رأي

العلماء الأمازيغ وبناء الهوية المغربية الجامعة: من المحلية المغربية إلى الإشعاع الحضاري العالمي

عبدالسلام بامعروف : باحث في العلوم السياسية و القانونية

كثيرا ما يثار في النقاشات المعاصرة سؤال حول العلاقة بين المكون الأمازيغي والمجال الحضاري المغربي الإسلامي، وكأن هناك تعارضا مفترضا بين الانتماء الأمازيغي والانخراط في الثقافة الإسلامية والعربية التي شكلت عبر القرون أحد أهم مكونات الشخصية المغربية. غير أن العودة إلى التاريخ تكشف أن هذا التعارض لم يكن حاضرا في التجربة المغربية كما يتصور اليوم، بل إن الواقع التاريخي يقدم صورة مختلفة تماما: صورة مجتمع استطاعت مكوناته المتعددة أن تتفاعل داخل مشروع حضاري واحد، وأن تجعل من التنوع مصدر قوة وإبداع.
ومن أبرز الشواهد على ذلك الدور الكبير الذي لعبه العلماء الأمازيغ في بناء الثقافة المغربية، ليس باعتبارهم ممثلين لمكون منفصل، وإنما باعتبارهم جزءا أصيلا من النخبة العلمية التي ساهمت في تشكيل المغرب الحضاري. فقد كانوا علماء في الفقه والحديث والتفسير واللغة والمنطق والفلك وغيرها من العلوم، وأسهموا في بناء المؤسسات العلمية، وترسيخ المرجعيات الدينية، ونشر المعرفة في مختلف مناطق البلاد.
إن اختيار نماذج مثل يحيى بن يحيى المصمودي، والإمام محمد بن محمد بن داود الصنهاجي المعروف بابن آجروم، والشيخ مولود السريري، ليس الهدف منه إثبات أصلهم الأمازيغي فقط، فالأصل العرقي لا يصنع قيمة العالم، وإنما القيمة فيما يقدمه من علم وإسهام. وإنما الهدف هو إبراز حقيقة تاريخية مهمة، وهي أن العالم الأمازيغي المغربي لم ير في خدمته للعربية أو العلوم الإسلامية تناقضا مع انتمائه الثقافي، بل كان يرى أن هذه المجالات جميعها جزء من فضاء حضاري مشترك ينتمي إليه.
ابن آجروم: عالم مغربي أمازيغي صنع أثرا عالميا
يقدم الإمام محمد بن محمد بن داود الصنهاجي، المشهور بابن آجروم، نموذجا واضحا لهذه الحقيقة. فهو عالم أمازيغي مغربي عاش في بيئة علمية مغربية عريقة، وكانت مدينة فاس التي احتضنته واحدة من أهم مراكز العلم في الغرب الإسلامي. وفي هذا المحيط العلمي، حيث ازدهرت حلقات الدرس والتأليف، ظهرت الحاجة إلى مؤلفات تعليمية تساعد الطلاب على استيعاب العلوم بأسلوب واضح وميسر.
ومن هنا جاءت المقدمة الآجرومية في علم النحو، وهي من أشهر المتون النحوية في تاريخ العربية. والمهم في هذا السياق أن ابن آجروم عندما كتب آجروميته لم يكن يكتبها للمشرق، ولم يكن مشروعه العلمي موجها إلى بغداد أو دمشق أو القاهرة، وإنما كتبها انطلاقا من بيئته المغربية، واستجابة لحاجة المدرسة العلمية المغربية إلى متن مختصر يساعد طلاب العلم على ضبط أساسيات النحو العربي.
لقد كانت الآجرومية ابنة بيئتها، فهي تحمل روح المدرسة التعليمية االعربية لتي كانت منتشرة في المغرب، حيث كان الاهتمام منصبا على تقريب العلوم، واختصار مسائلها، وتقديمها في صورة سهلة الحفظ والتداول. ولذلك جاءت المقدمة في أسلوب موجز ومنظم، بعيد عن التعقيد، مما جعلها مناسبة للمبتدئين وسببا في انتشارها الواسع.
غير أن عظمة هذا العمل تكمن في أن كتابا خرج من مدرسة عربية مغربية محلية أصبح بعد ذلك أحد أشهر الكتب التعليمية في العالم الإسلامي. فقد انتقلت الآجرومية من حلقات العلم في المغرب إلى مدارس المشرق وإفريقيا وغيرها، ووضعت حولها عشرات الشروح والحواشي، وأصبحت مرحلة أساسية في تعلم اللغة العربية لدى أجيال متعاقبة من الطلاب.
وهذا الانتشار يثبت أن المغرب لم يكن مجرد متلق للمعرفة القادمة من الخارج، بل كان مركزا منتجا لها. فكما استفاد علماء المغرب من التراث العلمي الإسلامي العام، فإنهم أعادوا صياغته وأضافوا إليه، وقدموا مؤلفات أصبحت بدورها جزءا من التراث الاسلامي المشترك.
إن ابن آجروم لم يكن عالما “تخلى عن أمازيغيته” عندما كتب في العربية، بل كان نموذجا لعالم مغربي جمع بين انتمائه الامازيغي ورسالة العلم العربي-الاسلامي. فقد كان أمازيغي الأصل، مغربي الانتماء، عربي اللسان في التأليف العلمي، وإسلامي المرجعية الحضارية، دون أن يرى في ذلك أي تناقض.
.
يحيى بن يحيى المصمودي وترسيخ المرجعية العلمية المغربية
ولا يختلف الأمر كثيرا عند الحديث عن يحيى بن يحيى المصمودي، الذي يعد من الشخصيات البارزة في تاريخ الفقه المالكي بالمغرب والأندلس. فقد كان من العلماء الذين ساهموا في ترسيخ المذهب المالكي، الذي أصبح لاحقا أحد أهم عناصر الهوية الدينية للمغرب.
