رأي

تهافت المنهج تحت وطأة العقدة: كيف أخرج العداء للمكون العربي “عبد الخالق كلاب” من المسار العلمي؟ تمهيد

الدكتور عبد السلام بامعروف باحث في العلوم السياسية والقانونية

تمهيد 

لا تبدأ الجناية على المعرفة التاريخية من انعدام الوثيقة، بل من فساد النية المنهجية التي تقاربها؛ فالنص التاريخي كائن مرن، يملك من الطواعية ما يجعله قابلا للاعتصار والاستنطاق القسري إذا ما وقع في يد عقلية مدفوعة بالهوى النفسي والإيديولوجي المسبق. وفي حقل الدراسات التاريخية المعاصرة، يعرف هذا المنزلق بـ “الانحياز التأكيدي” (Confirmation Bias)، وهو عرض معرفي يصيب أشباه الباحثين وهواة الفضاء الرقمي، حيث لا يتحرك “الباحث” مستكشفا للحقيقة عبر الاستقراء الشامل، بل يتحرك مدفوعا بـ “عقدة أيديولوجية هوسية” تملي عليه النتيجة سلفا، ليرتد بعد ذلك إلى بطون الكتب باحثاً عن أي لفظة مجتزأة، أو سطر مبتور، يتوهمه تكئة تخدم هواجسه النفسية.

وتتجلى هذه الظاهرة بوضوح صاعق في الطروحات السطحية التي يقدمها صانع المحتوى عبد الخالق كلاب وأشباهه، ممن تحول عداؤهم الإيديولوجي للمكون العربي في المغرب إلى بوصلة موجهة لـ”أبحاثهم”. إن خطورة هذا النمط من المنشورات لا تكمن في ضعف تماسكها العلمي فحسب، بل في كونها تخرج بالكلية عن المحددات الضابطة للمسار العلمي الأكاديمي؛ إذ تتحول المقاربة من عملية تفكيك علمية رصينة لسياقات العصر الوسيط، إلى عملية “تصفية حسابات نفسية” بأثر رجعي مع التاريخ؛ حيث يسقط هؤلاء المفاهيم الشوفينية الحديثة على مغرب القرن السابع الهجري، في تشويه بنيوي للمنهج التاريخي، تذوب معه هيبة العلم لتترك الميدان عاريا أمام عقد العرق الشيفونية التافهة.

مقدمة

شكلت كتابة التاريخ المغربي في الفضاء الرقمي المعاصر مأزقا حقيقيا، حيث تحول البحث الأكاديمي الرصين في أحيان كثيرة إلى مادة للسجال الإيديولوجي السطحي، وبرزت ظاهرة (أمثال عبد الخالق كلاب ومن يدور في فلكه) ممن يفتقرون إلى أبجديات المنهج النقدي التفكيكي والمقارن. ويعتمد هؤلاء على قراءات انتقائية وهشة لنصوص تاريخية مجتزأة، بهدف تمرير أطروحات تسعى لضرب المكون العربي في المغرب وإظهاره بمظهر العنصر الدخيل أو المفسد الذي ندمت السلطة التاريخية على استقدامه.

ومن أكثر الاتكاءات النصوصية التي يستند إليها هؤلاء المؤدلجون، فقرة شهيرة وردت في كتاب «الأنيس المطرب بروض القرطاس» لأبي الحسن ابن أبي زرع الفاسي (المتوفى في القرن الثامن الهجري)، تشير إلى أن الخليفة الموحدي الثالث، أبا يوسف يعقوب المنصور، قد «ندم» في آخر حياته على استقدام القبائل العربية (من بني رياح وجشم) وتوطينهم بالمغرب الأقصى.

بيد أن تهافت هذه القراءة لا يظهر فقط بالتحليل النظري، بل ينكشف بصفة قطعية وعلمية عند استنطاق المصادر الرسمية المعاصرة للحدث (Primary Sources)، وعلى رأسها وثائق ديوان الخلافة الموحدية التي جمعها وحققها المستشرق الفرنسي إيفاريست ليفي بروفنسال في كتابه العمدة «مجموع رسائل موحدية من إنشاء كتاب الدولة المؤمنية». إن هذه الرسائل الرسمية، الصادرة عن خلفاء الموحدين أنفسهم وبأقلام كبار كتاب عصرهم، لا تنقض فرية “الرفض والندم العرقي” فحسب، بل تؤرخ لعملية دمج إستراتيجي هائل بنيت عليه أركان الإمبراطورية.

اولا: نص ابن أبي زرع وسياق “الندم” في لغة السياسة السلطانية

قبل الولوج إلى الوثائق الموحدية، لا بد من تفكيك النص المستدل به في «روض القرطاس». إن ابن أبي زرع كتب في العهد المريني، أي بعد عقود من أفول النجم الموحدي، متأثراً بالصراعات القبلية والسياسية لعصره.

أما لفظة “الندم” التي طار بها كلاب فرحا،  فتعبر عن هاجس سياسي وإستراتيجي مؤقت تفرضه طبيعة الملك والدول؛ فالخليفة يعقوب المنصور كقائد إمبراطوري، كان يتخوف من تنامي القوة العسكرية والعددية الباهرة لهذه القبائل العربية  خشية أن تنافس في المستقبل العصبية المصمودية (الأمازيغية) الحاكمة، أو تخرج عن السيطرة في منعرجات السياسة.

إن قراءة هذا القلق الإستراتيجي الطبيعي في فقه قيام الدول وسقوطها (بالمفهوم الخلدوني) على أنه “رفض عرقي بيولوجي للمكون العربي” هي قراءة صبيانية تسقط مفاهيم الهوية الحديثة بأثر رجعي على العصر الوسيط.

ثانيا: استنطاق “رسائل موحدية” لليفي بروفنسال.. الدمج الإمبراطوري

إذا قاربنا القضية بمنهج النقد الخارجي والداخلي للمصادر، فإن رسائل ديوان الخلافة الموحدية المسجلة في مجموع ليفي بروفنسال تحوز الحجية المطلقة والقطعية لأنها كتبت في زمن الحدث ومن صناع القرار أنفسهم.

نقل العرب كشراكة إستراتيجية وليس كـ “عقوبة أو تخريب”

في الرسالة الحادية والعشرين من المجموع، والتي صاغها الكاتب أبو القاسم القالمي بلسان الخليفة عبد المؤمن بن علي (الجد المؤسس)، نجد تأريخا لبداية التدجين والدمج القبلي للعرب بعد موقعة السطيف الشهيرة. النص الرسمي لا يتحدث عن عنصر مرذول، بل يصف من استجاب وانخرط في المشروع الموحدي (مثل فخذ بني محمد من رياح وجشم) بأوصاف التكريم:

«وكان في هذا القبيل الرياحي فخذ منهم يعرف ببني محمد لا حظتهم السعادة بطرف غير خفي، واحتضنتهم في حجر الوقاية حفي… فألقوا بمقاليد الانقياد، وانخرطوا في سلك أهل التوحيد بجميع الأنفس والأموال والأولاد، وربطوا أنفسهم مدى أعمارهم على مصافرة الغزو ومصابرة الجهاد».

وتضيف الرسالة واصفة انتقالهم الشامل ببيوتهم وأموالهم إلى المغرب الأقصى:

«وقد تأثرت هذه القبيلة الفترة بما شد من شعوبها من أليم العض، فأثرت الانخال مع الموحدين بالقضيض والقض؛ وقد قوضت خيامها، وهجرت آطامها، وقدمت بين يدي استنانها على آثار أهل التوحيد أناسيها وأنعامها… وكل من هذين الحيين الجشمي والفخذ المحمدي من الرياحي فقد عزم وأعزم به على أن تحتط إن شاء الله بالمغرب دارهم، ويبوأ هنالكم قرارهم، ويقصر على خدمة هذا الأمر العزيز جوارهم».

هذا النص يثبت أن استقدام العرب وتوطينهم في سهول المغرب (تامسنا، الغرب، الهبط) كان استراتيجية دولة عليا لإعادة توزيع الخريطة الديموغرافية، وتوفير خزان عسكري ضخم للجيش الموحدي.

ثالثا: عهد يعقوب المنصور.. العرب في قلب الشرعية السياسية

يدعي عبد الخالق كلاب ومقلدوه أن يعقوب المنصور ندم على استقدامهم، لكن المفارقة التاريخية الكبرى التي تكشفها الرسالة السابعة والعشرون من مجموع بروفنسال (وهي منشور الخلافة الرسمي الموجه من إشبيلية إلى الأقاليم لإعلان تولية يعقوب المنصور نفسه الحكم عام 580 هـ)، تبين أن هؤلاء العرب المستقدمين كانوا هم الركيزة الأساسية في مبايعته وتثبيت عرشه إثر الصدمة العسكرية بموت والده يوسف عند أسوار شنترين.

يقول الكاتب أبو الفضل بن محشرة في النص الرسمي للرسالة واصفا الحشد الذي بايع المنصور:

«لم تزل رغبات الموحدين -أعزهم الله- وإخوانهم العرب -وفقهم الله – تترادف على سيدنا أمير المؤمنين… وأجمع من الموحدين – أعانهم الله – ومن انضاف إليهم من الأجناد، ومن كافة العرب وأعيان أهل البلاد، جمع كثير، وحفل كبير… وبادر الأعيان من الموحدين وغيرهم إلى البيعة وسارعوا، وترادف الناس بعدهم وتتابعوا، وأعطى الجميع صفقة أيديهم بإخلاص من سرائرهم وبايعوا… واستوعب كافة الموحدين ومن معهم من الأجناد، وإخوانهم العرب وأعيان أهل البلاد».

إن تكرار عبارة «وإخوانهم العرب» في وثيقة دستورية رسمية تعلن قيام سلطة المنصور، ينسف جذريا أطروحة الغربة والنبذ العرقي، ويؤكد أن المنصور استمد جزءا كبيرا من شرعيته السياسية والعسكرية من هذا المكون بالذات.

رابعا:  البعد العسكري والنفسي.. كيف رأى المنصور فرسان العرب؟

تتجلى العبقرية الإستراتيجية للموحدين في كيفية توظيف طاقة هؤلاء الفرسان، وهو ما تشرحه بدقة متناهية الرسالة السادسة والعشرون (من إنشاء ابن محشرة عن الخليفة يوسف وبمباركة ابنه يعقوب الذي كان وليا للعهد وقائدا ميدانيا).

في هذه الرسالة، يتم توجيه العرب وتوطينهم في ثغور الأندلس (كقرطبة وإشبيلية) لمواجهة المد المسيحي، ويشرح الخليفة شروطه الإستراتيجية التي وافق عليها أعيان العرب، وعلى رأسهم أمير رياح مسعود بن سلطان بن زمام، حيث أمرهم بنقل عائلاتهم وأموالهم كافة وراء خطوط القتال، في قراءة علمية نفسية مبهرة لأسلوب القتال العربي:

«وععرفوا أن الغرض فيهم إنما هو غزو الروم الذين بجزيرة الأندلس… وندبوا إلى أن ينفروا إلى ذلك بقضهم وقضيضهم… وأن ينفروا إليه بجملتهم من غير استثناء، واستصحبوا معهم من تتعلق به الخواطر من أهل وأبناء ونعم وشاء، وجعلوا ذلك كله وراءهم حيث ما يرسم لهم من بلاد الأندلس… كانت خواطرهم لغزو أعدائهم أفرغ، ومصاعهم لأقرانهم أصدق، ووطأتهم على أهل الشرك أنكل».

هؤلاء الفرسان الذين نقلهم المنصور، وشحن نفوسهم بعقيدة الجهاد الموحدية مع التذكير بأمجاد أجدادهم في صدر الإسلام، كانوا هم النواة الصلبة التي سار بها يعقوب المنصور نفسه خريف عام 591 هـ ليحقق نصر معركة الأرك الخالدة ضد ألفونسو الثامن ملك قشتالة. فهل يعقل في منطق السياسة والحرب أن يندم ملك على استقدام الجيش الذي دك به عروش النصارى وخلد به اسمه في التاريخ؟

ختاما:

إن القراءة السطحية والانتقائية التي يمارسها عبد الخالق كلاب وأشباهه، تنم عن عجز بنيوي في استيعاب مفهوم “الدولة الإمبراطورية”. لقد تجاوز المغرب عبر صيرورته التاريخية والسياسية فكرة “النقاء البيولوجي” أو القبلي الضيق؛ فالدولة الموحدية، ورغم انطلاقها من عصبية مصمودية أمازيغية، أدركت في أوج امتدادها أنها لا يمكن أن تدير إمبراطورية تمتد من طرابلس إلى البرتغال بعصبية واحدة، فكان استقدام المكون العربي ودمجه صمام أمان جيوسياسي حفظ توازن القوى لقرون.

إن نصوص «رسائل موحدية» لليفي بروفنسال تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن المكون العربي لم يكن طارئا ولا تخريبيا في نظر سلاطين الموحدين، بل كان مكونا “شقيقا” شريكا في البيعة، ركيزا في التوطين، ودرعا حاسما في معارك الجهاد. وحري بمن يدعي البحث التاريخي أن يلتزم بأبجديات العلم والصرامة الأكاديمية، بدلا من ارتكاب جنايات معرفية باقتطاع النصوص لتغذية نزعات شيفونية تافهة لا تصمد أمام حقائق الأرشيف والوثائق الرسمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى