الهجرة الجماعية نحو سبتة ومليلية… مأساة إنسانية وتحديات متزايدة
فاطمة بالعربي إعلامية حرة وحقوقية

باريس، في 2 أغسطس 2026
تشهد الحدود الفاصلة بين المغرب ومدينتي سبتة ومليلية المحتلتين من طرف إسبانيا موجة هجرة جماعية غير مسبوقة، شارك فيها رجال ونساء وقاصرون من مختلف الأعمار، في مشاهد تعكس حجم المعاناة الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها عدد من الشباب والأسر الباحثين عن مستقبل أفضل.
ووفقًا لتصريح صادر عن وزارة الداخلية المغربية، بلغ عدد الأشخاص الذين حاولوا التوجه نحو مدينة سبتة حوالي 40 ألف شخص، فيما بلغ عدد الذين حاولوا الوصول إلى مليلية 1135 شخصًا. كما أعلنت الوزارة تسجيل حالة وفاة واحدة إثر السقوط من منطقة صخرية، و10 حالات وفاة غرقًا خلال هذه المحاولات.
وفي المقابل، تداولت بعض التصريحات الصادرة عن مسؤولين إسبان أرقامًا مختلفة بشأن حجم محاولات العبور، إلا أن هذه المعطيات لم يتسنَّ التحقق منها بشكل مستقل من خلال بيانات رسمية منشورة، ما يجعل الأرقام الصادرة عن السلطات المغربية المرجع الرسمي المتوفر حتى الآن.
وتعود أسباب هذه الهجرة إلى عدة عوامل، من بينها البطالة، والفقر، وغلاء المعيشة، وضعف فرص الشغل، إضافة إلى شعور العديد من الشباب بانسداد الأفق، ما يدفعهم إلى المجازفة بحياتهم أملاً في الوصول إلى أوروبا.
كما تستغل شبكات الاتجار بالبشر هشاشة الأوضاع الاجتماعية لتغرير الشباب والقاصرين ودفعهم إلى خوض رحلات محفوفة بالمخاطر.
ولا تقتصر تداعيات هذه الأزمة على المهاجرين غير النظاميين فحسب، بل تمتد آثارها إلى أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، خاصة خلال الموسم الصيفي الذي يشهد عودة آلاف المغاربة المقيمين بأوروبا إلى أرض الوطن في إطار عملية “مرحبا”. إذ تؤدي الضغوط الأمنية والاكتظاظ على المعابر الحدودية المؤدية إلى سبتة ومليلية إلى التأثير سلبًا على حركة العبور، سواء بالنسبة للمغاربة المتجهين إلى وطنهم لقضاء العطلة أو العائدين إلى بلدان إقامتهم، وهو ما ينعكس في شكل تأخير طويل، واكتظاظ، ومعاناة إنسانية للأسر، خاصة الأطفال وكبار السن.
ورغم الجهود الأمنية والتنسيق المستمر بين المغرب وإسبانيا لمواجهة الهجرة غير النظامية، فإن هذه الظاهرة تؤكد أن الحلول الأمنية وحدها لا تكفي، بل تتطلب معالجة الأسباب العميقة للهجرة من خلال تعزيز التنمية، وخلق فرص الشغل، وتحقيق العدالة الاجتماعية، مع احترام حقوق الإنسان وصون الكرامة الإنسانية.
بصفتي حقوقية ومواطنة مغربية مقيمة بفرنسا، أتابع هذه التطورات بكثير من الحزن والأسف. إن فقدان الأرواح على الحدود أو في البحر يمثل مأساة إنسانية لا ينبغي أن تتكرر، كما أن استمرار هذه الأزمة يؤثر بشكل مباشر على الجالية المغربية المقيمة بالخارج التي تعبر سنويًا نحو المغرب، وتجد نفسها في مواجهة ظروف استثنائية تزيد من معاناتها خلال السفر.
إن الهجرة ليست مجرد أرقام، بل هي قضية إنسانية تتطلب مسؤولية مشتركة بين جميع الأطراف، تقوم على حماية الحق في الحياة، ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر، وإيجاد حلول تنموية حقيقية تمنح الشباب الأمل داخل وطنهم، إلى جانب ضمان انسيابية تنقل الجالية المغربية عبر المعابر الحدودية في ظروف تحفظ كرامتها وتيسر تنقلها.





