رأي

عندما تتحول مؤشرات التنمية إلى سؤالوجودي من يصنع اليأس؟الجزء الأول:

عبد العزيز رجاء فاعل مدني

صدمة الشاطئ وانكشافه
لم يكن فجر ذلك اليوم عادياً على شواطئ الفنيدق والمناطق الساحلية المحاذية لمدينة سبتة المحتلة. في ساعات قليلة، تحولت تلك الشواطئ إلى مسرح لمشهد غير مسبوق: آلاف المواطنين، ذكوراً وإناثاً، أغلبهم من فئة الشباب، وقاصرون يركضون نحو البحر. بعضهم يحمل حقيبة صغيرة، وآخرون لا يحملون سوى ملابسهم، بينما كان القاسم المشترك بينهم جميعاً هو الإيمان بأن الضفة الأخرى قد تمنحهم فرصة لم يعد وطنهم، في نظرهم، قادراً على توفيرها.
لم يكن البحر في تلك اللحظة مجرد حاجز مائي يفصل بين قارتين، بل تحول إلى خط فاصل بين حلم يتشبث به الشباب وواقع يحاولون الإفلات منه، ولو كان الثمن المجازفة بالحياة. فخلال ساعات، غزت صور الاندفاع الجماعي وسائل الإعلام الدولية ومنصات التواصل الاجتماعي، لتعود مدينة سبتة إلى واجهة الأحداث باعتبارها إحدى أبرز بوابات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا. وبينما كانت السلطات المغربية والإسبانية تعبئ مختلف أجهزتها لاحتواء الوضع، كانت أسئلة أكثر عمقاً تفرض نفسها بعيداً عن الضجيج الإعلامي:
• ما حدث حتى أصبح آلاف الشباب مستعدين للمغامرة بحياتهم دفعة واحدة؟
• هل يمكن تفسير ما جرى بمجرد إشاعة انتشرت على منصة رقمية؟
• أم أن الإشاعة لم تكن سوى الشرارة التي أشعلت ناراً كانت كامنة تحت رماد أزمات اجتماعية واقتصادية تراكمت على مدى سنوات؟
القضية أبعد من الأمن والإشاعات
سارع البعض إلى تفسير ما وقع من زاوية أمنية، فأرجعوه إلى نشاط شبكات الاتجار بالبشر، أو إلى استغلال معلومات مضللة جرى تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشأن إمكان الوصول إلى سبتة وصدور قرار قضائي إسباني بعدم إرجاع المهاجرين. ورأى آخرون أن الحدث لا يخرج عن كونه موجة موسمية تتكرر كلما توافرت ظروف معينة كسابقاتها في عهد الحكومة الحالية.
إن اختزال الأزمة في بعدها الأمني أو التقني قد يحجب جوهرها الحقيقي. فشبكات التهريب لا تصنع اليأس، ووسائل التواصل الاجتماعي لا تخلق الرغبة في الهجرة من العدم، بل تستثمر في واقع قائم، وتستغل هشاشة اجتماعية ونفسية تجعل آلاف المواطنين أكثر استعداداً لتصديق أي خبر يمنحهم أملاً، ولو كان وهماً.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشكل نقطة الانطلاق: كيف وصل هؤلاء إلى البحر؟ بل: لماذا قرروا أصلاً أن البحر أصبح خيارهم الوحيد؟
تنوع الوافدين وأزمة الثقة في المستقبل
فالذين اندفعوا نحو سبتة ليسوا جميعاً عاطلين عن العمل، وليسوا جميعاً من الأسر الأكثر فقراً، كما أنهم لا ينتمون إلى منطقة واحدة أو فئة اجتماعية واحدة. بينهم متزوجون، تلاميذ، وطلبة، وعمال، وحاملو شهادات، نساء وقاصرون، وشباب قدموا من مدن وجهات مختلفة. وهذا التنوع يؤكد أن الظاهرة تتجاوز التفسير الاقتصادي الضيق، لتلامس أزمة أعمق تتعلق بالثقة في المستقبل، وبصورة الوطن في مخيلة شريحة كبيرة من المواطنين خاصة جيل كامل، أصبح يعيش في فضاء رقمي مفتوح، يقارن يومياً بين ما يراه على شاشات هاتفه من أنماط عيش وفرص عمل وخدمات عمومية في دول أخرى، وبين ما يعيشه في محيطه المحلي. ومع اتساع هذه المقارنة، ترتفع سقوف التوقعات، لكن حين لا تجد هذه التطلعات ما يوازيها من فرص حقيقية، تتحول الفجوة بين الطموح والواقع إلى شعور بالإحباط، ثم إلى رغبة في الرحيل.
منجزات التنمية الوطنية وتحدي العدالة المجالية
ولا يمكن إغفال أن المغرب شهد خلال العقدين الأخيرين تحولات كبرى في مجالات البنية التحتية، والصناعة، والاستثمار، والطاقات المتجددة، كما رسخ موقعه الإقليمي في عدد من القطاعات الاستراتيجية. وهي منجزات حقيقية لا يمكن إنكارها، بل تمثل رصيداً مهماً في مسار التنمية الوطنية.
وفي الوقت نفسه، أكدت التوجيهات الاستراتيجية للدولة، وفي مقدمتها ما تضمنته الخطب الملكية في السنوات الأخيرة، أن الرهان لم يعد يقتصر على إنجاز المشاريع الكبرى، بل أصبح يتمثل في:
• جعل التنمية أكثر عدالة.
• تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
• وضع الرأسمال البشري في صلب السياسات العمومية.
غير أن الأحداث الأخيرة تطرح سؤالاً مشروعاً حول مدى نجاح مختلف الفاعلين الحكوميين والحزبيين والمؤسساتيين في تحويل هذه التوجهات إلى واقع يلمسه المواطن، وخاصة الشباب، في حياته اليومية.
إن هذا المقال لا يسعى إلى البحث عن متهم جاهز، ولا إلى تقديم أجوبة تبسيطية لظاهرة معقدة، بل يحاول تفكيك خيوط واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في المغرب اليوم.
• هل أصبحت الهجرة غير النظامية مؤشراً على أزمة اقتصادية فقط؟
• أم أنها تعكس أيضاً أزمة ثقة، وأزمة وساطة سياسية، وضعفاً في التواصل العمومي، واختلالاً في قدرة المؤسسات على استيعاب تطلعات الأجيال الجديدة؟
• وهل تكفي المقاربة الأمنية، مهما بلغت نجاعتها، لمعالجة ظاهرة تتغذى من البطالة، والهشاشة، واتساع الفوارق الاجتماعية، وتراجع الثقة في المستقبل؟
• أم أن المعركة الحقيقية تبدأ قبل الوصول إلى الشاطئ، داخل المدرسة، والجامعة، وسوق الشغل، والحزب السياسي، والإدارة العمومية؟
هذه الأسئلة ستكون خيطاً ناظماً لهذا المقال، الذي سيحاول، انطلاقاً من المعطيات الرسمية، والتقارير الوطنية والدولية، وآراء الخبراء والفاعلين، أن يقترب من فهم ظاهرة لا تختزل في قوارب الهجرة، بل تعكس، في جوهرها، علاقة جيل كامل بوطنه، ومستوى ثقته في قدرته على تحقيق أحلامه داخله، لنحاول لمس بعض تداعياتها في الجزء الثاني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى