رأي

سلسلة الرد على الشعوبية التمزيغية المغرب بين ضفاف التاريخ: ماذا لو لم يكن الإسلام ولا اللغة العربية ؟

مصطفى بن عمور استاذ باحث

ليس من السهل، في زمنٍ تتقاذف فيه الأهواء وتتشابك فيه الدعاوى، أن نقف موقف المتأمل البصير من أحداثٍ غبرت منذ قرون خلت. إنها مسؤولية المؤرخ، بل مسؤولية المفكر، أن يضع بين يدي القارئ رؤيةً تركيبيةً لا تكتفي بسرد مقاطع مجتزأة من سياقها ، ولا تقف عند حدود الانطباع السطحي ، بل تتجاوز ذلك إلى استقراء العلل والنتائج، متحررةً من سطوة الأساطير التي تلبس ثوب التاريخ، ومن هيمنة النزعات الإديلوجية التي تصوغ الماضي على مقاس الحاضر.

إن الحديث عن الفتح الإسلامي للمغرب، وما صاحبه من جدلٍ حول طبيعته وأخلاقيات أبطاله، يضعنا أمام معضلة منهجية كبرى: هل ننظر إلى الحوادث بعيون عصرنا، فنحاكم الماضي بموازين الحاضر؟ أم نغوص في سياقات تلك المرحلة بكل عناصر بنيتها ، مستحضرين واقعها المعرفي والاجتماعي والسياسي، لنفهم ما جرى فهماً يليق بجلال التاريخ وعظمته؟

لنبدأ بسؤال جوهري: كيف كان حال المغرب قبل أن تطأه جيوش الإسلام؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب منا أن نخلع عن أعيننا نظارات الأيديولوجيا، ونرتدي نظارات الباحث الموضوعي.

كان المغرب في تلك الفترة يعيش حالةً من التشرذم السياسي والحضاري. فالإمبراطورية البيزنطية، التي كانت تمثل الوريث الشرقي للإمبراطورية الرومانية، بسطت نفوذها على السواحل والمدن الكبرى، مستغلةً صراعات القبائل المحلية. وقد اتخذت من سياسة “فرق تسد” منهجاً لها، فكانت ترفع قبيلة على أخرى، وتدعم زعيماً على حساب غيره، لتبقى قبضتُها محكمة على مقدرات المنطقة.

أما السكان الأصليون -البربر- فكانوا يعيشون أوضاعاً بالغة التعقيد. فإلى جانب الوثنية التي كانت سائدة في كثير من المناطق، كانت هناك جيوبٌ مسيحيةٌ على المذهب الدوناتي المتشدد ، وآثارٌ رومانيةٌ ممزوجةٌ بتقاليد محلية، مع وجودٍ يهوديٍّ متواضع ومحدود التأثير . لكن السمة الغالبة كانت هي التشتت القبلي والصراعات الداخلية التي استنزفت طاقات المجتمع، وجعلته فريسة سهلة للنفوذ الخارجي.

ولعل أبلغ وصف لهذه الحال ما قاله ابن خلدون في مقدمته: “وكان دينهم دين المجوسية شأن الأعاجم كلهم بالمشرق والمغرب إلا في بعض الأحايين يدينون بدين من غلب عليهم من الأمم. فإن الأمم أهل الدول العظيمة كانوا يتغلبون عليهم، فقد غزتهم ملوك اليمن من قرارهم مرارا على ما ذكر مؤرخوهم، فاستكانوا لغلبهم ودانوا بدينهم”.

وعندما جاءت جيوش الإسلام بقيادة عقبة بن نافع، لم تكن حملةً عسكريةً عابرة، بل كانت مشروعاً حضارياً متكاملاً. صحيح أن المعارك كانت دامية، وأن المقاومة كانت عنيفة، ولكن من الظلم التاريخي أن نختزل هذه الملحمة الكبرى في موقعةٍ واحدة، أو في شخصيةٍ بعينها.
إن قصة كسيلة والأمازيغ -على ما فيها من تباين في الروايات- لا ينبغي أن تحجب عنا الصورة الكبرى. فنحن أمام عملية تاريخية معقدة، امتدت لعقود، وتخللتها مراحل من الصراع والحرب، وأخرى من الصلح والتحالف، وتُوجت في النهاية بتحول جذري في هوية المنطقة وثقافتها.

لقد كان الفتح الإسلامي بمثابة النافذة التي فتحها المغرب على العالم المتوسطي والعالم الإسلامي الممتد من الأندلس إلى الهند. ومن خلال هذه النافذة، دخلت المنطقة في دائرة حضارةٍ كونية، تجاوزت حدود القبيلة والعرق والإقليم، لتقوم على أسسٍ من العقيدة التوحيدية واللغة المشتركة والقيم الإنسانية.

لو لم يفتح المسلمون المغرب: سيناريو البديل

والآن، لنمضِ في لعبة التاريخ الفرضية، ونتساءل: كيف كان يمكن أن يكون المغرب لو لم يدخل الإسلام؟

إن التمعن في هذا السؤال يأخذنا إلى عدة احتمالات، كلها تصب في اتجاه واحد: أن المغرب كان سيبقى -على الأرجح- هامشاً متخلفاً في الذاكرة التاريخية.

فمن الناحية السياسية، كان المغرب تحت النفوذ البيزنطي، وكان هذا النفوذ يتجه إلى التصلب والانحسار في الوقت نفسه. ولم يكن البيزنطيون لينقلوا إلى المنطقة شيئاً من حضارتهم المتقدمة، بل كانوا يستنزفونها ويدفعونها نحو مزيد من الانقسام. وقد تكون المنطقة تحولت إلى مسرحٍ للصراعات بين القوى الخارجية: البيزنطيين من الشرق، والقوط من الشمال، دون أن تقوم لها دولةٌ مستقلةٌ قوية.

ومن الناحية الدينية، كانت الوثنية والأديان المحلية المتنوعة ستبقى سائدة، مع احتمال انتشار المسيحية بشكل أكبر، لكن المسيحية التي كان يمكن أن تصل إليهم لم تكن المسيحية الجامعة الموحدة، بل طائفةٌ منشقةٌ ضعيفةٌ -كالدوناتية- كانت هي الأخرى تعاني من التهميش واضطهاد الكنيسة الرسمية.

وأما من الناحية اللغوية، فلم تكن اللاتينية قد تمكنت من جذورها في المغرب، بل ظلت حبيسة المدن الساحلية والإدارة الرومانية. أما اللغة البونية واللغات البربرية المختلفة فكانت تعيش حالةً من الانكماش والتجزؤ. ولم تكن هناك لغةٌ جامعةٌ يمكن أن توحد لهجات المنطقة وتجعل منها أمةً واحدة.

الإسلام والعربية: التحول العظيم

لقد جاء الإسلام فكان كالسيل الجارف، لكنه كان سيلاً يحمل في طياته بذور الحياة لا بذور الدمار. فالدين الجديد قدّم للبربر تصوراً توحيدياً واضحاً يعلو على الخرافات والأساطير، ويضع الإنسان في مواجهة مباشرة مع خالقه، دون وساطة أو كهانة.

واللغة العربية حملت معها كنوزاً معرفية لا حدود لها: القرآن الكريم بأسلوبه البياني العجيب، والشعر الذي يخلب الألباب، والفقه الذي ينظم الحياة، والعلم الذي يفتح آفاق المعرفة. وأصبحت العربية هي الرابط الذي يصل بين أقصى المغرب وأقصى المشرق، وبين عالم البربر وعالم العرب والفرس والترك الذين اتخذوها لسان علومهم وآدابهم .

لقد تمظهرت ريادة البربر في الحضارة الإسلامية بصورة لا تقبل الشك. فقد برز منهم الأئمة والعلماء والفلاسفة والقادة. ومن أبناء هذه الأرض خرجت دولٌ عظيمة كالمرابطين والموحدين، التي لم تكن لتقوم لولا الإسلام الذي وحّد قلوبهم وجمع كلمتهم.

إن العربية كانت بمثابة “الوظيفة الرمزية” التي صاغت الهوية المغربية وجعلتها جزءاً من الأمة الإسلامية. وبدون هذه الركيزة، كان يمكن أن يبقى المغرب مجموعةً من القبائل المنغلقة على لهجاتها ، لا يربطها رابط قوي ولا تجمعها جامعة.

مغربٌ بغير الإسلام !!!

لو تخيلنا مغرباً غير مسلم، لرأينا أرضاً بلا هوية واضحة، فلا هوية بربرية خالصة -لأن البربر أنفسهم كانوا متشرذمين- ولا هوية رومانية بيزنطية، ولا هوية مسيحية موحدة. لكانت المنطقة أشبه بالمشرق قبل الإسلام: صراعاتٌ قبليةٌ وخلافاتٌ مذهبيةٌ، بدون دولةٍ جامعة.

وما كان ليكون للبربر أي دورٍ فاعلٍ في التاريخ العالمي. فلن تكون هناك طرقٌ للقوافل الذهبية، ولن تقوم دولٌ كالمرابطين والموحدين، ولن تُفتح الأندلس، ولن تزدهر العلوم في قرطبة وفاس ومراكش، ولن يخرج العلامة ابن خلدون ليكتب مقدمته التي هي فخر الحضارة الإنسانية.

وإن مما يثلج الصدر أن نرى كيف احتفظ البربر بهويتهم الأمازيغية، بل واستطاعوا، في إطار الإسلام والعروبة الرمزية لا العرقية ، أن يصنعوا لأنفسهم كياناً قوياً، وأن يبرزوا شخصيتهم الفريدة، وأن يمدوا الحضارة الإسلامية بالعطاء والتميز.

خاتمة:

لم تكن الفتوحات الإسلامية رحلةً ترفيهيةً أو نزهةً في الربوع، بل كانت فتحاً حقيقياً بكل ما للكلمة من معنى: فتحٌ للبلدان، وفتحٌ للقلوب، وفتحٌ للعقول على آفاق جديدة من المعرفة والرحمة والعدل.

ولعل من الإنصاف أن لا ننظر إلى المعارك والمواجهات بمعزل عن السياق العام. فالحروب في تلك الفترة كانت طبيعة العلاقات بين المجتمعات وقانونا شاملا للأمم والشعوب ، ولم يكن المسلمون وحدهم من يخوضونها، بل كان البيزنطيون وغيرهم يفعلون ذات الشيء….حتى الممالك في إفريقيا وقبائلها كانت تعج بالحروب وأضرارها الجانبية .

بيد أن ما يميز الفتح الإسلامي هو أنه لم يكن مجرد تغييرٍ للنظام السياسي، بل كان ثورةً معرفيةً شاملة، قدّمت للبربر ما لم تكن تقدمه لهم أي قوةٍ أخرى: كرامة الإنسان، وأخوة المؤمنين، ووحدة الأمة، ولغة العلم والثقافة.

وإذا كان البعض اليوم ينظر إلى تلك الفترة بنظرةٍ ضيقةٍ لا تتجاوز حدود الشتائم والاتهامات، فإننا ندعوه إلى القراءة المتأنية، وإلى النظر إلى الصورة الكاملة، لا إلى جزءٍ منها مبتور . ولنا في عظمة التراث المغربي، وفي ازدهار الثقافة الإسلامية في ربوعه، خير دليلٍ على بركة تلك الفتوحات المباركة التي حوّلت هذا البلد -الذي كان هامشياً منسياً- إلى منارةٍ للأمة، وقلبٍ نابضٍ في جسد الحضارة الإسلامية.

إن دروس التاريخ، ومواعظ الأمم، لا تُدرك بالانفعالات العابرة، بل بالبصيرة النافذة التي تغوص في أعماق الأحداث، وتستخرج منها جوهرها النقي، الذي يبقى شاهدا على عظمة ما صنعه أسلافنا، وما ورثناه عنهم من كنوزٍ لا تنضب.
إن التاريخ لا يُقرأ لِنَلوم، بل يُقرأ لِنَفهَم. فالشخصيات التي مرت على مسرح المغرب، من كسيلة إلى عقبة، ومن طارق بن زياد إلى يوسف بن تاشفين، كلهم كانوا أبناء زمانهم، يحملون هَمَّ زمانهم، ويخوضون غمار صراعاتٍ كانت قوانينها تختلف عن قوانيننا اليوم.

والمغرب اليوم، الذي يفاخر بعروبته وأمازيغيته وإسلامه في تناغم بديع يغيظ أعداءه من داخل وخارج ، هو نتاج تلك اللحظة التاريخية الفارقة. فلم يُلغِ الفتحُ البربرية، بل صقلها، ومنحها أجنحةً لتطير في فضاءات الروح والكون. ولو لم تأتِ تلك اللحظة، لبقينا مجرد ذكرى في هوامش الكتب الرومانية، أو قبائلَ تتخاطب بلهجات لا تُكتب، وتؤمن بآلهةٍ لا تنجي ولا تنفع أو تضر .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى