
مفارقة المشهد الانتخابي بالمغرب: أزمة الثقة وهيمنة الأعيان
مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026. لا يبدوأن طرح السؤال عن من سيفوز؟ بل أصبح السؤال أكثر عمقاً وإزعاجاً عن من سيذهب أصلاً إلى صناديق الاقتراع؟
فكما هو متداول أن الانتخابات تبدأ قبل يوم التصويت بأسابيع كثيرة، ومن خلالها تظهر مدى قدرة الأحزاب على إقناع المواطن بأن صوته له معنى، وتكون فرصة للمؤسسات الترابية لإنتاج الثقة، وتظهر الدولة على الحياد والاستعداد التام لفتح المجال أمام منافسة سياسية حقيقية.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فالاستعدادات الرسمية تتوالى، بينما يبدو جزء واسع من المجتمع أقل حماساً لهذا الموعد. حيث تشير المعطيات الرسمية، ـــ بعد حصر اللوائح في 10 يوليوز 2026 ـــ إلى أن عدد المسجلين بلغ 16,280,115 مع تسجيل اختفاء نسبة مهمة مقارنة بانتخابات 2021، الأمر الذي يدعو إلى قراءة هادئة لمعطيات العزوف عن التسجيل وبالتالي فهو عزوفا للعملية الانتخابية المقبلة.
هل سنشاهد قاعات التصويت شبه فارغة…؟
المتتبع لما يدور داخل قبة البرلمان، يستمع للحكومة وهي تدافع عن حصيلتها، ونواب المعارضة تنتقد. لكن خارج هذه الدائرة توجد كتلة اجتماعية واسعة لا ترى نفسها في هذا النقاش؛ يتعلق الأمر بالشاب الذي يبحث عن عمل، والطالب القلق على مستقبله، والموظف الذي يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة، والمتقاعد المهمش الذي تآكل معاشه ولم يعد يكفي لاقتناء أبسط حاجياته، والمواطن( بشكل عام) الذي يصطدم يومياً بمشاكل الصحة والتعليم والنقل وفاتورات الماء الكهرباء والهاتف وغيرها… كل هؤلاء يبحثون عن إجابة عن سؤال بسيط: هل سيتغير الوضع إذا شاركنا في عملية الانتخابات وقدمنا أصواتنا؟
الأحزاب والبرامج: من التنافس على الأفكار إلى التنافس على المواقع
تتمثل إحدى أبرز مظاهر أزمة السياسة الحزبية في التحول التدريجي الذي عرفته الحياة الحزبية، حيث لم يعد التنافس يدور بالقدر نفسه حول الأفكار والبرامج والاختيارات المجتمعية، بقدر ما أصبح يرتبط، في كثير من الحالات، بالأشخاص وشبكات النفوذ المحلية والقدرة على استقطاب الأصوات. ومع بروز ما يمكن تسميته بـ**«ديمقراطية الأعيان»، إلى جانب ظاهرة سماسرة الانتخابات أو ما يعرف شعبيًا بـ«الشناقة»**، تتحول المنافسة الانتخابية أحيانًا من صراع حول البرامج والبدائل إلى صراع حول المواقع وموازين النفوذ.
ولا تكمن خطورة هذا التحول فقط في تأثيره على نزاهة المنافسة، وإنما أيضًا في قدرته على إفراغ التعددية السياسية من جزء من مضمونها الفكري والبرنامجي. فحين يصبح الفوز مرتبطًا أكثر بشبكات العلاقات والولاءات المحلية منه بقدرة المرشح أو الحزب على تقديم مشروع مقنع، يفقد المواطن تدريجيًا الإحساس بأن الانتخابات تمثل مناسبة حقيقية للاختيار بين بدائل سياسية ومجتمعية مختلفة.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم جانب من أزمة الثقة التي تواجه الأحزاب. فالمواطن الذي لا يجد فروقًا واضحة بين البرامج، أو يرى أن الوعود الانتخابية لا تتحول بالضرورة إلى سياسات ملموسة بعد الوصول إلى السلطة، قد يجد نفسه أمام سؤال بسيط لكنه عميق: ما الذي يمكن أن تغيره مشاركتي في الانتخابات؟
حين تصبح الثقة في الدولة أكبر من الثقة في الأحزاب
وتزداد هذه الإشكالية تعقيدًا عندما لا يرى جزء من المواطنين في البرامج الانتخابية للأحزاب، أو حتى في البرامج الحكومية المتعاقبة، المصدر الأساسي للمشاريع الكبرى التي تحدد اتجاه البلاد. فقد ترسخت لدى قطاعات من الرأي العام صورة تعتبر المؤسسة الملكية، في إطار مكانتها الدستورية، الفاعل الأكثر قدرة على إطلاق الأوراش الاستراتيجية وضمان استمراريتها.
ويجد هذا التصور ما يغذيه في عدد من المشاريع والأوراش الوطنية الكبرى التي ارتبط إطلاقها بتوجيهات ومبادرات ملكية، من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، إلى أوراش تعميم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، وتعميم التعليم الأولي، فضلًا عن مشاريع كبرى في مجالات البنية التحتية والطاقة والموانئ، من قبيل ميناء طنجة المتوسط ومشروع نور للطاقة الشمسية، إلى جانب الأوراش المرتبطة بتعزيز الدولة الاجتماعية.
ولا يعني استحضار هذه النماذج أن الحكومة والبرلمان والأحزاب لا يضطلعون بأدوار دستورية ومؤسساتية في صياغة السياسات العمومية وتنفيذها ومراقبتها؛ فالحكومة مسؤولة عن تنفيذ برنامجها وممارسة السلطة التنفيذية، والبرلمان يمارس وظائف التشريع والرقابة والتقييم. لكن المسألة هنا تتعلق بصورة ذهنية وسياسية لدى جزء من المواطنين، وهي صورة تجعلهم يربطون المشاريع الاستراتيجية الكبرى بالدولة ومؤسسة الملك أكثر مما يربطونها بالأحزاب والحكومات.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التوقف: إذا كان المواطن يرى أن الأوراش الكبرى والاختيارات الاستراتيجية للبلاد تتجاوز البرامج الانتخابية للأحزاب والحكومات، فما الذي سيقنعه بأن صوته الانتخابي قادر فعلًا على تغيير السياسات العامة؟
إن ترسخ هذا الاعتقاد قد يؤدي إلى إضعاف جاذبية المنافسة الحزبية؛ إذ قد يتساءل الناخب: ما جدوى تغيير الحزب أو الحكومة إذا كانت الاختيارات الكبرى تُصاغ في مستوى آخر من مستويات صناعة القرار، بينما تظل الحكومات في نظره أقرب إلى أجهزة لتنفيذ هذه الاختيارات وتدبيرها؟
غير أن أهمية هذا السؤال لا تكمن في تبني هذه الرؤية باعتبارها حقيقة مطلقة، وإنما في التعامل معها باعتبارها تمثلًا سياسيًا واجتماعيًا موجودًا لدى شريحة من المواطنين. فحتى إذا كانت هذه القراءة تختزل، أحيانًا، تعقيد عملية صناعة القرار العمومي وتداخل الأدوار الدستورية والمؤسساتية، فإن تجاهلها لن يساعد على معالجة أزمة الثقة.
قد تكون المفارقة الأعمق في المشهد السياسي المغربي هي أن المواطن يمكن أن يجمع، في الوقت نفسه، بين الثقة في قدرة الدولة على إنجاز المشاريع الكبرى، وضعف الثقة في الأحزاب والحكومات باعتبارها أدوات للتأثير السياسي المباشر. وهذه الفجوة بين الثقة في الدولة والثقة في السياسة الحزبية تطرح تحديًا حقيقيًا أمام الأحزاب؛ لأن استعادة ثقة الناخب لا يمكن أن تتم عبر الحملات الانتخابية وحدها، ولا بمجرد تغيير الشعارات والوجوه، وإنما من خلال إثبات أن التنافس الحزبي له أثر فعلي في حياة المواطن، وأن الانتخابات لا تقتصر على اختيار أشخاص لتدبير المؤسسات، بل تمنح المواطنين فرصة حقيقية للتأثير في السياسات والاختيارات العمومية.
ومن هنا، فإن ظاهرة العزوف لا ينبغي أن تُفسر دائمًا باعتبارها رفضًا للدولة أو للمشروع الوطني، أو باعتبارها دليلًا على غياب الاهتمام بالشأن العام. فقد يكون المواطن مؤمنًا ببلده وبقدرة الدولة على الإنجاز، لكنه في الوقت نفسه غير مقتنع بأن الانتخابات والأحزاب هما القناة الأكثر فعالية للتأثير في هذا الإنجاز.
وهذه النقطة بالذات تنقل النقاش من سؤال تقليدي هو: لماذا لا يهتم المواطن بالسياسة؟ إلى سؤال أكثر دقة وعمقًا: لماذا لا يرى المواطن في السياسة الحزبية والانتخابات وسيلة فعالة للتأثير في مستقبل البلاد؟
من استعادة الأصوات إلى استعادة المصداقية
لهذا السبب، فإن مسؤولية الأحزاب تتجاوز بكثير مجرد تقديم وعود انتخابية خلال فترة الحملة. المطلوب هو إعادة بناء المعنى السياسي للمشاركة، من خلال تقديم رؤى واضحة وبرامج قابلة للتنفيذ والقياس والمساءلة، وإظهار قدرة حقيقية على تحويل الاختيارات الوطنية الكبرى إلى سياسات عمومية ملموسة يستفيد منها المواطن في حياته اليومية.
كما أن تجديد السياسة يقتضي إعادة الاعتبار للتنافس حول الأفكار والبدائل، بدل اختزال المنافسة في الأشخاص وشبكات النفوذ. فالمواطن لن يستعيد ثقته في الانتخابات لمجرد أن يُطلب منه التصويت، وإنما عندما يرى فروقًا حقيقية بين البرامج، ويعرف ما الذي سيكسبه من اختيار هذا الحزب بدل ذاك، ويملك أدوات محاسبة من اختارهم عندما لا يلتزمون بوعودهم.
وبذلك، لا تصبح المعركة الانتخابية مجرد صراع على المقاعد والمواقع، وإنما منافسة حقيقية حول أي نموذج للتنمية، وأي عدالة اجتماعية، وأي جودة للخدمات العمومية، وأي حكامة، وأي علاقة بين المسؤولية والمحاسبة.
فالمشكلة في نهاية المطاف ليست أن المواطن لا يريد السياسة، وإنما أن السياسة، في صورتها الحزبية الراهنة، لم تعد تقنع عددًا متزايدًا من المواطنين بأنها الأداة التي يستطيعون من خلالها التأثير في السياسة العامة. ومن هنا تبدأ معركة استعادة الثقة ؛ليس باستعادة الناخب إلى صندوق الاقتراع فقط، وإنما باستعادة اقتناعه بأن لصوته معنى، ولخياره أثرًا، وللمؤسسة المنتخبة قدرة حقيقية على التغيير.
التدبير الإداري بين التنظيم ومجال النفوذ:
لا يكتمل النقاش حول الانتخابات وعلاقة المواطنين بالمؤسسات دون التوقف عند الدور المركزي الذي تضطلع به وزارة الداخلية في الإعداد والتنظيم الإداري والتقني للعملية الانتخابية. فهذا الدور يشمل، ضمن ما يشمله، تدبير ومراجعة اللوائح الانتخابية، والإشراف على الجوانب التنظيمية واللوجستيكية للاقتراع، وتتبع تمويل الحملات الانتخابية، إلى جانب مواكبة التحولات الرقمية المرتبطة بالترشيحات والعمليات الانتخابية، بما فيها الترتيبات الخاصة بالناخبين المغاربة المقيمين بالخارج.
غير أن النقاش حول هذا الدور يقتضي قدرًا كبيرًا من الدقة؛ إذ ينبغي التمييز بين الاختصاص الإداري والقانوني المخول للوزارة وبين الادعاء بوجود تحكم مباشر في النتائج الانتخابية. فالأول حقيقة مؤسساتية تؤطرها القوانين والأنظمة الجاري بها العمل، بينما الثاني اتهام سياسي لا يمكن أن يتحول إلى حقيقة بمجرد تداوله في الخطاب السياسي أو الإعلامي وعبر الوسائط الاجتماعية، ما لم يستند إلى أدلة ومعطيات حقيقية.
وتكمن الإشكالية الأعمق، ربما، في العلاقة غير المتوازنة بين الإدارة والسياسة. فكلما ضعفت قدرة المؤسسات المنتخبة على تدبير الشأن العام المحلي، أو ظهورعجز المجالس المنتخبة عن تقديم خدمات عمومية فعالة تستجيب لانتظارات المواطنين، اتسع المجال أمام الإدارة “المعين” للتدخل والتدبير المباشر أو غير المباشر لعدد متزايد من الملفات. وهنا لا يصبح حضور الإدارة بالضرورة دليلًا على رغبتها في الحلول محل السياسة، بقدر ما قد يكون نتيجة لحصول فراغ سياسي وتدبيري تتركه المؤسسات المنتخبة.
الإطار القانوني والانتخابي في أفق 2026:
ومن بين القضايا التي تثير نقاشا عاما وتستحق التوقف عندها طريقة احتساب المقاعد وتوزيعها. فقد أفضت الإصلاحات السابقة إلى اعتماد قاعدة تقوم على احتساب القاسم الانتخابي انطلاقًا من عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، بدل الاقتصار على عدد الأصوات المعبر عنها، وهو تغيير كانت له آثار سياسية واضحة على طبيعة المنافسة وتوزيع المقاعد.
وتحمل هذه القاعدة مفارقة سياسية تستحق النقاش؛ فمن جهة، يمكن النظر إليها باعتبارها آلية تحد من قدرة المقاطعة أو العزوف الواسع على إعادة تشكيل الخريطة الانتخابية بصورة مباشرة؛ ومن جهة أخرى، فإنها تقلل من الأثر المباشر لما يمكن تسميته “العقاب الانتخابي“، لأن انخفاض عدد المشاركين في الاقتراع لا يؤدي بالضرورة إلى تقليص عدد المقاعد الموزعة، ما دام احتساب القاسم يتم على أساس قاعدة أوسع من الأصوات الصحيحة المعبر عنها.
وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا حول طبيعة التمثيلية السياسية: إلى أي حد يمكن أن تعكس الخريطة البرلمانية الإرادة السياسية الفعلية للناخبين إذا كانت نسبة مهمة من المسجلين لا تشارك في الاقتراع؟ فالمشكلة لا تتعلق فقط بمن يفوز بالمقاعد، وإنما أيضًا بدرجة الشرعية التمثيلية التي تمنحها هذه المقاعد في سياق يعرف مستويات متفاوتة من المشاركة.
غير أن تحميل الإدارة وحدها مسؤولية هذه الإشكالية سيكون اختزالًا للمشهد. فالقواعد الانتخابية تضعها السلطة التشريعية، والأحزاب تشارك في صياغة مواقفها بشأنها، والنتائج النهائية تتأثر بسلوك الناخبين، وبجاذبية العرض السياسي، وبقدرة المؤسسات المنتخبة على إقناع المواطنين بجدوى المشاركة.
ففي الديمقراطية، يفترض أن تكون الإدارة أداة لتنفيذ القواعد والقرارات العمومية، بينما تتولى المؤسسات المنتخبة تحديد الاختيارات السياسية والتعبير عن إرادة المواطنين. وكلما اختل هذا التوازن، أصبح من السهل أن تتحول الحدود بين التدبير الإداري والفعل السياسي إلى منطقة رمادية تغذي الشكوك وأزمة الثقة. ومن ثم، فإن إصلاح المشهد الانتخابي لا ينبغي أن يقتصر على تعديل القوانين أو رقمنة الإجراءات، بل يتطلب أيضًا تقوية استقلالية المؤسسات المنتخبة، ورفع جودة الأداء السياسي، وتعزيز الشفافية، وتوسيع الرقابة على العملية الانتخابية، بما يعيد الثقة إلى العلاقة بين الناخب والمؤسسة والحزب والإدارة على حد سواء.
الشباب والسياسة: أزمة قنوات وليست أزمة اهتمام
تكشف بنية الهيئة الناخبة في المغرب عن مفارقة لافتة؛ فالشباب، الذين يشكلون كتلة ديموغرافية وازنة داخل المجتمع، لا ينعكس حضورهم بالقدر نفسه في المشاركة السياسية والمؤسساتية التقليدية. وتشير المعطيات والدراسات المتعلقة باللوائح الانتخابية إلى وجود فجوة واضحة بين الفئات العمرية، إذ ترتفع معدلات التسجيل والمشاركة لدى الفئات الأكبر سنًا، بينما تميل قطاعات واسعة من الشباب إلى عدم التسجيل أو إلى العزوف عن المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية.
غير أن اختزال هذه الظاهرة في “عدم اهتمام الشباب بالسياسة” يبدو تبسيطًا مخلًا. فالشباب لا يعيشون خارج السياسة، وإنما يمارسون علاقتهم بها عبر قنوات وأشكال مختلفة عن تلك التي اعتادت عليها الأحزاب والنخب السياسية. فالمشاركة لم تعد بالضرورة مرتبطة بالانخراط في حزب، أو حضور الاجتماعات، أو متابعة الحملات الانتخابية، بل أصبحت تتخذ أشكالًا جديدة، من النقاش العمومي على شبكات التواصل الاجتماعي إلى الحملات الرقمية والعرائض والاحتجاجات والتعبير المباشر عن المواقف والقضايا التي تهم الحياة اليومية.
وقد كشفت احتجاجات “الجيل زد 212″ خلال 2025 عن جانب مهم من هذا التحول؛ إذ لجأ جزء من الشباب إلى المنصات الرقمية للتعبير عن مطالب مرتبطة بالصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد، بعيدًا عن القنوات الحزبية والمؤسساتية التقليدية. وبغض النظر عن تقييم مضمون هذه الاحتجاجات أو أشكال التعبير التي رافقتها، فإن دلالتها السياسية الأساسية تتمثل في أنها أظهرت قدرة جيل جديد على تنظيم النقاش والتعبئة والضغط خارج الأطر السياسية الكلاسيكية.
ومن هنا تبدو المشكلة أقرب إلى أزمة قنوات للوساطة السياسية منها إلى أزمة اهتمام بالشأن العام. فحين لا يجد الشباب قنوات حزبية قادرة على الإنصات إلى انتظاراتهم، أو حين تبدو الخطابات السياسية منفصلة عن قضاياهم اليومية، يصبح المجال الرقمي والاحتجاج المباشر بديلًا طبيعيًا للتعبير. كما أن ضعف حضور الشباب داخل التنظيمات الحزبية يساهم بدوره في إعادة إنتاج هذه الفجوة؛ إذ تميل الأحزاب، بحكم طبيعة قواعدها الانتخابية والتنظيمية، إلى مخاطبة الفئات الأكثر انتظامًا في المشاركة، بما يعمق دائرة متبادلة من الابتعاد: أحزاب لا تصل بما يكفي إلى الشباب، وشباب لا يجدون في الأحزاب ما يدفعهم إلى المشاركة.
ولا يعني ذلك أن الشباب فقدوا الرغبة في التأثير السياسي. فقد يكون العزوف نفسه موقفًا سياسيًا عندما يتحول إلى رسالة احتجاج على ضعف الثقة في المؤسسات أو على محدودية الخيارات المعروضة أمام الناخبين. كما يظل التصويت، بالنسبة إلى من يشارك، إحدى أدوات التأثير والعقاب السياسي، إذ يستطيع الناخب من خلاله تغيير موازين القوى وإعادة تشكيل الخريطة التمثيلية. غير أن قراءة النتائج الانتخابية تظل مرتبطة بعوامل متعددة، من الحصيلة الحكومية إلى التحالفات السياسية، وطبيعة العرض الانتخابي، والسياق الاجتماعي والاقتصادي العام.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إقناع الشباب بالتصويت، وإنما في إعادة بناء قنوات تجعل مشاركتهم السياسية ذات معنى. فالمطلوب هو أن تنتقل الأحزاب من محاولة استقطاب الشباب في موسم الانتخابات إلى إشراكهم في صياغة السياسات والبرامج والقرارات، وأن تعترف بأن الجيل الجديد لا يرفض السياسة بالضرورة، بل يرفض في كثير من الأحيان الطريقة التي تقدم بها إليه السياسة.
إن معالجة ظاهرة العزوف الشبابي، لذلك، لا تبدأ بالدعوة إلى المشاركة وتنتهي عند صناديق الاقتراع، وإنما تبدأ بإعادة بناء الثقة، وتجديد الوسائط السياسية، وفتح المجال أمام أشكال جديدة من المشاركة والتعبير. فالشباب ليسوا كتلة غير مبالية بالشأن العام؛ إنهم، في جزء كبير منهم، فاعلون سياسيون يبحثون عن قنوات أخرى لم تعد الأحزاب والمؤسسات التقليدية قادرة دائمًا على توفيرها.
نحو سياسة جديدة لاستعادة الثقة ومحاربة الفساد
لا يمكن فهم أزمة المشاركة السياسية في المغرب بمعزل عن المسار المتذبذب للثقة في المؤسسات والفاعلين السياسيين. فالأرقام المسجلة في الانتخابات التشريعية خلال السنوات الماضية تكشف عن تفاوت واضح في مستوى المشاركة؛ إذ بلغت حوالي 45.4% سنة 2011، قبل أن تتراجع إلى نحو 43% سنة 2016، ثم ترتفع إلى 50.35% في انتخابات 2021.
غير أن هذا الارتفاع الأخير لا ينبغي أن يُقرأ، بالضرورة، باعتباره تحولًا مستقرًا في السلوك الانتخابي للمغاربة. فقد جرت انتخابات 2021 في سياق استثنائي اتسم بتداعيات جائحة كورونا، وبإجراء الانتخابات التشريعية والجماعية والجهوية في اليوم نفسه، وهي عوامل ساهمت في خلق ظروف تنظيمية وسياسية مختلفة عن المحطات السابقة.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل في تسجيل ارتفاع ظرفي في نسبة المشاركة، وإنما في تحويل المشاركة الانتخابية إلى سلوك سياسي مستدام، قائم على الاقتناع بجدوى التصويت وقدرة المؤسسات المنتخبة على التأثير في حياة المواطنين. ومع عودة الاستحقاقات إلى سياقات أكثر اعتيادية، ستكشف انتخابات 2026 ما إذا كان ارتفاع 2021 قد شكل بداية لتحول فعلي في علاقة المواطنين بالانتخابات، أم أنه ظل مرتبطًا بظروف استثنائية.
ومن هنا تتحول انتخابات 2026 إلى امتحان سياسي يتجاوز مجرد احتساب نسبة المشاركة
هل تستطيع الأحزاب والمرشحون إقناع المواطنين بأن أصواتهم قادرة على إحداث فرق، أم ستعيد صناديق الاقتراع إنتاج المسافة نفسها بين المواطن والمؤسسة؟
بين قاعدة المسجلين ومؤشرات العزوف: ماذا تقول الأرقام؟
إذا كانت اللوائح الانتخابية قد حصرت عدد المسجلين في حوالي 16.28 مليون ناخب، فإن قراءة الرقم في حد ذاته لا تكفي لقياس الحيوية السياسية للمجتمع. فالمعيار الأهم ليس حجم الكتلة المسجلة فقط، وإنما مدى تحولها إلى مشاركة فعلية وواعية في العملية الانتخابية.
وتزداد أهمية هذا السؤال عند النظر إلى الحضور الديموغرافي للشباب داخل المجتمع المغربي. فهذه الفئة تمثل كتلة مهمة من المواطنين في سن الاقتراع، ومع ذلك يظل حضورها في المشاركة الانتخابية التقليدية دون حجمها الديموغرافي، وهو ما يعكس فجوة بين الوزن الاجتماعي للشباب ووزنه السياسي الفعلي.
ولا ينبغي تفسير هذه الفجوة باعتبارها دليلًا بسيطًا على عدم اهتمام الشباب بالسياسة. فقد يكون جزء منها تعبيرًا عن أزمة ثقة في الأحزاب والمؤسسات، أو عن رفض للعرض السياسي القائم، أو عن انتقال الاهتمام السياسي إلى قنوات أخرى، خصوصًا المنصات الرقمية وأشكال الاحتجاج والتعبير خارج الأطر الحزبية التقليدية.
وتطرح طريقة احتساب القاسم الانتخابي، القائمة على أساس عدد المسجلين بدل الأصوات المعبر عنها، سؤالًا سياسيًا إضافيًا حول أثر العزوف في النتائج الانتخابية. فحين تدخل الأصوات غير المشاركة ضمن قاعدة احتساب توزيع المقاعد، يصبح أثر المقاطعة الانتخابية المباشر أقل وضوحًا في الخريطة البرلمانية، وهو ما يضعف، نسبيًا، ما يمكن تسميته “العقاب الانتخابي“.
لكن المفارقة الأعمق تكمن في مكان آخر: فالعزوف لا يلغي الانتخابات، كما أن انخفاض المشاركة لا يمنع توزيع المقاعد وتشكيل المؤسسات. ولذلك قد يتحول السؤال من: من فاز في الانتخابات؟ إلى سؤال أكثر جوهرية: كم يمثل الفائزون من المواطنين الذين يملكون حق المشاركة، وكم يمثلون من مجموع الكتلة الناخبة؟
وهنا تصبح أرقام يوم الاقتراع أكثر أهمية من مجرد الرقم الإجمالي للمسجلين. فإذا بقيت نسبة كبيرة من المواطنين خارج صناديق الاقتراع، فإن التحدي لن يكون تقنيًا ولا تنظيميًا، بل سياسيًا بالأساس: كيف يمكن إعادة الاعتبار لصوت المواطن وتحويل المشاركة من إجراء انتخابي إلى فعل مواطناتي مؤثر؟
إن استعادة الثقة لا تبدأ يوم الاقتراع ولا تنتهي بإعلان النتائج؛ بل تبدأ قبل ذلك بكثير، من قدرة الأحزاب على تقديم برامج واضحة وقابلة للمساءلة، ومن شفافية تدبير المال العام، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومحاربة تضارب المصالح واستغلال النفوذ، وإقناع المواطن بأن صوته لا يمنحه فقط حق اختيار ممثليه، وإنما يمنحه أيضًا قدرة حقيقية على محاسبتهم.
وبذلك، تصبح انتخابات 2026 أكثر من مجرد موعد دستوري دوري؛ إنها اختبار لقدرة السياسة المغربية على الخروج من دائرة العزوف والشك، والانتقال من إدارة المشاركة إلى إعادة بناء الثقة.
من تجديد النخب إلى تجديد السياسة
لا يكفي، والحالة هذه، أن تكتفي الأحزاب السياسية بتغيير بعض القيادات أو إعادة ترتيب مواقعها الداخلية. فالأزمة أعمق من أزمة أشخاص، لأنها ترتبط بقدرة الأحزاب نفسها على تقديم معنى جديد للعمل السياسي.
فإذا كانت الدولة توفر الإطار القانوني والمؤسساتي للتنافس، وتخصص دعمًا عموميًا للأحزاب وفق القواعد المعمول بها، فإن المسؤولية السياسية تقتضي من هذه الأحزاب أن تقدم في المقابل عرضًا سياسيًا واضحًا وقابلًا للقياس والمساءلة.
المطلوب ليس فقط برامج انتخابية تُصاغ قبيل الاقتراع ثم تختفي بعد إعلان النتائج، وإنما تعاقد سياسي واضح يعرف المواطن من خلاله ما الذي سيفعله الحزب، وفي أي أجل، وبأي موارد، وكيف يمكن محاسبته إذا أخفق في تنفيذ التزاماته.
كما أن إعادة بناء الثقة تقتضي تطوير الديمقراطية الداخلية للأحزاب، وتجديد طرق اختيار المرشحين، وفتح المجال أمام الكفاءات والشباب، والحد من منطق الولاءات الشخصية والانتقائية في صناعة القرار السياسي. فالحزب الذي لا يستطيع إنتاج الديمقراطية داخله سيكون أقل قدرة على إقناع المواطنين بالديمقراطية خارجه.
ولا يمكن الحديث عن استعادة الثقة دون وضع مكافحة الفساد في قلب الإصلاح السياسي. فالمعركة ضد الفساد لا تختزل في تشديد العقوبات أو إصدار قوانين جديدة، بل تتطلب تغييرًا في الثقافة السياسية والإدارية والاجتماعية التي تسمح بتطبيع ممارسات مثل الوساطة و”باك صاحبي” وتضارب المصالح واستغلال النفوذ.
وتبدأ هذه المعركة من بناء مدرسة تربي على المواطنة الحقة، تجعل احترام القانون والمصلحة العامة جزءًا من السلوك اليومي، وليس مجرد شعارات ترفع في المناسبات.
وتحتاج كذلك إلى إدارة عمومية تعتبر الخدمة حقًا للمواطن، لا امتيازًا تمنحه لمن يملك الوساطة أو النفوذ؛ وإلى قضاء مستقل وفعال، وهيئات رقابة لا تكتفي بإصدار التقارير، بل تمتلك القدرة على ضمان ترتيب الآثار القانونية والمؤسساتية اللازمة؛ وإلى إعلام مهني واستقصائي قادر على مساءلة أصحاب القرار وكشف مكامن الخلل دون انتقائية.
كما تحتاج إلى أحزاب سياسية تجعل النزاهة وتضارب المصالح جزءًا من قواعد الممارسة السياسية، وتربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقبل النقد باعتباره آلية لتصحيح المسار لا تهديدًا
إن المعركة الكبرى لا تدار حول عدد المقاعد البرلمانية، بل حول سؤال جوهر: هل تستطيع السياسة أن تستعيد المواطن قبل أن تستعيد الأحزاب أصواته؟ فإذا استمرت القاعات الفارغة وغاب الأثر الحقيقي للمؤسسات المنتخبة، فلن يكون العزوف مفاجئاً. أما إذا تحولت محطة 23 شتنبر 2026 إلى فرصة لمحاسبة الأعيان، وتجديد النخب، وتفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة، فقد تصبح بداية لمسار ديمقراطي يعيد الاعتبار لصوت المواطن وقيمة المؤسسات.




