رأي

راشد الغنوشي… السياسة والمحنة وثمن المواقف

حسن حمورو اعلامي وكاتب

ليس من السهل متابعة أخبار رجل تجاوز الثمانين من عمره، يعاني من متاعب صحية، ويقضي أيامه خلف القضبان، في ظروف تتحدث تقارير عديدة عن أنها لا تراعي وضعه الصحي والإنساني، والأصعب من هذه المتابعة، هو محاولات اختزال قصته في مجرد ملف قضائي، بينما يتعلق الأمر بشخصية كان لها حضور بارز في تاريخ تونس الحديث، مهما بلغ حجم الاتفاق او الاختلاف معها.

الحديث هنا عن الأستاذ راشد الغنوشي الرئيس السابق للبرلمان التونسي، ورئيس حركة النهضة، إحدى أكبر الحركات السياسية وأكثرها تجذرا في المجتمع التونسي، وأحد أبرز منظري الفكر السياسي الإصلاحي الذي سعى إلى التوفيق بين المرجعية الإسلامية والديمقراطية والتعددية والتداول السلمي على السلطة.

عرف الرجل المنفى لعقود طويلة، وتنقل بين العواصم بعيدا عن وطنه، لكنه لم يتخل عن قناعاته، وعاد إلى تونس بعد ما سمي ثورة الياسمين، ليشارك في بناء تجربة سياسية جديدة في بلاده، بكل ما حملته من نجاحات وإخفاقات، واليوم يعيش شكلا آخر من الابتلاء، داخل السجن، في ظروف تزيد قسوتها مع تقدمه في السن وتدهور حالته الصحية.

إن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يحجب القيم الإنسانية، فاحترام الكرامة الإنسانية، وضمان الرعاية الصحية للمعتقلين، وعدم تحويل العقوبة إلى معاناة مضاعفة، هي مبادئ تتجاوز الانتماءات والأيديولوجيات، وتمثل معيارا لمدى احترام الدول لحقوق الإنسان وسيادة القانون.

من زاوية أخرى، وإذا كان من درس في هذه الوضعية الصعبة، فإن تجربة الغنوشي تثبت أن السياسة ليست طريقا مضمون العواقب، وأن من يختار الصدع بما يعتقد أنه الحق، لا يملك ضمانات للسلامة أو للانتصار، فالسلطة تتغير، والموازين تنقلب، أما المواقف فتبقى شاهدة على أصحابها، سواء حكم لهم التاريخ أو عليهم.

الصبر الذي يبديه الأستاذ الغنوشي اليوم، ليس مجرد صبر على المرض أو السجن، بل هو امتداد لمسار طويل من تحمل تبعات خياراته السياسية، فمن عاش المنفى سنوات طويلة، وعاد ليشارك في إدارة الشأن العام بوطنه، ثم وجد نفسه مرة أخرى خلف القضبان، يدرك أكثر من غيره أن العمل السياسي الحقيقي ليس طريقا للمكاسب السهلة، بل مجال تتداخل فيه التضحيات مع المسؤولية.

قد يختلف المراقبون والراصدون في تقييم تجربة راشد الغنوشي وحركته، وفي تقييم مواقفه وخياراته السياسية، وهذا حق مشروع، لكن يبقى من حق كل صاحب رأي أن يُعامل بما تقتضيه الكرامة الإنسانية، وأن تُصان حقوقه الأساسية، بعيدا عن منطق التشفي أو الانتقام.

إن التاريخ يعلمنا أن الرجال يُعرفون في ساعات المحنة أكثر مما يُعرفون في ساعات السلطة، وأن قيمة المواقف لا تعبر عنها المكاسب الآنية، وإنما تُعرف بما يتحمله أصحابها من كلفة دفاعا عما يؤمنون به، لأن السياسة لا شيء مضمون فيها، لكن يبقى الضمير الحي، والقدرة على الصبر والثبات، من أعظم ما يتركه الإنسان وراءه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى