
إذا كانت صور اندفاع آلاف الشباب نحو سبتة قد هزت الرأي العام، فإن الأرقام تكشف أن ما جرى لم يكن حدثاً معزولاً، بل نتيجة تراكمات اقتصادية واجتماعية امتدت لسنوات. فالأزمات لا تولد فجأة، وإنما تنمو تدريجياً حتى تنفجر في لحظة تجذب اهتمام الجميع.
بطالة الشباب… الجرح المفتوح
تشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، ما تزال من أبرز التحديات التي تواجه المغرب. ورغم تحقيق الاقتصاد معدلات نمو متفاوتة، فإن وتيرة إحداث فرص الشغل ظلت دون مستوى الطلب المتزايد على العمل.
وتبقى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة الأكثر تضرراً، لا سيما في الوسط الحضري، حيث لا تضمن الشهادات الجامعية أو المهنية الحصول على وظيفة مستقرة، مما يعمق الإحباط ويضعف الثقة في المستقبل. كما أن جزءاً مهماً من العاملين يشتغل في القطاع غير المهيكل أو في وظائف هشة تفتقر إلى الاستقرار والحماية الاجتماعية.
نمو اقتصادي لا ينعكس بالقدر الكافي على التشغيل
حقق المغرب خلال السنوات الأخيرة مكاسب مهمة في البنية التحتية والصناعة والاستثمار، خاصة في قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة، غير أن أثر هذا النمو على التشغيل ظل محدوداً.
ويرجع ذلك إلى أن بعض القطاعات الحديثة تعتمد على التكنولوجيا ورأس المال أكثر من اعتمادها على اليد العاملة، في حين تراجعت قدرة قطاعات أخرى، مثل الفلاحة، على استيعاب العمالة بسبب الجفاف والتغيرات المناخية. لذلك يؤكد البنك الدولي أن التحدي لا يكمن فقط في رفع معدلات النمو، بل في جعلها أكثر قدرة على خلق فرص الشغل وتعزيز الإدماج الاقتصادي.
الفقر والهشاشة… أكثر من ضعف الدخل
لم يعد الفقر يقاس بمستوى الدخل فقط، بل يشمل أيضاً فرص الولوج إلى التعليم الجيد، والرعاية الصحية، والسكن اللائق، والنقل والخدمات الأساسية. ورغم تحسن بعض المؤشرات الاجتماعية، لا تزال الفوارق المجالية والاجتماعية قائمة، مما يعزز الشعور بعدم تكافؤ الفرص.
كما ساهمت سنوات الجفاف وارتفاع أسعار المواد الأساسية والطاقة في تراجع القدرة الشرائية للأسر، وزيادة الضغوط الاقتصادية على فئات واسعة.
المغرب في مرآة التنمية البشرية
حقق المغرب تقدماً في عدد من مؤشرات التنمية خلال العقدين الأخيرين، إلا أن تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ما تزال تشير إلى تحديات مرتبطة بجودة التعليم، والرعاية الصحية، ومستويات الدخل، والتفاوتات المجالية. فالتنمية الحقيقية لا تقاس فقط بالنمو الاقتصادي، بل بقدرة المواطنين على التمتع بحياة كريمة وفرص متكافئة.
لماذا يريد الشباب الهجرة؟
تكشف استطلاعات، من بينها “الباروميتر العربي”، أن نسبة مهمة من الشباب المغربي تعبر عن رغبتها في الهجرة إذا سنحت لها الفرصة. ولا يرتبط هذا التوجه بالفقر وحده، بل أيضاً بالبحث عن فرص أفضل للعمل، وتحسين جودة الحياة، والإحساس بالعدالة والاستقرار. وبذلك أصبحت الهجرة، بالنسبة إلى كثيرين، مشروعاً لبناء المستقبل أكثر منها مجرد هروب من الواقع.
الهجرة… صناعة شبكات أم نتيجة اختلالات؟
تواصل السلطات المغربية تفكيك شبكات تهريب البشر وإحباط آلاف محاولات الهجرة غير النظامية، غير أن استمرار الظاهرة يؤكد أن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي. فهذه الشبكات تستغل اليأس ولا تصنعه، وتحوّل فقدان الأمل إلى تجارة مربحة. لذلك يظل التصدي للأسباب الاقتصادية والاجتماعية للهجرة مكملاً ضرورياً للجهود الأمنية.
أرقام تدق ناقوس الإنذار
عند جمع هذه المؤشرات، تتضح صورة المشهد:
اقتصاد يحقق تقدماً في قطاعات استراتيجية، لكن أثره على التشغيل لا يزال محدوداً.
استمرار ارتفاع بطالة الشباب، خصوصاً حاملي الشهادات.
تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة.
استمرار التفاوتات الاجتماعية والمجالية.
تزايد رغبة الشباب في الهجرة وفق استطلاعات الرأي.
استمرار نشاط شبكات تهريب البشر التي تستغل هذه الاختلالات.
هذه المعطيات لا تعني أن المغرب يعيش أزمة شاملة، لكنها تؤكد أن نجاح المشاريع الاقتصادية يحتاج إلى سياسات اجتماعية أكثر فاعلية، تجعل النمو ينعكس على فرص العمل وجودة الحياة.
وإذا كانت هذه المؤشرات تفسر جانباً مهماً من الظاهرة، فإنها لا تجيب عن سؤال آخر لا يقل أهمية: لماذا يتحول الإحباط الفردي أحياناً إلى اندفاع جماعي نحو الهجرة في توقيت واحد؟ وهل تلعب وسائل التواصل الاجتماعي والعوامل النفسية والثقافية دوراً في صناعة هذا السلوك الجماعي؟ هذا ما سنتناوله في الجزء الثالث.




