
في كل محطة انتخابية بالمغرب، يعود سؤال جدوى المشاركة إلى الواجهة، ويطرح السؤال: هل يكون الإصلاح بالمشاركة أم بالمقاطعة؟ وهل يؤدي العمل من داخل المؤسسات إلى توسيع هامش الإصلاح أم إلى إعادة إنتاج الواقع القائم؟
هذا النقاش يكتسي في المغرب طابعا سياسيا وانتخابيا آنيا، لكنه في جوهره هو سؤال قديم في الفكر السياسي، شغل المفكرين والمنظرين وحركات الإصلاح عبر العالم. فليست القضية مرتبطة بانتخابات أو مرحلة معينة، وإنما تتعلق بفهم طبيعة السياسة نفسها: هل يجب انتظار شروط الإصلاح حتى تنضج، أم أن الإصلاح هو الذي يصنع شروطه بالتدرج والتراكم؟
لقد أثبتت التجارب الإنسانية عبر التاريخ أن الديمقراطية لا تنزل مكتملة من السماء، ولا تقدمها الأنظمة الحاكمة كهدية إلى شعوبها، وإنما كانت دائما ثمرة صراع طويل، وتراكم إصلاحات جزئية، وتوازنات متغيرة، ومشاركة مستمرة داخل المؤسسات وخارجها. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل المشاركة تحقق الإصلاح الكامل؟ وإنما: أي الخيارين أقرب إلى توسيع هامش الإصلاح وتقليص مساحة الفساد ؟
- الإصلاح لا ينتظر شروطه، بل يصنعها.
يقوم جزء كبير من خطاب المقاطعة على فرضية مفادها أن المؤسسات القائمة لا تسمح بإصلاح حقيقي، وأن المشاركة فيها لا تؤدي إلا إلى منحها الشرعية، ومن ثم ينبغي انتظار لحظة تاريخية تتغير فيها موازين القوى لتصبح المشاركة ذات جدوى.
لكن هذا التصور يصطدم بحقيقة أساسية في علم السياسة، وهي أن موازين القوى لا تتغير خارج الفعل السياسي، وإنما تتشكل من خلاله.
لقد دافع الفيلسوف كارل بوبر عن ما سماه ” الإصلاح الاجتماعي الجزئي”، معتبرا أن المجتمعات لا تتحسن عبر القطيعة الشاملة أو انتظار اللحظة المثالية، وإنما عبر إصلاحات متراكمة، يختبر المجتمع نتائجها ويصحح أخطاءها باستمرار. أما البحث عن الإصلاح الكامل دفعة واحدة فقد كان، في نظره، أحد أسباب فشل كثير من المشاريع السياسية الكبرى.
كما يرى أنطونيو غرامشي أن التغيير في المجتمعات الحديثة لا يتحقق فقط بالمواجهة المباشرة، وإنما بما سماه “حرب المواقع”، أي التدرج في بناء النفوذ داخل مؤسسات الدولة، ومؤسسات الوساطة، والإعلام، وأدوات التأثير والضغط، حتى يصبح ميزان القوى أكثر ملاءمة للإصلاح.
أما جون ديوي فكان يعتبر أن الديمقراطية ليست مجرد نظام حكم، وإنما هي ممارسة اجتماعية يتعلمها الناس بالمشاركة، ولذلك لا يمكن انتظار مجتمع ديمقراطي قبل ممارسة الديمقراطية نفسها.
وقد لخص المفكر المغربي محمد عابد الجابري هذا المعنى في عبارة أصبحت من أشهر ما كتب في الفكر الديمقراطي العربي، حين قال: “نضج الشعب للديمقراطية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال ممارسة الديمقراطية، تماماً مثلما أن الطفل لا يتعلم المشي إلا من خلال ممارسة المشي نفسه.” وهذه العبارة لا تمثل مجرد تشبيه بل تؤسس لفلسفة سياسية كاملة، قوامها أن الديمقراطية ليست ثمرة مجتمع ناضج سلفا، وإنما هي المدرسة التي ينضج فيها المجتمع سياسيا. فلا يمكن أن نطالب بمجتمع ديمقراطي قبل أن نتيح له ممارسة الديمقراطية، والسباح الماهر لا يصنعه إلا ركوب الأمواج.
هذا التصور نجده حاضرا أيضا عند كبار منظري الفكر الديمقراطي الحديث، فقد رأى ألكسيس دو توكفيل أن الديمقراطية ليست مجرد نصوص دستورية، بل هي ثقافة وعادات سياسية ومؤسسات تتكون تدريجيا عبر الممارسة. أما ماكس فيبر فاعتبر أن السياسة ليست طريقا لتحقيق الانتصارات السريعة، وإنما هي حسب وصفه، “حفر بطيء في ألواح صلبة”، أي عملية تتطلب الصبر والمثابرة والنفس الطويل والتراكم. أما روبرت دال، فقد أكد أن الديمقراطية لا تبنى دفعة واحدة، بل تتطور عبر توسيع المشاركة السياسية، وتعزيز التعددية، وترسيخ دولة المؤسسات.
- التاريخ يعلمنا أن الديمقراطية تبنى بالتراكم، ولا تولد دفعة واحدة.
تكاد التجارب الديمقراطية الكبرى تتفق على حقيقة واحدة وهي أنها لم تبدأ أي منها في ظروف مثالية.
في إسبانيا، لم تنتظر المعارضة اكتمال الديمقراطية بعد نهاية حكم فرانكو، بل دخلت في العمل من داخل المؤسسات، بالمشاركة الانتخابية والتفاوض وإصلاحات بالتدرج انتهت إلى بناء نظام ديمقراطي.
في تشيلي، لم تنتظر المعارضة اكتمال شروط الديمقراطية، بل استثمرت الهوامش التي أتاحها دستور وضعه النظام القائم، وشاركت في استفتاء نجحت في تحويله من أداة لتجديد شرعية السلطة إلى مدخل للانتقال الديمقراطي وانهاء الحكم العسكري.
كما أن تجارب البرازيل وكوريا الجنوبية وتايوان والمكسيك ودول عديدة، تؤكد أن الديمقراطية لم تبن بقرار مفاجئ، وإنما عبر تراكم طويل من الإصلاحات، ونضال وعمل من داخل المؤسسات.
لم يكن أي من هذه المسارات مثاليا، لكنها جميعا تؤكد أن السياسة هي التي تصنع شروط الإصلاح، لا العكس.
وهذا ما يؤكده عدد من أبرز منظري الانتقال الديمقراطي كون التغيير غالبا ما يكون عملية تراكمية:
صمويل هنتنغتون في كتاب الموجة الثالثة يرى أن معظم الانتقالات الديمقراطية تمت عبر التفاوض والإصلاح التدريجي أكثر من كونها نتيجة ثورات شاملة.
غييرمو أودونيل وفيليب شميتر يؤكدان في دراساتهما حول الانتقال الديمقراطي أن المفاوضات بين النخب والعمل التراكمي والإصلاحات بالتدرج كانت سمة متكررة في أغلب التجارب.
بل حتى الثورة الفرنسية، التي تعد رمزا عالميا للتحرر السياسي، لم تنتج ديمقراطية مستقرة بين عشية وضحاها. فقد أعقبتها سنوات من الاضطراب السياسي والعنف وعهد الإرهاب، ثم انتهت المرحلة الثورية إلى صعود نابليون بونابرت وإقامة نظام إمبراطوري سلطوي. ولم تستقر الديمقراطية في فرنسا إلا بعد عقود طويلة من المد والجزر، وسلسلة من التراكمات والإصلاحات الدستورية والسياسية المتدرجة. وهذا يذكرنا بأن بناء الديمقراطية ليس حدثا ثوريا عابرا، بل هو مسار تراكمي، تبنى فيه المؤسسات، وتتشكل الثقافة الديمقراطية من خلال الممارسة، وتتوازن فيه القوى السياسية عبر الزمن.
- المشاركة ليست تزكية للواقع.
من أكثر المغالطات انتشارا، اعتبار أن المشاركة تعني الرضا عن الوضع القائم. والحال أن المشاركة قد تكون، في كثير من الأحيان، شكلا من أشكال مقاومة الواقع لا التسليم به. فالمؤسسات بكل أشكالها، ليست فضاءات مثالية، لكنها ساحات للتدافع. ومن ينسحب منها لا يلغي وجودها، وإنما يتركها لمن يختلف معهم في الرؤية والمشاريع والأهداف.
وهنا يحضر تحليل الاقتصادي والمفكر ألبرت هيرشمان في كتابه “الخروج والصوت والولاء”، حيث يميز بين الانسحاب من المؤسسات ومحاولة إصلاحها من الداخل. ويرى أن الانسحاب قد يكون مفهوما في بعض الحالات، لكنه يحرم المجتمع من أحد أهم أدوات الضغط والتغيير.
فالسياسة لا تعرف الفراغ، وكل موقع ينسحب منه الإصلاحيون يشغله غيرهم من قوى مناهضة الاصلاح.
- التجربة المغربية: بين توسيع الهوامش وتركها لقوى النفوذ.
يتميز المغرب بخصوصية تجعل النقاش أكثر تعقيدا. فهو ليس نظاما مغلقا يمنع كل أشكال المشاركة، كما أنه ليس ديمقراطية مكتملة. بل هو نظام يعرف هوامش متفاوتة للفعل السياسي، تتوسع أحيانا وتضيق أحيانا أخرى.
وفي مثل هذه السياقات، يصبح السؤال العملي هو: كيف يمكن توسيع هذه الهوامش؟
يصعب تصور أن يكون الجواب والحل هو مقاطعة المؤسسات والانسحاب منها، لأن المؤسسات لن تتوقف عن العمل بغياب بعض الفاعلين، وإنما ستستمر بمن حضر.وبالتالي، فإن المقاطعة قد تتحول، من حيث لا يقصد أصحابها، إلى عامل يؤدي أدوارا عكسية بتسهيل مأمورية لوبيات الفساد وشبكات النفوذ، ومنحها قدرة أكبر على السيطرة على المؤسسات والتغول داخلها وتعزيز قوتها وتكريس نفوذها.
وهو ما أكده تاريخ المغرب بعد الاستقلال وصعود ما سماه الجابري بالقوة الثالثة التي استغلت الصراع والفراغ لتقوية نفوذها عبر الزمن، وأصبحت اليوم تشكل العائق الأول أمام الإصلاح والانتقال الديمقراطي، والدرس الذي يمكن استخلاصه من هذا، هو أن الفراغ السياسي لا يدوم. فحين تضعف القوى الإصلاحية أو تنسحب من مواقع التدافع، تتقدم قوى أخرى لملء المجال. لذلك فإن المقاطعة لا تعني تجميد الحياة السياسية، بل قد تعني في بعض السياقات، إعادة تشكيل موازين القوى لصالح الفاعلين الأكثر قدرة على استثمار غياب القوى الإصلاحية وملء الفراغ.
أما المشاركة، فلا تعني بالضرورة تحقيق كل الأهداف، ولا تعني الرضا عن الواقع أو التسليم باختلالاته، لكنها تتيح فرصة لخلق بعض التوازن ومحاربة الفساد والتضييق على مداخله، وكشف الاختلالات، والدفاع عن التشريعات الإصلاحية، وانتزاع ما يمكن انتزاعه من مكاسب، وتكوين الكفاءات وتأطير المجتمع وبناء الوعي الجمعي، وتراكم الخبرة السياسية والتنظيمية. بما يجعل المشروع الإصلاحي أكثر قدرة على توسيع هوامش تأثيره، وقوته في التدافع والضغط والاحراج مع مرور الزمن.
فالسياسة ليست فقط تحقيق النتائج، وإنما أيضا بناء القدرة على تحقيقها مستقبلا.
- الإصلاح وفق منطق المقاصد.
من منظور المقاصد الشرعية، لا يقوم العمل السياسي على تحصيل الكمال، وإنما على تحقيق الممكن من المصالح وتقليل المفاسد.
وقد قرر علماء المقاصد أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأنه إذا تعذر إدراك المصلحة كاملة لم يكن ذلك مبررا لترك ما يمكن تحصيله منها، وما لا يدرك كله لا يترك جله.
ولهذا فإن المشاركة التي تمنع فسادا، أو تحد من تغول اللوبيات وأصحاب المصالح، وتنهي بعض الممارسات والسلوكيات الفاسدة، أو تنتزع بعض الحقوق والمنافع والمكاسب، وتساهم في خدمة المواطنين وحماية مصالحهم، أو تفتح مجالا للإصلاح وتحسين الخدمات، فهي تحقق مصلحة معتبرة، حتى وإن لم تبلغ الغاية المنشودة.
أما الانسحاب وتعليق العمل السياسي في انتظار ظروف مثالية، فقد ينتهي إلى نتائج معاكسة، إذ يقدم خدمة لقوى الفساد بمنحها زمنا أطول ومساحات أوسع لترسيخ نفوذها وبسط سيطرتها داخل المؤسسات وتحصين قوتها، وخير مثال ما نعيشه اليوم في عهد حكومة الفراقشية من تغول وفرعنة وسطو على مؤسسات الدولة وتعطيل لأدوارها، وتطاول على القوانين، وتشريع على المقاس، وتحويل للمؤسسات إلى أدوات في خدمة اللوبيات وشبكات المصالح على حساب معاناة المواطنين.
أخيرا، الخلاف الحقيقي بين المشاركة والمقاطعة ليس خلافا بين من يريد الإصلاح ومن لا يريده، وإنما هو خلاف حول الطريق إليه.
غير أن قراءة التاريخ، والفكر السياسي، وتجارب الدول، تكشف أن بناء الديمقراطية لا يتأتى بالانتظار، وأن الإصلاح لم يبدأ يوما بعد اكتمال شروطه، بل كان هو الأداة التي صنعت تلك الشروط والظروف الملائمة لتحقيقه.
فالسياسة ليست بحثا عن واقع مثالي، وإنما هي فن تحسين الواقع الممكن. والمشاركة ليست ضمانا للنجاح، لكنها تبقى في كثير من السياقات والتجارب، الوسيلة الأنجع والأقدر على صناعة التراكم، وبناء الخبرة، وتوسيع الهوامش، وممانعة الفساد من داخل المؤسسات وخارجها.
ولعل التحدي الحقيقي أمام كل مشروع إصلاحي ليس أن ينتظر لحظة مثالية قد لا تأتي، وإنما أن يحسن العمل داخل الواقع كما هو، ويجتهد ويناضل، ليقربه خطوة بعد أخرى، من الواقع الذي يريد.




