رأي

ملعب تيزنيت حقًا عموميًا لا ورقة انتخابية.

عبدالعزيز رجاء : فاعل مدني

لم تكن خرجة فوزي لقجع إلى تيزنيت مجرد زيارة رياضية للاحتفاء بصعود أمل تيزنيت إلى القسم الوطني الأول، بل حملت أبعادًا سياسية واضحة، خصوصًا أنها جاءت في منطقة ذات وزن انتخابي ورمزي، وفي سياق تتقاطع فيه الرياضة مع الاستحقاقات المقبلة.
وهنا يبرز السؤال: هل دخل لقجع إلى تيزنيت بصفته مسؤولًا رياضيًا، أم باعتباره فاعلًا حزبيًا يسعى إلى تحويل رصيده الجماهيري إلى نفوذ انتخابي؟
حين تدخل كرة القدم إلى الملعب الانتخابي
إن التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة، مع استمراره في رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم وتوليه مسؤوليات حكومية، يطرح إشكالًا حقيقيًا حول حدود الفصل بين المسؤول الرياضي والفاعل الحزبي، وبين النجاح الرياضي والاستثمار السياسي فيه.
فالانخراط في الحياة الحزبية حق مشروع، لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول الرصيد الجماهيري الذي راكمه المسؤول الرياضي إلى أداة في المنافسة الانتخابية، وعندما يصبح من الصعب على المواطن التمييز بين مواقفه باعتباره مسؤولًا رياضيًا، ومسؤولًا حكوميًا، وقياديًا حزبيًا. وتكمن المفارقة في أن الرياضة، التي يفترض أن تبقى مجالًا جامعًا ومحايدًا، قد تتحول إلى منصة لبناء النفوذ السياسي واستمالة الناخبين.
وهنا لا يتعلق الأمر بشخص لقجع وحده، بل بتحول أوسع في الممارسة السياسية: الاستثمار في شعبية الأشخاص ورصيدهم الرمزي بدل التنافس حول البرامج والسياسات العمومية.
فحين تصبح الانتصارات الرياضية مصدرًا للرأسمال الانتخابي، وتتحول شعبية الملاعب إلى رصيد سياسي، يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام توظيف للرياضة في السياسة، أم أمام سياسة تبحث عن شرعيتها من داخل الملعب؟
تيزنيت… عندما يلتقي الملعب بالانتخابات
تتجلى هذه المفارقة بشكل أوضح في الخرجة السياسية إلى تيزنيت، حيث تزامن الحضور السياسي والتنظيمي للقجع مع صعود فريق أمل تيزنيت إلى القسم الوطني الأول، وهو إنجاز رياضي تاريخي للمدينة والجمهور. ولا أحد يمكنه أن ينكر حق المدينة في ملعب يليق بفريقها وبجمهورها. بل إن توفير بنية رياضية مناسبة أصبح حاجة حقيقية، خصوصًا مع صعود الفريق إلى مستوى يتطلب تجهيزات تستجيب للمعايير المعمول بها. لكن المشكلة ليست في بناء الملعب. بل في السياق الذي يقدم فيه هذا المشروع، والجهة التي تقدمه، والتوقيت الذي يظهر فيه، والرسالة السياسية التي يمكن أن يحملها.
فالملعب الذي يفترض أن يكون مشروعًا عموميًا لفائدة السكان، يصبح شيئًا آخر عندما يتم تقديمه داخل سياق حزبي وانتخابي، وأمام الأعيان والفاعلين المحليين، وبطريقة يمكن أن توحي بأن المشروع ثمرة تدخل شخصي أو حزبي. وهنا يصبح من المشروع طرح سؤال بسيط: هل نحن أمام مشروع عمومي مبرمج لفائدة تيزنيت، أم أمام وعد انتخابي مغلف بالرياضة؟
بين المشروع العمومي والوعد الانتخابي
لا يُقاس الفرق بين المشروع العمومي والوعد الانتخابي بشعاراته، بل بطريقة برمجته وتمويله وتقديمه. فالمشروع العمومي يفترض أن يكون جزءًا من سياسة واضحة، بتمويل معلن، وجدول زمني محدد، ودراسة وتكلفة وجهة مشرفة معروفة، بعيدًا عن الحسابات الحزبية والاستحقاقات الانتخابية.
أما حين يظهر المشروع في سياق حزبي وانتخابي، ويُقدَّم أمام الناخبين والأعيان، دون كشف معطياته الأساسية، فإنه يفقد حياده العمومي ويصبح قابلًا للتوظيف السياسي، خصوصًا عندما يُربط بصورة حزب أو مرشح بعينه.
وهنا يكمن جوهر الإشكال في ملعب تيزنيت: فالمدينة تحتاج فعلًا إلى ملعب، لكن حاجتها لا تبرر تحويل المشروع إلى ورقة انتخابية. فالملعب، إذا كان ممولًا من المال العام، هو حق للمدينة وسكانها، وليس منحة يقدمها مسؤول أو حزب. لذلك، لا يكفي الإعلان عن المشروع؛ بل يجب الكشف عن مصدر تمويله، وكلفته، ودراسته، وآجال إنجازه، والجهة المشرفة عليه. فهذه المعطيات هي التي تميز المشروع العمومي الحقيقي عن الوعد الانتخابي المغلف بالرياضة. ومن هنا يصبح السؤال السياسي أكثر دقة:
هل نحن أمام مشروع عمومي مبرمج لخدمة شباب المدينة، أم أمام وعد انتخابي استُثمر فيه شغف الجماهير بكرة القدم لصناعة النفوذ واستمالة الناخبين؟
ليس من حق أحد تحويل” إنشاء ملعب” إلى ورقة انتخابية
المدينة تستحق ملعبًا يليق بفريقها وجمهورها وشبابها، لكن هذا الحق لا يجوز أن يتحول إلى منّة سياسية أو ورقة انتخابية. فالملعب، إذا كان ممولًا من المال العام، هو مرفق عمومي وحق لجميع سكان المدينة، وليس هدية يقدمها حزب أو مرشح. لذلك، فإن الإعلان عن المشروع لا يكفي؛ المطلوب هو كشف ميزانيته، ومصدر تمويله، ودراسته، وآجال إنجازه والجهة المشرفة عليه. فإذا كان مبرمجًا، فليُعرض باعتباره مشروعًا عموميًا واضحًا؛ وإذا كان جديدًا، فليُعلن مساره المؤسساتي بعيدًا عن التجمعات والحسابات الانتخابية.
أما تقديمه في سياق حزبي، وربطه بالحضور السياسي واستمالة الأعيان والناخبين، فيثير شبهة توظيف المشروع العمومي انتخابيًا. ولا يعني ذلك الجزم بوجود «رشوة انتخابية» بالمعنى القانوني، وإنما يطرح سؤالًا سياسيًا مشروعًا: هل يخدم المشروع حاجة تيزنيت، أم يُستثمر لخدمة صورة من يقدمه؟
صعود الفريق إلى القسم الأول إنجاز صنعه اللاعبون والأطر والمسيرون والجمهور، وليس رصيدًا انتخابيًا لأي حزب أو مسؤول. والملعب الذي تحتاجه المدينة ينبغي أن يكون ثمرة سياسة عمومية واضحة، لا مقابلًا سياسيًا لإنجاز رياضي.
فالرياضة ملك للجمهور، والمال العام ملك للمواطنين، ولا ينبغي تحويل شعبية كرة القدم إلى وسيلة لصناعة الولاءات. حين تصبح الملاعب طريقًا إلى صناديق الاقتراع، لا تعود الرياضة خارج السياسة، بل تصبح جزءًا من آلياتها الانتخابية.
أين تنتهي الرياضة وتبدأ السياسة؟
المشكلة في خرجة لقجع ليست في حديثه عن الرياضة أو دعمه لفريق كرة قدم، بل في تداخل صفاته وأدواره. فهو رئيس الجامعة الملكية المغربية للعبة، ومسؤول حكومي، وفاعل حزبي؛ لذلك يصبح حضوره في مناسبة مرتبطة بمشروع عمومي قابلًا لقراءة سياسية، خصوصًا في سياق انتخابي. والسؤال هنا واضح: بأي صفة تحدث لقجع ؟ كرئيس للجامعة، أم كمسؤول عمومي، أم كقيادي في حزب الأصالة والمعاصرة؟ فإذا اختلطت الأدوار، اختلطت الرسائل، وأصبح من الصعب الفصل بين المبادرة الرياضية والرسالة الانتخابية.
المشكلة ليست في الملعب… بل في توظيفه
لا أحد يعترض على حاجة المدينة إلى ملعب يليق بفريقها وجمهورها. الاعتراض يبدأ عندما يُقدَّم المشروع في سياق سياسي يوحي بأنه ثمرة تدخل شخصي أو حزبي. كما أن الملعب يجب أن يكون مشروعًا عموميًا ، لا رصيدًا انتخابيًا لحزب أو مرشح. خاصة أنه ممولًا من المال العام، فمن حق المواطنين معرفة كلفته، ومصدر تمويله، ودراسة المشروع، وآجال إنجازه والجهة المشرفة عليه. فالمرفق العمومي لا يُقدَّم كهبة سياسية، ولا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لاستمالة الناخبين أو الأعيان. كما أن المشكلة الأعمق هي تحول التنافس السياسي من البرامج إلى الأشخاص، ومن السياسات إلى الوعود. فبدل أن تتنافس الأحزاب حول الحكامة والتنمية والتشغيل والخدمات العمومية، يصبح الرهان على شعبية الشخص وقدرته على جلب مشروع يحظى بجاذبية جماهيرية. وهكذا يتغير السؤال الانتخابي من: ماذا ستفعلون؟ إلى: ماذا ستبنون لنا؟ ومن التنافس حول البرامج إلى التنافس حول من يملك مفاتيح المشاريع. وبذلك تتحول الرياضة من مجال جامع إلى أداة لبناء النفوذ السياسي، ويتحول المشروع العمومي من حق للمواطن إلى ورقة في سوق الانتخابات. فالعدالة المجالية لا تعني أن تحصل المدن على المشاريع عندما تقترب الانتخابات، وإنما أن تحصل عليها لأنها تستحقها.
نحو فك الارتباط بين الرياضة والانتخابات
إن الحفاظ على ثقة المواطن في النزاهة الديمقراطية واستقلالية المؤسسات الرياضية يقتضي تحصين البنيات التحتية العمومية من التوظيف الحزبي الضيق. وهذا يتطلب أن تكون مشاريع البنية الرياضية معلنة ومؤطرة قبل الاستحقاقات الانتخابية، وأن تنشر وثائقها ودراساتها وتكاليفها وآجالها، حتى لا تتحول إلى وعود ظرفية مرتبطة بالحملات الانتخابية. فالملعب الذي يحتاجه سكان تيزنيت يجب أن يكون مشروعًا لهم، لا ورقة انتخابية باسم المدينة. والمال العام الذي سيمول المشروع ليس مال لقجع ولا مال الحزب ولا مال المرشح؛ إنه مال المغاربة. ومن ثم فإن استعماله سياسيًا، أو تقديمه بطريقة توحي بأنه ثمرة فضل شخصي أو حزبي، يضرب في الصميم مبدأ الحياد والشفافية.
الخلاصة: حين تتحول كرة القدم إلى ملعب سياسي
كان بإمكان خرجة فوزي لقجع الأخيرة أن تبقى في حدودها الرياضية: الاحتفاء بصعود فريق أمل تيزنيت وطرح حاجيات المدينة من البنيات الرياضية عبر القنوات المؤسساتية. لكن اقترانها بالحضور الحزبي، واستدعاء الأعيان، وتقديم وعد بمشروع عمومي في سياق انتخابي، يجعلها أبعد من مجرد مبادرة رياضية. فالمشكلة ليست في بناء الملعب، ولا في دعم الفريق، ولا في ممارسة لقجع لحقه السياسي؛ بل في توظيف الرصيد الرياضي والمشروع العمومي لبناء النفوذ الانتخابي. فالملعب، إذا كان من المال العام، حق لتيزنيت وسكانها، وليس هدية من حزب أو مرشح.
الديمقراطية لا تُبنى بالملاعب التي تُعرض في مواسم الانتخابات، وإنما بالبرامج التي يلتزم بها المنتخبون ويُحاسبون عليها. وعندما يتحول المشروع العمومي إلى وعد انتخابي، يصبح المواطن أمام معادلة خطيرة: صوت مقابل مشروع، وولاء مقابل مرفق عمومي.
تيزنيت تحتاج إلى ملعب، نعم؛ لكنها تحتاج قبل ذلك إلى أن يبقى الملعب حقًا عموميًا لا ورقة انتخابية.
ويبقى السؤال الذي تختصر فيه هذه الخرجة كل الجدل:
هل جاء لقجع إلى تيزنيت ليحتفي بكرة القدم، أم جاءت كرة القدم إلى تيزنيت لتخدم السياسة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى