إذا كانت لغة الأرقام قد كشفت حجم الاختلالات التي يعيشها جزء من الشباب المغربي، فإنها لا تقدم وحدها تفسيراً كاملاً للمشهد الذي عاشته مدينة الفنيدق والمناطق المجاورة لسبتة المحتلة. فالفقر، رغم قسوته، لا يدفع بالضرورة إلى الهجرة، كما أن البطالة ليست حكراً على المغرب. ومع ذلك، فإن آلاف الشباب اختاروا في لحظة واحدة المجازفة بحياتهم، وهو ما يدفع إلى البحث عن أسباب أعمق من المؤشرات الاقتصادية المجردة.
فالظواهر الاجتماعية الكبرى لا تولد من عامل واحد، وإنما من تفاعل مجموعة من العوامل الاقتصادية والنفسية والثقافية والسياسية، وهو ما يجعل الهجرة غير النظامية مرآة تعكس أزمة متعددة الأبعاد، أكثر مما تعكس مجرد رغبة في تحسين الدخل.
فالكثير من الشباب المغربي لا يعيش البطالة باعتبارها مرحلة انتقالية قصيرة، وإنما باعتبارها وضعاً قد يمتد لسنوات، خاصة بالنسبة إلى حاملي الشهادات. فبعد سنوات من الدراسة، يجد آلاف الخريجين أنفسهم في مواجهة سوق شغل محدود، تتجاوز فيه أعداد الباحثين عن العمل بكثير عدد المناصب المتاحة. وتزداد صعوبة الوضع بالنسبة إلى من ينحدرون من أسر محدودة الدخل، إذ يتحول الانتظار الطويل إلى عبء نفسي واجتماعي، ويشعر الشاب بأنه انتقل من مقاعد الدراسة إلى دائرة البطالة دون أن يمر بمرحلة الاندماج المهني.
ولا تقتصر المشكلة على غياب فرص الشغل، بل تشمل أيضاً نوعية الوظائف المتاحة، إذ يشتغل عدد كبير من الشباب في القطاع غير المهيكل أو في وظائف مؤقتة لا توفر الاستقرار أو الحماية الاجتماعية، ولا تمكنهم من التخطيط لمستقبلهم أو تكوين أسرة أو امتلاك سكن.
غلاء المعيشة… ضغط يومي يلتهم الأحلام : خلال السنوات الأخيرة، واجهت الأسر المغربية موجة متواصلة من ارتفاع الأسعار، شملت المواد الغذائية والطاقة والنقل والسكن والخدمات الأساسية. ورغم بعض الإجراءات الحكومية المحتشمة، والتي لم تلامس عمق الأزمة. فإن القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المواطنين تعرضت لضغوط كبيرة، خاصة لدى الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط. وبالنسبة إلى الشباب، فإن ارتفاع تكاليف الحياة لا يعني فقط صعوبة الاستهلاك، بل يعني أيضاً تأجيل مشاريع الزواج، والاستقلال المالي، وتأسيس المقاولات، وتحقيق الاستقرار الشخصي. تأجيل يتحول معه تأجيل المستقبل هو الآخر.
التعليم… عندما تصطدم الشهادة بسوق الشغل : شهد المغرب توسعاً ملحوظاً في الولوج إلى التعليم العالي، إلا أن ذلك لم يواكبه دائماً تطور مماثل في قدرة الاقتصاد على استيعاب الخريجين. فالأمر لا يتعلق بقيمة الشهادة في حد ذاتها، وإنما بمدى ملاءمة منظومة التكوين مع حاجيات الاقتصاد الوطني، وبقدرة الجامعة والتكوين المهني على تزويد الشباب بالمهارات المطلوبة في سوق شغل سريع التحول.
ولهذا، أصبح كثير من الخريجين يشعرون بأن سنوات الدراسة لم تضمن لهم الاندماج المهني الذي كانوا ينتظرونه، الأمر الذي ينعكس على مستوى الثقة في المنظومة التعليمية وفي فرص المستقبل.
“البوميرانغ”… عندما ترتد الإنجازات على أصحابها: قدم بعض الباحثين تفسيراً سوسيولوجياً لافتاً لهذه الظاهرة، يقوم على مفهوم يمكن تسميته بـ”أثر البوميرانغ”. فالمغرب يعيش منذ سنوات دينامية تنموية واضحة، تجلت في مشاريع كبرى، وموانئ عالمية، وشبكات طرق سيارة، وقطارات فائقة السرعة، واستثمارات صناعية، وأوراش اجتماعية مهمة. وقد أسهمت هذه الإنجازات في تعزيز صورة المغرب إقليمياً ودولياً، ورسخت طموحاً مشروعاً في بناء اقتصاد أكثر تنافسية. غير أن لهذه الصورة جانباً آخر؛
فكلما ارتفع سقف التوقعات لدى المواطنين، ارتفعت معه انتظاراتهم من السياسات العمومية. وعندما لا يلمس جزء من الشباب انعكاس هذه الدينامية على فرص الشغل، أو جودة التعليم، أو الخدمات الصحية، أو مستوى الدخل، تنشأ فجوة بين الصورة التي يراها عن بلده، والواقع الذي يعيشه يومياً.
وهنا يتحول النجاح الوطني، الذي يفترض أن يكون مصدر فخر، إلى معيار يقيس به الشباب أوضاعهم الشخصية، فإذا لم يجدوا أنفسهم داخل هذا المسار التنموي، ارتد الشعور بالإحباط عليهم كما يرتد “البوميرانغ” إلى مطلقه.
إن المشكلة ليست في الإنجازات، بل في شعور بعض الفئات بأنها لم تستفد منها بالقدر الذي كانت تنتظره.
وسائل التواصل الاجتماعي… مسرّع للهجرة لا صانع لها: ألقى كثيرون باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها المحرك الرئيسي لما حدث في سبتة. غير أن هذا التفسير، رغم أهميته، يظل ناقصاً. فالمنصات الرقمية لا تخلق الرغبة في الهجرة من العدم، لكنها تمتلك قدرة على تسريع انتشارها وتحويلها إلى سلوك جماعي. لقد أصبحت تطبيقات مثل “تيك توك” و”فيسبوك” و”إنستغرام” فضاءات تنتقل عبرها الأخبار والإشاعات بسرعة غير مسبوقة، سواء تعلق الأمر بادعاءات حول وجود ثغرات أمنية، أو بقرارات قضائية، أو بمقاطع مصورة تظهر نجاح بعض المهاجرين في الوصول إلى الضفة الأخرى.
وتستغل شبكات الاتجار بالبشر هذه البيئة الرقمية للترويج لروايات تنتقي قصص النجاح وتتجاهل مآسي الغرق أو الترحيل، وهو ما يخلق صورة مضللة عن الهجرة باعتبارها فرصة سهلة، بينما هي في الواقع مغامرة محفوفة بالمخاطر.
أزمة نفسية قبل أن تكون أزمة اقتصادية: ربما يكون أخطر ما كشفت عنه أحداث سبتة هو البعد النفسي للهجرة. فالمهاجر لا يبحث دائماً عن المال فقط، بل يبحث عن الاعتراف، وعن الشعور بالكرامة، وعن الإحساس بأن جهده سيقود إلى مستقبل أفضل. فعندما يفقد الشاب هذا الإحساس، يصبح أكثر استعداداً لتحمل المخاطر، لأن البقاء في المكان نفسه يبدو له أكثر قسوة من المغامرة. ولهذا، يرى علماء الاجتماع أن الهجرة غير النظامية أصبحت في كثير من الحالات تعبيراً عن أزمة أمل، أكثر من كونها أزمة دخل. وأنها ليست قراراً فردياً… بل مؤشر على اختلال جماعي؛
إن القراءة المتأنية لما جرى تقود إلى نتيجة أساسية، وهي أن الهجرة الجماعية لا يمكن تفسيرها بخطأ فردي أو بقرار شخصي معزول. وإنها مؤشر على وجود اختلالات متراكمة في الاقتصاد، والتعليم، وسوق الشغل، والتواصل، والوساطة الاجتماعية، وهي اختلالات تجعل جزءاً من الشباب يشعر بأن مستقبله لا يُبنى داخل الوطن بالسرعة التي كان يأملها. ولذلك، فإن مواجهة الهجرة لا تبدأ عند الشريط الحدودي، بل تبدأ من المدرسة، والجامعة، والمقاولة، والأسرة، والسياسات العمومية التي تمنح المواطن أسباباً حقيقية للبقاء.
غير أن الأسباب الاقتصادية والاجتماعية، على أهميتها، لا تعفي الفاعل السياسي من مسؤوليته. فالأحزاب السياسية والحكومة ليست مجرد مؤسسات لإدارة الانتخابات أو تنفيذ البرامج، بل هي أيضاً مؤسسات يفترض أن تؤطر المجتمع، وتنصت إلى نبضه، وتبني الثقة بين الدولة والمواطن.
فهل قامت هذه المؤسسات بدورها خلال هذه الأزمة؟ أم أن فراغها فتح المجال أمام الإشاعة، ومنصات التواصل الاجتماعي، وشبكات التهريب لتملأ هذا الفراغ؟ هذا ما سنتناوله في الجزء الرابع.