إن أهمية دور يحيى بن يحيى لا تكمن فقط في كونه عالما أمازيغي الأصل، وإنما في كونه أحد المشاركين في بناء مؤسسة علمية وفقهية ساهمت في توحيد المجتمع المغربي حول مرجعية دينية واحدة. فقد لعب العلماء المالكية دورا أساسيا في تنظيم الحياة الدينية والقضائية، وربط مختلف مناطق المغرب بمنظومة علمية مشتركة.
وهنا تظهر وظيفة العلماء الأمازيغ في التاريخ المغربي: لم يكونوا علماء مناطق مغلقة، بل كانوا صناع اندماج ووحدة. فقد انتقلت علومهم عبر المدن والقرى والبوادي، وأسهمت في خلق فضاء ثقافي مشترك يتجاوز الانتماءات المحلية.
المدارس العتيقة والعلماء الأمازيغ: صناعة الإنسان المغربي
إن الحديث عن العلماء الأمازيغ لا يكتمل دون الحديث عن المدارس العتيقة التي انتشرت في سوس والأطلس والريف وغيرها من المناطق. فقد كانت هذه المؤسسات مراكز حقيقية لإنتاج المعرفة، وليست مجرد أماكن للتعليم التقليدي.
ففي هذه المدارس درس الطلاب القرآن وعلوم الحديث والفقه وأصوله واللغة والمنطق، وتخرج منها علماء وقضاة وعدول ومدرسون انتشروا في مختلف أنحاء المغرب. وقد لعبت هذه المؤسسات دورا مهما في الحفاظ على الوحدة العلمية للمجتمع، لأنها كانت تدرس الكتب نفسها، وتعتمد المناهج نفسها، وتنتج نخبة علمية مرتبطة بالمشروع الحضاري المغربي العام .
ومن بين العلماء الذين يمثلون استمرار هذا التقليد العلمي الشيخ مولود السريري، الذي ينتمي إلى المدرسة العلمية السوسية المعروفة بعنايتها بالعلوم الشرعية والعربية والمنطق وأصول الفقه. ويمثل وجود علماء معاصرين من هذا النوع استمرارا لسلسلة طويلة من العلماء الأمازيغ الذين جعلوا من العلم وسيلة لخدمة المجتمع والوطن.
العلماء الأمازيغ وبناء الهوية الوطنية قبل ظهور مفهوم الدولة الحديثة
إن أحد الجوانب المهمة التي ينبغي التأكيد عليها هو أن العلماء الأمازيغ لم يساهموا فقط في إنتاج المعرفة، بل ساهموا أيضا في بناء هوية مشتركة للمغاربة قبل ظهور مفهوم الوطنية بصيغته الحديثة.
فمن خلال نشر التعليم، وترسيخ المرجعية الدينية، وربط المناطق المختلفة بشبكة علمية واحدة، ساهموا في خلق شعور بالانتماء إلى فضاء مغربي موحد. ولم تكن اللغة أو الأصل القبلي عائقًا أمام هذا الانتماء، لأن الهوية المغربية تاريخيا لم تقم على إلغاء التنوع، بل على تنظيمه داخل إطار جامع.
لقد كانت العربية لغة العلم والتأليف والفقه، بينما بقيت الأمازيغية لغة الحياة اليومية وذاكرة المجتمع في مناطق واسعة من البلاد. ولم يكن هذا التعايش مصدر صراع، بل كان جزءا طبيعيا من التجربة المغربية. فالعلماء الذين كتبوا بالعربية كانوا في الوقت نفسه أبناء بيئات أمازيغية حافظت على خصوصيتها الثقافية والاجتماعية.
الهوية المغربية: وحدة تقوم على التكامل لا الإقصاء
إن الدرس الأكبر الذي تقدمه سيرة هؤلاء العلماء هو أن الهوية القوية لا تحتاج إلى إقصاء مكوناتها، بل تقوم على قدرتها على استيعاب التنوع وتحويله إلى طاقة إنتاجية.
فالمغرب لم يبن بواسطة مكون واحد، وإنما ساهم في بنائه العرب والأمازيغ والأندلسيون وغيرهم، ضمن تفاعل تاريخي طويل أنتج شخصية مغربية متميزة. وكان العلماء الأمازيغ من أهم الذين جسدوا هذا التفاعل، لأنهم أثبتوا أن الانتماء إلى الثقافة الأمازيغية لا يمنع الانتماء إلى الحضارة العربية-الإسلامية، وأن خدمة العربية لا تعني فقدان الجذور المحلية.
لقد كتب ابن آجروم كتابه في فاس، انطلاقا من حاجات بيئته المغربية، لكنه أصبح كتابا للعالم الإسلامي كله. ورسخ يحيى بن يحيى المصمودي المرجعية الفقهية التي ساهمت في وحدة المجتمع المغربي. ويواصل علماء المدرسة السوسية اليوم حمل هذا الإرث العلمي. وكل ذلك يؤكد أن العلماء الأمازيغ لم يكونوا على هامش التاريخ المغربي، بل كانوا من أبرز صانعيه.
إن قوة الهوية المغربية تكمن في هذا التراكم التاريخي؛ في قدرتها على الجمع بين الأمازيغية والعربية، بين المحلي والكوني، وبين الخصوصية والانفتاح. ولذلك فإن العلماء الأمازيغ يمثلون شاهدا حيا على أن التنوع عندما يندمج داخل مشروع حضاري مشترك لا يصبح عامل انقسام، بل يصبح مصدرا للغنى والإبداع والاستمرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى