رأي

هل يقود تداخل المال والسلطة إلى تعميق العزوف الانتخابي؟

✍️ عبدالعزيز رجاء – فاعل مدني

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، يتجدد النقاش حول مستقبل المشاركة السياسية في المغرب، في ظل مؤشرات متزايدة على تراجع ثقة جزء من المواطنين في المؤسسات المنتخبة وفي جدوى صناديق الاقتراع. ويُرجع عدد من الفاعلين السياسيين والباحثين هذا الوضع إلى ما يعتبرونه تنامياً لتداخل المال والسلطة، بما يثير تساؤلات حقيقية حول تكافؤ الفرص، وشفافية تدبير الشأن العام، وأثر ذلك في سلوك الناخبين.

تضارب المصالح… شبهة تُفقد القرار العمومي حياده

يُعد ملف تضارب المصالح من أكثر القضايا إثارةً للجدل خلال الولاية الحكومية الحالية، بالنظر إلى الجمع بين المسؤولية الحكومية وإدارة أو امتلاك مصالح اقتصادية كبرى في قطاعات استراتيجية.

ويرى منتقدون أن هذا الوضع يضعف الثقة في نزاهة القرار العمومي، حتى وإن كانت الصفقات والإجراءات تتم وفق المساطر القانونية المعمول بها، نظراً لما يخلقه من انطباع بغياب الحياد المطلوب في تدبير المرافق الحيوية. وقد زادت بعض الملفات من حدة النقاش العمومي، من بينها استمرار هيمنة شركات كبرى على سوق توزيع المحروقات، وسط اتهامات بتحقيق أرباح مرتفعة عقب تحرير القطاع، ولا سيما خلال فترات الأزمات الدولية وارتفاع أسعار الطاقة. وفي المقابل، تؤكد الجهات المعنية أن هوامش الربح لم تشهد زيادات استثنائية، وأن الأسعار تخضع لمحددات السوق الدولية.

كما أثار مشروع إنشاء محطة كبرى لتحلية مياه البحر بضواحي الدار البيضاء جدلاً واسعاً، عقب فوز شركة مرتبطة بمجموعة اقتصادية كبرى، يثير ارتباطها بمسؤول حكومي نقاشاً حول تدبير حالات تضارب المصالح بصفقة تُقدَّر قيمتها بنحو 15 مليار درهم. واعتبر معارضون أن مثل هذه الحالات تستوجب توفير ضمانات أكبر لتفادي أي شبهة لتضارب المصالح، بينما تؤكد الجهات المدافعة عن المشروع أن الصفقة تمت في إطار منافسة مفتوحة واحترام كامل للمقتضيات القانونية.

وامتد هذا الجدل كذلك إلى توسع استثمارات المجموعة نفسها نحو قطاع التأمين، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول الفصل 36 من الدستور المغربي، الذي ينص على منع تضارب المصالح والوقاية من الممارسات المخلة بالمنافسة ووضعيات الاحتكار، ومدى جدية وآليات تفعيل هذا المبدأ على أرض الواقع.

من حتمية النتائج إلى تفريغ الأحزاب… كيف يتحول المال إلى عزوف؟

غير أن أثر هذا التداخل لا يتوقف عند حدود السجال المالي والقانوني، بل ينعكس، بحسب عدد من الفاعلين الحقوقيين والسياسيين، على دينامية المشهد الانتخابي. فاستمرار هذا الواقع يغذي شعوراً عاماً بالعجز السياسي لدى فئات من المواطنين، خاصة الشباب.

فعندما يرى الناخب أن التنافس السياسي أصبح محكوماً بالإمكانات المالية واللوجستية الضخمة أكثر من احتكامه إلى البرامج والأفكار، يتولد لديه انطباع بـ”حتمية النتائج”، وأن صوته يفقد قدرته على التأثير أمام سطوة المال الانتخابي، فيتحول الاقتراع، في نظر كثيرين، من أداة للمحاسبة والتغيير إلى مجرد إجراء شكلي.

ويمتد تأثير رأس المال أيضاً إلى البنية الداخلية للأحزاب، حيث يؤدي الاعتماد على منطق “الأعيان الجدد” والقدرة على تمويل الحملات الانتخابية، على حساب الكفاءات والأطر النضالية، إلى إفراغ العمل الحزبي من مضمونه الفكري والتأطيري. وقد أسهم هذا التحول في تشابه الخطابات السياسية وتسطيح النقاش العمومي، مما جعل كثيراً من الناخبين يعيشون حالة من “الإنهاك السياسي” والعزوف عن المفاضلة بين برامج يعتبرون أنها تبقى، في كثير من الأحيان، حبراً على ورق.

فجوة الأولويات وضآلة أثر المحاسبة
تتفاقم هذه الأزمة أيضاً بفعل اتساع الفجوة بين أولويات المواطنين والسياسات العمومية. فعندما يشاهد المواطن تسارع إنجاز المشاريع الكبرى وارتفاع أرباح بعض القطاعات الاقتصادية، في مقابل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة، والتزايد المضطرد في الأسعار، وتنامي الضغوط التضخمية، وتراجع القدرة الشرائية، ينشأ لديه انطباع بأن القرارات العمومية تُصاغ لخدمة كبار الفاعلين الاقتصاديين قبل الاستجابة لأولويات المواطنين.

ويُضاف إلى ذلك، في نظر منتقدين، محدودية الأثر الزجري لتقارير مؤسسات الحكامة والرقابة، التي غالباً ما تبقى دون أن تُفضي إلى مساءلات أو متابعات توازي حجم الاختلالات ولا ان يلمس الرأي العام آثاراً تنفيذية تتناسب مع حجم الملاحظات التي تتضمنها. ويُرسخ ذلك قناعة لدى جزء من الرأي العام بأن آليات المحاسبة غير قادرة على كسر تشابك المصالح، مما يدفع بعض المواطنين إلى الانسحاب من العملية الانتخابية.

ويذهب عدد من المحللين إلى أن انخفاض نسبة المشاركة لا يؤدي بالضرورة إلى إعادة ترتيب موازين القوى، بل قد يخدم، في المقام الأول، الأحزاب التي تمتلك قواعد انتخابية ثابتة وقادرة على التعبئة بالوسائل المشروعة، فيما تتراجع فرص القوى التي تراهن على المشاركة الشعبية الواسعة لإحداث تغيير في الخريطة السياسية.

دفاع الحكومة… وسؤال أفق الإصلاح

في المقابل، يرى مدافعون عن الحكومة أن توصيف المشهد السياسي بـ”الأوليغارشية” ينطوي على قدر من التعميم، مؤكدين أن ممارسة رجال الأعمال للعمل السياسي حق يكفله الدستور، وأن الصفقات العمومية تخضع لآليات المنافسة والرقابة المؤسساتية.

كما يشددون على أن تراجع المشاركة الانتخابية ظاهرة معقدة ترتبط بعوامل اجتماعية وثقافية أعمق، من بينها التحولات في أنماط استهلاك الإعلام لدى الشباب، وتراجع الاهتمام التقليدي بالشأن العام، ولا يمكن إرجاعها إلى متغير واحد فقط.

وبين هذه القراءات المتباينة، يبقى السؤال مطروحاً حول قدرة الاستحقاقات المقبلة على استعادة ثقة الناخبين، وما إذا كانت الإصلاحات المرتبطة بالحكامة والشفافية وتفعيل آليات محاربة تضارب المصالح كفيلة بإعادة الاعتبار للعملية الانتخابية، أم أن العزوف سيظل السمة الأبرز للمشهد السياسي خلال السنوات المقبلة.

نحو حزمة إجراءات لاستعادة الثقة وإعادة الاعتبار للدولة الضامنة

في خضم هذه التحولات، تجد الدولة المغربية نفسها أمام مسؤولية تاريخية مزدوجة؛ فمن جهة، يفرض موقع المملكة الإقليمي والدولي ترسيخ صورتها كنموذج للاستقرار والإصلاح الديمقراطي، ومن جهة أخرى، يفرض الرأي العام الداخلي تقديم إشارات ملموسة تؤكد أن صناديق الاقتراع ما تزال الأداة الأساسية لاكتساب الشرعية الديمقراطية وممارسة المحاسبة.

ومن هذا المنطلق، لم يعد النقاش حول تداخل المال والسلطة مجرد ترف فكري، بل أصبح رهاناً مؤسساتياً يرتبط بقدرة الدولة على صيانة الثقة في المؤسسات، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، وتعزيز نزاهة العملية الانتخابية.

ولأن استعادة الثقة لا تتحقق بالشعارات، فإن الرهان يقتضي تطبيق القانون بحزم على كل من يثبت تورطه في التأثير غير المشروع في إرادة الناخبين أو في استغلال الموقع السياسي لتحقيق مصالح اقتصادية خاصة. ويمكن أن يشمل ذلك، في إطار نقاش عمومي وتشريعي، جملة من المقترحات، (التي يوجد بعضها ويحتاج إلى إعادة تفعيل) من أبرزها:
1. تقنين واضح لتضارب المصالح:
إصدار قانون إطار يحدد بدقة حالات تضارب المصالح بالنسبة للمسؤولين العموميين، ويضع آليات فعالة لمنع الجمع بين المسؤوليات التنفيذية والأنشطة الاقتصادية التي قد تؤثر في حياد القرار العمومي.

2. تعزيز الرقابة على تمويل الحملات الانتخابية:
إخضاع مصادر تمويل الحملات لتدقيق مالي بعدي من قبل المؤسسات المختصة، مع ترتيب الآثار القانونية في حال ثبوت مخالفات أو مصادر تمويل غير مشروعة.
3. تسريع مساطر ربط المسؤولية بالمحاسبة:
تطوير آليات قانونية تضمن سرعة البت في القضايا المرتبطة بالفساد المالي واستغلال النفوذ، وفق ضمانات المحاكمة العادلة واحترام قرينة البراءة. مع التجريد مباشرة بعد صدور حكم قضائي نهائي يثبت ارتكاب أفعال يعاقب عليها القانون.

4. تعزيز قواعد الشفافية في الصفقات العمومية:
إقرار ضوابط إضافية تحد من حالات تعارض المصالح في الصفقات الكبرى، بما يعزز الثقة في المنافسة والشفافية.

5. إصلاح معايير التزكية الحزبية:
اعتماد معايير أكثر صرامة في منح التزكيات، ترتكز على الكفاءة والنزاهة والشفافية المالية، بما يحد من هيمنة المال والأعيان على الحياة الحزبية.

إن الاستحقاقات المقبلة لا تمثل مجرد موعد انتخابي، بل تشكل اختباراً حقيقياً لقدرة النموذج السياسي المغربي على تجديد الثقة بين الدولة والمجتمع. فكلما تعززت الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، ازدادت فرص استعادة ثقة المواطن، وترسيخ قناعة مفادها أن صوته الانتخابي يظل الأداة الأساسية للتغيير والمساءلة في إطار دولة القانون والمؤسسات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى