارات، أو يحسم بالجرأة على الادعاء و”السَّنطيحة”، لا بمنهج البحث الرصين.
وفي السياق نفسه، يبرز ادعاء صاحب هذا القول المثير للسخرية، عبد الخالق كلاب بشأن ما سماه “مورية” الملك ! ، وزعمه أن أصل المؤسسة الملكية لا صلة له بالعروبة. وهذه الدعوى لا تبدو، في نظرنا، سوى إعادة إنتاج، بصياغة مختلفة، لما سبق أن طرحه محمد أوحساين حين ادعى أن الملك “يهودي ولا علاقة له بآل البيت”. فالمضمون واحد وإن اختلفت العبارات؛ إذ يتعلق الأمر بالطعن في أحد مكونات الشرعية التاريخية والرمزية للمؤسسة الملكية، وليس بمجرد نقاش في الأنساب أو الروايات التاريخية.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً : لماذا يتكرر استهداف هذا الجانب تحديداً ؟ ولماذا يتزامن مع موجات متتابعة استهدفت العقيدة، ثم العروبة، ثم الهوية الجامعة، قبل أن تصل إلى الدولة في شخص رئيسها ؟.
لقد سبق أن تناولنا، في أكثر من مناسبة، ما أسميناه بـ”البورغواطية الجديدة”، وما رافقها من محاولات إحياء أساطير “قرآن بورغواطة” و”نبي الأمازيغ” صالح بن طريف بن شمعون، باعتبارها – في تقديرنا – جزءاً من مشروع لإعادة تشكيل الوعي التاريخي والرمزي للمغاربة. واليوم يبدو أن “المورية” ليست سوى حلقة أخرى في السلسلة نفسها، وإن تغيرت الشعارات والعناوين.
ومن اللافت أن عبد الخالق كلاب يقدم نفسه بوصفه “باحثاً” في مؤسسات ثقافية دولية ( اليونيسكو التي كانت تديرها أدري أزولاي، بنت المستشار الملكي أندري أزولاي )، ويتحرك في فضاءات مرتبطة بالتراث والذاكرة والأركيولوجيا، وهي المجالات نفسها التي أصبحت، خلال السنوات الأخيرة، ساحة لنقاش واسع حول طبيعة السرديات التاريخية التي يجري الترويج لها، ودورها في إعادة تعريف الهوية المغربية. لذلك، فإن الأمر لا يتعلق، في نظرنا، بأشخاص بقدر ما يتعلق باتجاهات ومشاريع وخطابات تستحق القراءة والنقاش.
وإذا كان البحث العلمي يقاس بقدرته على الاتساق، فإن من الصعب تجاوز التناقضات الكثيرة التي تطبع خطاب صاحب “المورية”. فهو يقدم نفسه مرة باعتباره ممثلاً للأمازيغية، بل وقائدا لها . ثم يقول إن والدته إدريسية، وإن والده من عرب بني معقل؛ أي أنه عربي 100٪ ! وهو ما يثير بدوره تساؤلات حول اتساق الخطاب الذي يقدمه عن الهوية والأصول. ويعلن، في حوار مع رفيقه في “البورغواطية” أحمد عصيد، أنه يتقن الأمازيغية حديثاً وكتابة بحروف تيفيناغ، قبل أن يفاجأ، في البث المباشر، بسؤال أحد المتابعين يسأله إن كان يعرف الأمازيغية ليواصل معه الحوار بها، فيجيب مضطربا وممتقعا؛ صراحة: “لا، للأسف” ! وهي مفارقات لا تزيد النقاش العلمي إلا ارتباكاً؛ إذ كيف يبحث الباحث في الأمازيغية، بل ويدعي الريادة فيها، وهو لا يتحدثها، فضلاً عن إتقانها؟
ولعل الأشد إثارة للانتباه أن أطروحاته لم تثر اعتراض خصومه وحدهم، بل أثارت أيضاً موجة واسعة من الانتقاد داخل أوساط أمازيغية رأت فيها إساءة إلى التاريخ الأمازيغي نفسه، خاصة عندما قدم قراءة تجعل “النوميديين” في موقع الخيانة التاريخية لـ”الموريين”، ويحاول إسقاط ذلك التاريخ المزيف أصلا على واقع اليوم . والمؤكد أن الروايات التاريخية الأكثر مصداقية تذكر أن الذي سلم الملك النوميدي يوغرطة إلى الرومان كان هو الملك الموري بوكوس الأول، رغم ما كان بينهما من مصاهرة وصداقة. وكان يوغرطة زوج ابنة بوكوس الأول، ومع ذلك لم تمنع رابطة المصاهرة من أن يسلمه هذا الأخير إلى الرومان ليقتلوه، في واحدة من أشهر وقائع تلك المرحلة التاريخية. وهو ما يكشف، مرة أخرى، خطورة إسقاط تصنيفات الحاضر على أحداث الماضي، وانتقاء الوقائع وقلبها بما يخدم سردية مسبقة، علما بأن كثيرا من أرض الجزائر الحالية كانت مغربية في مراحل معينة والعكس أيضا صحيح، بما يفيد أنه لا معنى للحدود، تاريخيا وأنتربولوجيا بين الأقطار المغاربية .
غير أن السؤال الأكبر لا يتعلق بعبد الخالق كلاب وحده، وهو في نظرنا مجرد أداة، وإنما بالبيئة التي تنتج مثل هذه الخطابات، وبالمنابر التي تمنحها شرعية الانتشار.
ولذلك يستوقفنا ما نشرته مجلة “زمان” حين خصصت، في وقت سابق، غلافاً بعنوان “المغرب أرض يهودية”، ثم عادت لتخصص غلافاً آخر للحديث عن “الجيش الموري”، في انسجام لافت مع الموجة نفسها. والأكثر إثارة للتساؤل أن المقال التأطيري كتبه الدكتور حسن أوريد، الذي سبق أن شغل منصبي الناطق الرسمي باسم القصر الملكي و”مؤرخ المملكة”، وهما من أعلى المواقع المرتبطة بالذاكرة الرسمية للدولة.
ومن اللافت أكثر، في هذا السياق، طرح السيد أوريد، في مقاله الافتتاحي المؤطر لملف العدد، مفهومان مثيران هما ما أسماه؛ “الانتماء السائل” في مقابل “الانتماء الصلب”، حيث يبدو من سياق مقاله أن المقصود بالانتماء السائل هو كل امتداد للمغرب نحو فضائه العربي والإسلامي والمشرقي، بينما يصبح “الانتماء الصلب” هو الانغلاق داخل حدود “التمغربيت”، كما دعا ويروج لها المستشار الملكي أندري أزولاي، بوصفها هوية مكتفية بذاتها.
وهنا تبرز مفارقة لافتة؛ فإذا كان المطلوب هو الانكفاء داخل هذا “الانتماء الصلب”، فكيف ينسجم ذلك مع ما يقوم به بعض أبرز منظري هذا الاتجاه من انخراط معلن في المشروع الصهيوني نفسه؟ وكيف يمكن التوفيق بين الدعوة إلى القطع مع المشرق العربي والإسلامي، وبين الارتماء في أحضان المشرق المحتل، حيث نال المستشار الملكي أندري أزولاي أعلى الأوسمة من سلطات الاحتلال الإسرائيلي، في قلب فلسطين المحتلة، وقلده إياها رئيس كيان الاحتلال؛ الإرهابي إسحاق هرتسوغ، ثم وشحه الحاخام الأكبر بوسام “شعلة أبراهام”؟ وهل يصبح الملك، وهو رئيس لجنة القدس، في نظر أصحاب هذه الأطروحات، منتمياً إلى دائرة “الانتماء السائل” مثلا، لمجرد اضطلاعه بمسؤولية تاريخية ودينية تتجاوز الحدود الجغرافية للمغرب ؟
إن السؤال هنا ليس شخصياً، وإنما فكري وسياسي بامتياز. لأن الدعوة إلى “التمغربيت”، حين تتحول إلى وسيلة لفصل المغرب عن عمقه الحضاري العربي والإسلامي، تصبح موضوعاً للنقاش العمومي، خاصة إذا اقترنت بإعادة كتابة التاريخ وإعادة تعريف الهوية وإعادة تفسير الشرعية، في الوقت الذي لا يجد بعض منظريها حرجاً في إعلان انتماءات عابرة للحدود عندما يتعلق الأمر بالمشروع الصهيوني أو بنيل الأوسمة من قادته.
ولذلك فإن القضية، في نظرنا، لا تتعلق بمصطلح “المورية” في ذاته، ولا بشخص كلاب أو أوحساين، وهما وغيرهما مجرد أدوات، وإنما بمسار متكامل تتجاور داخله حلقات متعددة؛ من استهداف العقيدة، إلى إعادة هندسة الهوية، إلى التشكيك في المرجعيات المؤسسة للدولة، بما يجعل من الضروري قراءة هذه الوقائع في سياقها العام، لا باعتبارها أحداثاً معزولة.
*آخر الكلام*
إن المغرب لم يكن، عبر تاريخه الطويل، في حاجة إلى أساطير جديدة حتى يعرف نفسه، ولا إلى روايات مستوردة حتى يثبت هويته. فتنوع روافده حقيقة تاريخية، كما أن عمقه العربي والإسلامي حقيقة لا يلغيها الاعتزاز بالمكون الأمازيغي، ولا ينتقص منها الانفتاح على سائر الروافد الحضارية.
أما تحويل التاريخ إلى ساحة لتصفية المشاريع الوطنية، أو إلى أداة لإعادة تشكيل الوعي الوطني بمسخه، فهو أمر يستوجب أعلى درجات اليقظة العلمية والفكرية والوطنية، لأن العبث بالذاكرة ليس مجرد خلاف حول الماضي، بل هو مدخل لإعادة رسم المستقبل وفق أجندات، وإن كان الشعب قد تراخى إزاء كثير من مؤشراتها التحذيرية، فإن ” صلاة ” الحاخامات بباب دكالة قد أيقظت من لم يتيقظ بعد ..
(وللحديث بقية…)
+ هام:
كلمات
.. في العودة لبنك الأهداف لدى الأجندة
————————————
*لا عجة ” إسرائيل جديدة بالمغرب ” دون كسر بيض الهوية الجامعة .*
————–
×

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى