رأي

الحقوق الفردية بين الكونية وأزمة التغريب: قراءة نقدية في أطروحة أحمد عصيد والضمير الجمعي المغربي

عبد السلام بامعروف باحث في العلوم السياسية والقانونية

المقدمة:

صدام المرجعيات… حين تتحول الحقوق إلى سؤال هوية

يشهد المغرب المعاصر مخاضا فكريا وحقوقيا غير مسبوق، لم يعد يدور فقط حول تعديل قوانين أو توسيع هامش الحريات، بل انزلق تدريجيا إلى سؤال وجودي عميق يمس تعريف الإنسان، وحدود الحرية، ومعنى الكرامة، وطبيعة العلاقة بين الفرد والمجتمع. ففي قلب هذا المخاض، برز مفهوم الحقوق الفردية لا بوصفه أداة قانونية لتنظيم العيش المشترك، بل باعتباره ميدان صراع رمزي بين مرجعيات متباينة، لكل منها تصورها الخاص عن الإنسان، والقيم، والمجتمع.

لقد انتقل النقاش حول الحقوق الفردية من فضاء الاجتهاد القانوني إلى معركة هوية مفتوحة: معركة بين من يقدم هذه الحقوق باعتبارها جزءا من ‘منظومة كونية’ لا تقبل النقاش أو التكييف، وبين من يرى فيها مشروعا لتفكيك البنية القيمية للمجتمع المغربي، وإعادة هندسة وعيه الجماعي وفق نموذج مستورد لا يراعي خصوصياته الدينية والثقافية والتاريخية. وهنا تحديدا لم تعد الإشكالية في مبدأ الحقوق بحد ذاته بل في المرجعية التي تؤسس عليها هذه الحقوق، والطريقة التي نفرض بها، والغاية التي تسوق من أجلها.

في هذا السياق المتوتر، يبرز اسم الباحث والناشط أحمد عصيد كأحد أكثر الأصوات راديكالية في الدفاع عن مقاربة علمانية للحقوق الفردية، تقوم على الفصل التام بين المجال الحقوقي وأي مرجعية دينية أو ثقافية محلية. فبالنسبة له، لا تقاس شرعية الحقوق إلا بمدى تطابقها مع المعايير الدولية كما صاغتها التجربة الغربية الحديثة، أما الخصوصية المغربية – بما تحمله من دين وعرف وتاريخ – فليست سوى عائق مؤقت أمام ”التنويريجب تجاوزه. هذا الطرح، رغم جرأته، يفتح الباب أمام سؤال جوهري ومقلق: هل تمثل الحقوق الفردية أفقا للتحرر الإنساني فعلا أم أنها تتحول – حين تفصل عن سياقها – إلى أداة اغتراب ثقافي وقطيعة مع الضمير الجمعي؟

إن خطورة هذا النقاش لا تكمن في الاختلاف في الآراء، بل في تحويل الكونية إلى سلطة أخلاقية متعالية، تمارس باسم التقدم، وتقصي أي محاولة للتساؤل أو التحفظ بوصفها رجعية أو معاداة للحداثة. وهكذا، يصبح المجتمع موضوعا للإصلاح القسري لا شريكا في صياغة مصيره، وتتحول الحقوق من وسيلة لحماية الإنسان إلى أداة لإعادة تشكيله وفق نموذج جاهز. من هنا، تبرز الحاجة إلى تفكيك الخلفيات الفلسفية والتاريخية لمفهوم الحقوق الفردية، ومساءلة ادعاء كونيته المطلقة خاصة عندما ينقل من سياقه الغربي إلى مجتمعات ذات بنية قيمية مغايرة، كالمجتمع المغربي.

وانطلاقا من هذا الإطار، يسعى هذا النص إلى معالجة إشكالية الحقوق الفردية في المغرب من زوايا متعددة:

  • أولا، عبر تتبع الجذور الغربية لمفهوم الحقوق الفردية، وبيان كيف تحول من مسار تاريخي خاص إلى نموذج يزرع قسريا في سياقات مغايرة.
  • ثانيا، من خلال نقد أطروحة أحمد عصيد، ليس بوصفها رأيا مخالفا فحسب، بل كنموذج لخطاب حقوقي يتبنى الكونية في مواجهة الهوية، ويختزل التعقيد المجتمعي في ثنائية التقدم/التخلف.
  • ثالثا، بالاستئناس بالتجربة الأمريكية، لإظهار أن المخاوف من الفردانية المطلقة ليست هواجس ”تقليدية” بل نتائج ملموسة عاشتها مجتمعات بلغت أقصى درجات التحرر الفردي.
  • رابعا، بمحاولة استشراف معادلة مغربية خاصة، تقوم على التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، والحرية والمسؤولية، والحقوق والمرجعية الأخلاقية.

إن الرهان في نهاية المطاف ليس رفض الحقوق الفردية، ولا تقديسها، بل تحريرها من الاستنساخ الأعمى، وإعادة إدماجها في مشروع وطني يعترف بخصوصية المغرب، ويجعل من الحقوق رافعة للبناء الاجتماعي لا أداة للتفكيك، ومن الحرية قيمة مسؤولة لا قطيعة مع الذات الجماعية.

أولا: الحقوق الفردية.. من المركزية الغربية إلى الاستنبات القسري

تعد الحقوق الفردية نتاجا مباشرا لمسار تاريخي خاص بأوروبا الغربية، تبلور عبر محطات مفصلية كعصر الأنوار، والثورة الفرنسية، وصعود الليبرالية السياسية والاقتصادية. هذا المسار لم يكن مجرد تطور قانوني، بل كان انقلابا أنثروبولوجيا أعاد تعريف الإنسان بوصفه ”فردا” مستقلا سابقا على الجماعة، ومتحررا – نظريا – من كل انتماء سابق على الإرادة الشخصية. في هذا التصور، تصبح الذات وحدة سيادية مكتفية بذاتها، تمتلك جسدها وقراراتها وهويتها بمعزل عن أي مرجعية أخلاقية أو اجتماعية عليا، باستثناء القانون الوضعي.

غير أن هذه المرجعية، التي نشأت في سياق صراع تاريخي مع الكنيسة والإقطاع والسلطة المطلقة، غالبا ما تقدم في السياقات غير الغربية باعتبارها نموذجا كونيا صالحا للتعميم، دون اعتبار للفوارق الحضارية والبنيوية بين المجتمعات. وهنا تبرز الإشكالية في السياق المغربي: فمحاولة نقل نموذج الحقوق الفردية بصيغته الغربية الراديكالية” إلى مجتمع يتميز ببنية اجتماعية متشابكة، حيث لا يفهم الفرد إلا داخل شبكة من العلاقات (الأسرة، القرابة، الجماعة، الأمة)، تؤدي إلى ما يمكن تسميته بـ الاغتراب القانوني والثقافي.

في المجتمع المغربي، لا ينظر إلى الفرد ككائن معزول يواجه المجتمع من موقع الخصومة أو الاستقلال التام، بل كجزء عضوي من نسيج اجتماعي وأخلاقي أوسع. فالكرامة الإنسانية هنا لا تؤسس على القطيعة مع الجماعة، بل على الاندماج المتوازن داخلها، وعلى احترام منظومة قيم مشتركة مستمدة من الدين الإسلامي، والعرف، والتقاليد التاريخية. لذلك، فإن اختزال الكرامة في ”حرية الاختيار الفرديبمعناها المطلق يحدث تصادماً مع الفهم المحلي الذي يربط الحرية بالمسؤولية، والحق بالواجب، والفرد بالمجموعة.

إن الإشكال لا يكمن في مبدأ الحقوق الفردية في حد ذاته، بل في نزعها من سياقها الأصلي، وإعادة زرعها قسريا في تربة ثقافية مختلفة دون عملية تكييف أو اجتهاد محلي. فبدل أن تبنى الحقوق انطلاقا من المرجعية المجتمعية المغربية، يتم فرضها أحيانا كحزمة جاهزة، محمولة بخطاب كوني متعال، يختزل كل أشكال الاعتراض أو التحفظ في تهم الرجعية أو ”معاداة الحداثة، هذا الأسلوب لا ينتج حداثة حقيقية، بل يعمق الفجوة بين القانون والمجتمع، وبين النص والواقع.

وعليه، فإن أي نقاش جاد حول الحقوق الفردية في المغرب لا بد أن ينطلق من سؤال التوفيق بين الكوني والمحلي، وبين الفردي والجماعي، وبين الحرية والمرجعية الأخلاقية. فالمطلوب ليس استنساخ النموذج الغربي، ولا رفضه بالكامل، بل إعادة صياغة مفهوم للحقوق ينبع من الخصوصية الحضارية المغربية، ويستجيب في الوقت نفسه لتحديات العصر، دون أن يتحول إلى أداة اغتراب أو تفكيك للنسيج الاجتماعي.

ثانيا: نقد أطروحة أحمد عصيد… الكونية في مواجهة الهوية

يمثل أحمد عصيد اتجاها فكريا يعتبر أن الإشكال الأساسي في المجتمع المغربي لا يكمن في اختلالات التنمية أو العدالة الاجتماعية، بل في ما يسميه «المرجعية التقليدية» التي تحكم وعي الأفراد والجماعات. ووفق هذا التصور، تصبح الخصوصية الثقافية والدينية عبئاً تاريخيا يجب التخلص منه، لا رصيدا حضاريا قابلا للتطوير. غير أن هذا الطرح، في جوهره، لا يفتح أفقا للإصلاح بقدر ما يؤسس لعلاقة متوترة بين الحقوق والمجتمع، تقوم على الوصاية بدل الحوار، وعلى القطيعة بدل التدرج.

1. الاستعلائية المرجعية: حين تتحول الكونية إلى سلطة
ينطلق عصيد من مسلمة مفادها أن المرجعية الدولية لحقوق الإنسان تمثل سقفا أخلاقيا وقانونيا نهائيا يجب أن تخضع له كل المرجعيات الأخرى دون نقاش أو تأويل. في هذا المنطق، لا تعامل الخصوصية المغربية كإطار ثقافي يستحق الفهم، بل كعائق يجب تجاوزه. فالضمير الجمعي يختزل في «عقلية تقليدية» تحتاج إلى إعادة تشكيل قسري، لا إلى مصاحبة نقدية أو إصلاح داخلي. هذه النظرة الاستعلائية لا تختلف كثيرا عن منطق الوصاية الذي مارسته القوى الاستعمارية سابقا، حين كانت تعتبر نفسها حاملة للحقيقة والتقدم في مواجهة ”مجتمعات متأخرة”.

2. إقصاء المكون الديني: تفريغ الحقوق من معناها الاجتماعي
يتعامل عصيد مع الدين باعتباره خيارا فرديا محضا يمكن عزله عن المجال العام دون كلفة اجتماعية. غير أن هذا التصور يتجاهل حقيقة أساسية: في المغرب لا يشكل الدين مجرد معتقد شخصي بل هو الناظم العميق للأخلاق، والعلاقات الاجتماعية، ومفهوم العدالة نفسه. فالقانون والعرف وحتى التصورات الشعبية للحق والواجب، كلها مشبعة بالمرجعية الإسلامية. لذلك، فإن إقصاء الدين من النقاش الحقوقي لا يؤدي إلى تحرير الإنسان، بل إلى تفريغ الحقوق من معناها المجتمعي، وتحويلها إلى نصوص قانونية بلا روح، ما يجعل الخطاب الحقوقي يبدو صداميا ومنفصلا عن الواقع اليومي للناس.

3. ديكتاتورية التنوير: حين يلغى حق المجتمع في الاختيار
يرفع عصيد شعار التنوير، لكنه يمارسه أحيانا بمنطق إقصائي. فالحقوق الفردية التي يدافع عنها – مثل المجاهرة بالإفطار في رمضان أو تطبيع العلاقات خارج الزواج – تطرح باعتبارها حقائق بديهية غير قابلة للنقاش، وكأن المجتمع لا يملك الحق في مساءلتها أو تقييم أثرها على تماسكه النفسي والأخلاقي. هنا يتم تجاهل مبدأ ”الديمقراطية الثقافية’، الذي يقر بحق المجتمعات في حماية منظوماتها القيمية ما دامت تمنحها الاستقرار والمعنى. فالتنوير الحقيقي لا يفرض بقرارات فوقية، ولا يتحقق عبر استفزاز الأغلبية، بل عبر إقناعها وإشراكها في مسار التغيير.

نقد محوري: الكونية بوصفها استعمارا ثقافيا ناعما
إن الدفاع عن الحقوق باسم الكونية مع احتقار المحلي وتحقير المرجعيات الوطنية، لا يمكن اعتباره مشروعا تحرريا. بل هو في جوهره شكل من أشكال الاستعمار الثقافي الجديد، حيث يستبدل ”الفقيه”ًبـ ”الخبير الحقوقي الغربي باعتباره المرجع الوحيد للحقيقة والمعقول. في هذا السياق، لا يطلب من المجتمع أن يفكر، بل أن يمتثل لا أن يجتهد، بل أن ينسخ. وهنا تفقد الحقوق بعدها الإنساني، وتتحول إلى أداة هيمنة رمزية بدل أن تكون وسيلة لتحرير الإنسان داخل سياقه الطبيعي.

ثالثا: الدرس الأمريكي… حين تختبر الفردانية خارج سياقها

لا تستحضر التجربة الأمريكية في هذا النقاش بوصفها نموذجا يزان أو يمجد بل باعتبارها مختبرا تاريخيا بلغ فيه مبدأ الفردانية أقصى درجاته. فالمجتمع الأمريكي، الذي نشأ أصلا على فكرة استقلال الفرد عن الجماعة، وجد في ستينيات القرن الماضي فرصة لتوسيع غير مسبوق للحريات الشخصية، خصوصا مع جيل Baby Boomers. غير أن هذا التوسع، حين انفصل تدريجيا عن القيم الدينية والأطر الأسرية، كشف حدود الحرية عندما تتحول إلى قيمة قائمة بذاتها، دون سند أخلاقي أو اجتماعي.

من أمريكا إلى المغرب: اختلاف الجذور واختلاف النتائج
في الولايات المتحدة، كان تفكيك المرجعيات التقليدية امتدادا لمسار تاريخي طويل من الفردانية، حيث لم تكن الأسرة الممتدة أو الجماعة الثقافية تلعب الدور المركزي الذي تلعبه في مجتمعات مثل المغرب. ومع ذلك، ورغم هذا الاستعداد البنيوي، أفرزت الفردانية المفرطة نتائج مقلقة: تراجع الروابط الأسرية، اتساع فجوة الأجيال، وتنامي الإحساس بالوحدة والقلق الوجودي. فإذا كان هذا هو حال مجتمع صمم تاريخيا على أساس الفرد المستقل، فكيف يمكن نقل النموذج نفسه إلى مجتمع تتأسس هويته على التضامن الأسري والمرجعية الدينية المشتركة؟

الفرد الحر… بين الرفاه القانوني والهشاشة الاجتماعية
تكشف المقارنة هنا مفارقة لافتة: في أمريكا، يمتلك الفرد مساحة واسعة من الحرية القانونية، لكنه كثيرا ما يعيش عزلة اجتماعية ونفسية. أما في المغرب، فرغم القيود التي يشتكي منها البعض، ما تزال الأسرة والجماعة تشكلان شبكة أمان نفسية واجتماعية. هذه الشبكة ليست مثالية، لكنها تفسر سبب تخوف جزء كبير من المجتمع من أي تصور للحقوق يضعف الروابط الجماعية باسم التحرر الفردي. فالمغاربة لا يرفضون الحرية في ذاتها، بل يخشون أن تؤدي إلى فقدان المعنى والانتماء كما حدث في تجارب أخرى.

اليقظة المحافظة: مراجعة من داخل النموذج الغربي
إن صعود التيار المحافظ في الولايات المتحدة، من ريغان إلى ترامب، يكتسب دلالته الكاملة فقط حين يفهم بوصفه محاولة لإعادة التوازن بين الفرد والجماعة. فالدعوة إلى إعادة الاعتبار للأسرة الطبيعية، والجدل حول المناهج التعليمية، والاعتراض على فرض تصورات ثقافية جديدة على الأطفال، كلها تعبيرات عن قلق مجتمعي عميق، لا عن حنين رومانسي للماضي فقط. والمفارقة أن هذه النقاشات، التي لا تزال تعد رجعية في الخطاب الحقوقي المحلي، أصبحت اليوم جزءا من الحوار العمومي في قلب الغرب نفسه.

من هنا، فإن استحضار التجربة الأمريكية لا يهدف إلى تخويف المجتمع المغربي من الحرية، بل إلى التنبيه إلى أن النماذج الحقوقية لا تنجح إلا حين تنبع من سياقها الاجتماعي. فإذا كانت المجتمعات الغربية نفسها بصدد مراجعة مسار الفردانية المطلقة، فإن المغرب أولى بأن يطور مقاربته الخاصة، انطلاقا من ضميره الجمعي وقيمه التاريخية. وهذا ما يفتح الباب أمام السؤال المركزي: كيف يمكن للمجتمع المغربي أن يوازن بين تطلعات الفرد إلى الحرية، وحاجة الجماعة إلى التماسك والاستقرار؟
ذلك هو التحدي الذي يضعنا مباشرة أمام محور الضمير الجمعي المغربي، بوصفه ليس عائقا أمام الإصلاح، بل شرطا لنجاحه واستدامته.

رابعا: الضمير الجمعي المغربي… نحو معادلة متوازنة بين الأصالة والمعاصرة

لا يمكن اختزال الضمير الجمعي المغربي في صورة نمطية جامدة أو في منظومة مغلقة ترفض التغيير. فهو على العكس من ذلك، كيان تاريخي حي تشكل عبر قرون من التفاعل بين مكونات و روافد الهوية الوطنية( العربية الاسلامية و الامازيغية و الصحراوية الحسانية و الاندلسية …) والتجربة السياسية والاجتماعية للمغاربة. وقد أثبت هذا الضمير، في محطات متعددة، قدرته على التكيف واستيعاب التحولات دون أن يفقد جوهره. غير أن هذا التطور، لكي يكون صحيا ومستداما لا يمكن أن يفرض من الخارج أو يملى بلغة الوصاية، بل يجب أن ينبع من الداخل، عبر نقاش مجتمعي هادئ يحترم الإيقاع الثقافي للمجتمع.

1. الحرية المسؤولة: حين تمارس الحقوق دون استفزاز
في السياق المغربي، لا تفهم الحرية باعتبارها ممارسة فردية معزولة عن محيطها، بل بوصفها فعلا اجتماعيا له أثر مباشر على السلم الأهلي. فبعض الممارسات، وإن أمكن تبريرها قانونيا بمنطق الحقوق الفردية، قد تتحول اجتماعيا إلى استفزاز رمزي لمشاعر الأغلبية، كما هو الحال في المجاهرة بالإفطار في شهر رمضان. هنا لا يتعلق الأمر بقمع الحرية، بل بموازنتها مع حق المجتمع في الاستقرار والانسجام. فالحرية التي تمارس دون حساسية تجاه السياق الثقافي قد تؤدي إلى توتر دائم، وتفقد مشروعيتها الأخلاقية حتى قبل أن تفقد شرعيتها القانونية.

2. التأصيل لا التغريب: الحقوق بوصفها اجتهادا لا استنساخا
إن أحد رهانات الإصلاح الحقوقي في المغرب يتمثل في القدرة على بناء منظومة حقوقية مؤصلة تنطلق من المرجعية المحلية بدل استيراد نماذج جاهزة. فمقاصد الشريعة، بما تحمله من قيم حفظ النفس والعقل والعرض والكرامة، توفر أرضية أخلاقية مرنة تسمح بتطوير الحقوق دون القطيعة مع الهوية. هذا التأصيل لا يعني العودة إلى الماضي أو رفض المعايير الحديثة، بل إعادة قراءتها في ضوء السياق المغربي، بما يجعل الحقوق مفهومة ومقبولة وقابلة للتطبيق. فالتجارب الغربية نفسها أظهرت أن الحقوق حين تفصل عن أي سند قيمي، تصبح عاجزة عن حماية الأسرة وتماسك المجتمع.

3. الاستمرارية بدل القطيعة: الهوية كشرط للنجاح الإصلاحي
إن نجاح أي إصلاح حقوقي في المغرب يظل رهينا بقدرته على الانسجام مع الثوابت الوطنية، وفي مقدمتها إمارة المؤمنين باعتبارها إطارا ضامنا لوحدة المرجعية الدينية، والعمق الإسلامي-الأمازيغي الذي يشكل الذاكرة الجماعية للمجتمع. فالإصلاح الذي يتجاهل هذه المعطيات لا ينظر إليه بوصفه تقدما بل كتهديد للاستقرار الرمزي والثقافي. لقد أظهر التاريخ المغربي أن التغيير الناجح هو ذاك الذي يقوم على مبدأ الاستمرارية، حيث تتجدد القيم دون أن تلغى وتتطور المؤسسات دون أن تنفصل عن جذورها.

خلاصة : نحو حداثة مغربية بمرجعية وطنية
إن الرهان الحقيقي ليس في استنساخ نموذج حداثي جاهز، ولا في الدفاع عن ماض متخيل بل في صياغة حداثة مغربية تراعي الخصوصية وتستجيب لمتطلبات العصر. حداثة تجعل من الضمير الجمعي شريكا في الإصلاح لا عقبة في طريقه، وتؤسس لحقوق فردية مسؤولة، متجذرة في القيم المشتركة، وقادرة على الجمع بين الحرية والانسجام الاجتماعي. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربة حقوقية ترى في الهوية رصيدا للتطوير، لا عبئا ينبغي التخلص منه.

خاتمة: الحقوق كبناء وطني… بين الحرية والمسؤولية

إذا كانت الحقوق الفردية تعد معيارا للكرامة الإنسانية، فإن تحقيقها في المغرب لا يمكن أن يتم إلا من خلال إطار متوازن يحترم الضمير الجمعي ويستند إلى المرجعية الثقافية والدينية للمجتمع. فالحرية المطلقة، كما أظهرت التجربة الأمريكية، قد تتحول إلى عزلة اجتماعية وانفصال عن المعنى، بينما الحرية المسؤولة، التي تمارس ضمن شبكة القيم الجماعية، تعزز التماسك وتحقق الكرامة الحقيقية للفرد والمجتمع معا.

إن أطروحات بعض المفكرين، مثل أحمد عصيد، لعبت دورا مهما في تحريك النقاش العام حول الحقوق، لكنها تظل ناقصة إذا لم تدمج مع فهم دقيق للخصوصية المغربية. فالإصلاح الحقوقي الناجح ليس فرض نموذج خارجي، بل مغربة الحقوق؛ إعادة صياغة المبادئ الكونية بما يتوافق مع المقاصد الشرعية، والتقاليد الاجتماعية، والضمير الجمعي الذي يضمن استمرارية المجتمع واستقراره.

بهذه الطريقة، يصبح الحق الفردي أداة بناء لا تفكيكا ووسيلة للحرية مسؤولة وليست مصدر قطيعة، ويصبح المغرب قادرا على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين الحرية والالتزام بالقيم الجماعية، ليكون نموذجا متفردا في احترام الإنسان دون فقدان هويته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى