
مهما تعددت الروايات ، ومهما اختلفت الآراء وتضاربت ، فالواقع لا يرتفع ، وسؤاله يبقى صارخا : كيف أصبح كل هؤلاء الشبان والشابات ، مهيئين ، وبكل هذا الحماس والإندفاع ، إلى مغادرة بلادهم ؟ ، كيف تحولوا وفي غفلة من الجميع ، وضدا على كل المؤسسات المعنية بهم ، (الأسرة ، المدرسة ، المجتمع ، الهيئات الموازية …) ، إلى كائنات انتحارية ، مستعدة للتضحية بأعز ما يحرص عليه الإنسان ، حياته ، من أجل ما اعتبروه حياة أفضل . يبدو أن الإجابة الرصينة عن هذا السؤال الصادم ، تقتضي التأكيد على مجموعة من العناصر ، هذه بعضها :
أولا : لا بد من التحلي بالكثير من الهدوء المسؤول ، لمواجهة هذه المعضلة ، بعيدا عن كل تهويل ، أو تهوين ، ولا بد من استحضار كل العناصر ذات الصلة بهذا (الهروب) ، وفق مقاربة شاملة ، يكون مؤداها بالنهاية ، الإستجابة لاحتياجات هؤلاء الشبان من جهة ، وضمان عدم تكرار ما حدث من جهة أخرى ، ما يعني أن كل مقاربة تجزيئية ، أمنية أو إحسانية أو إدارية أو خطابية ، لا يمكن أن تفيد .
ثانيا : علينا أن نكون صرحاء ، فما حدث ليس هجرة ، بل هروبا جماعيا ، لأعداد غفيرة من الشبان والأطفال ، والغاية هي البحث عن أفق أفضل ، وعند أغلبهم ، البحث عن فرصة للعيش ، حتى لا أقول محاولة للعيش ؛ ولنا أن نفكر ، أن المجلس الإقتصادي والإجتماعي والبيئي ، يخبرنا في أكثر من مناسبة ، أن أكثر من أربعة ملايين شاب وشابة ، لا يزاولون أي نشاط ؛ لا يدرسون ؛ ولا يعملون ؛ ولا يبحثون عن عمل ، ما يعني أنهم يوجدون بالضرورة في أماكن أخرى ، حيث التسكع والمخدرات والجريمة وما إليها ؛ ولنا أن نفكر بعدها في نسبة البطالة ، التي تتجاوز الثلاثة عشر في المائة ، حسب الإحصائيات الرسمية ، لنتساءل في النهاية ، ماذا كنا ننتظرإذن ؟ ، وماذا سننتظر في حالة عدم الجدية في مواجهة قضايا هؤلاء الشباب .
ثالثا : مثير للإنتباه ، وجود مجموعة كبيرة من الأطفال والقاصرين ، ضمن الجموع المتجهة نحو سبتة ، ما يعني ضرورة إعادة التفكير مرة أخرى ، في الأدوار المنوطة بالمؤسسات المعنية باحتضان هؤلاء الأطفال ومسؤولية توجيههم ، أين أسرهم ؟ ، أو بالأحرى ، ما طبيعة العلاقة التي تربط هؤلاء الأطفال بأسرهم ؟ ، وما علاقتهم بالمدرسة ، وبماذا أفادتهم وتفيدهم ؟ ، وأين دور المؤسسات المعنية بـتأطيرهم وتربيتهم ؟ ، التأطير الفكري والتربوي ، ما يمكنهم من امتلاك حد معين من التمييز ؛ وعدم الإندحار إلى المجهول ؛ مرة أخرى ، نؤدي ضريبة فشل مشروعنا التربوي .
رابعا : إن تزامن حادث سبتة ، مع الشروع في الإعداد للإنتخابات ، يقتضي بالضرورة ، أن تتحول أيام الحملات الإنتخابية ، إلى مصارحة وطنية مسؤولة ، وإلى مطارحة حقيقية للإنتظارات ، وإلى جرد دقيق للإحتياجات الآنية للمواطنات والمواطنين ، يعقبه التزام مسؤول ومشهود ، أمام الناخبين والناخبات ، بالتعجيل بمعالجة إشكالات الشباب ، وفي مقدمتها معضلة البطالة ؛ فلا مجال بعد الذي حدث لأي تلاعب أو تردد ، أو جري وراء مطامح شخصية ، فالظرف لم يعد يسمح بالمزيد من تضييع الأوقات ، في الكذب ونسج الخطب الركيكة ، وركوب المزايدات الفارغة .
خامسا : حين نشتغل بإرادة التغيير ، وننخرط بوطنية في معالجة قضايانا الرئيسة ، لن يهمنا كثيرا ما يقوله الآخرون ؛ فالآخرون في نهاية المطاف لا تهمهم إلا مصالحهم ، ومنهم من يتغذى على معاداتنا ومعاكسة مصالحنا ، بكل أسف . إنها معضلاتنا ، ونحن من يتعين عليه مواجهتها ، هذا ما يجب .




