رأي

السحر الرقمي ينقلب على الساحر:كيف عرّت وسائل التواصل”أركيولوجيا المتأمزغة”؟

عبدالسلام بامعروف : باحث في العلوم السياسية و القانونية

من يراقب ديناميات النقاش الهوياتي والتاريخي في الفضاء الرقمي المغربي، يدرك أننا نعيش تحولا جذريا في مسارات السجال الفكري. لسنوات طويلة، ظلت منصات المهرجانات الخطابية، والصالونات الثقافية المنتقاة بعناية، بمثابة الحصون الآمنة لتيار السجال المتأمزغ، فضاءات مغلقة ومحمية، ينتج فيها الخطاب ويعاد تدويره بعيدا عن أي مشرط نقدي أو تشريح أكاديمي صارم.

ومع الطفرة الرقمية وظهور وسائل التواصل الاجتماعي، اعتقد هذا التيار أنه وجد الفضاء المثالي والوقود الأنسب لتوسيع رقعة أيديولوجيته. وبالفعل، لعبت هذه الوسائل في فترة معينة دورا كبيرا خدم أطروحاتهم؛ إذ أتاحت لهم مخاطبة الجماهير مباشرة، مستغلين سلاح دغدغة العواطف واللعب على أوتار المظلومية العرقية. في ذلك المناخ الرقمي المفتوح، وبسبب غياب الآليات المنهجية والضعف المعرفي لدى فئة عريضة من المريدين والمتابعين، مررت هذه المنصات سيلا جارفا من المغالطات التاريخية، والادعاءات الأركيولوجية الشبهية، والسرديات الافتراضية التي لا تصمد أمام أبسط وثيقة علمية.

لكن غفلة هؤلاء عن طبيعة الفضاء الأزرق جعلتهم يسقطون في شر أعمالهم، فنفس الأدوات الرقمية التي استخدموها لحشد التابعين، تحولت سريعا إلى أكبر مقصلة معرفية لخطابهم. السحر الرقمي انقلب على الساحر، ولم تعد الأبواب الموصدة قادرة على حجب الهرطقات.

إن خروج هذا الخطاب من عتمة الصالونات إلى “الهواء الرقمي الطلق أتاح للمتخصصين الحقيقيين، والباحثين الرصناء في مجالات التاريخ، والسوسيولوجيا، والأركيولوجيا، واللسانيات، متابعة هذا الطرح في واضحة النهار. وهنا بدأت عملية التعرية المنهجية الشاملة.

بفضل سهولة انتشار المعلومة وسرعة تدفق الوثائق والمخطوطات عبر الشبكة، أصبح كل منشور أيديولوجي أو “لايف” حماسي يخضع فورا للتشريح العلمي والمقارعة بالمستندات. وحين وضع رموز هذا التيار أمام الأسئلة الأكاديمية الصارمة، أصيب الخطاب بالخرس الجماعي، وتراجع خطوة إلى الخلف ليحتمي بمغالطاته التقليدية وعلى رأسها تهمة “الكراهية” الجاهزة.

وهنا، وأمام هذا الجمهور الرقمي الواسع، لا زلنا إلى اليوم نرفع في وجههم هذا التحدي الصارم والمفتوح: أن يأتوا بدراسة علمية أو أركيولوجية واحدة حقيقية، ويقرأوها للجمهور لتؤكد طرحهم الأيديولوجي الهوياتي المفبرك.

لقد أنهت وسائل التواصل الاجتماعي زمن احتكار المنصات، وكشفت للرأي العام والمثقف على حد سواء أن الصراخ بالكلمات الطنانة (“الجذور“، “الأرض“، “الإنصاف“) قد يصلح لجمع التفاعلات الرقمية أو تصفيق المريدين، لكنه يتبخر كالسراب أمام قوة الدليل العلمي المحقق.

الخلاصة التي يجب أن يعيها سدنة الأيديولوجيا المعاصرة هي أن مغرب العصر الرقمي لم يعد ساحة فارغة للاستغفال، فالأمازيغية مكون أصيل متجذر في هوية كل مغربي، والعروبة لسان تاريخي وحضاري ناصع شيدت به الإمبراطوريات الأمازيغية نفسها مجد الوطن. أما تجارة الهويات وهرطقات الصالونات المغلقة، فقد كتبت شهادة وفاتها علميا يوم أُجبرت على الخروج إلى العلن ومواجهة أصحاب الاختصاص.. والوثيقة دائما أبقى من الادعاء.

Screenshot

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى