إنها” الريسونيفوبيا” وقد استحكمت بالصادق العثماني!
الدكتور مصطفى قرطاح، باحث في أصول الفقه ومقاصد الشريعة الإسلامية.

− لو علم الشيخ أحمد الريسوني أني سأكتب هذا المقال لناشدني الامتناع عنه، فالرجل يقدر الأوقات ويقدر الطاقات، ويريدها أن تُصرفَ فيما يعود بالنفع، ويُحَكِّمُ في شؤون حياته العلمية القاعدة المقاصدية: الاشتغال بغير المقصود خروج عن المقصود، وهو يرى أن الانشغال بالردود خروج عن المقصود.
− كنتُ على ظن غالب يكاد يبلغ اليقين أن الشيخ الصادق العثماني أمين عام رابطة علماء
المسلمين بأمريكا اللاتينية سيتناول مقال الريسوني بالنقد، بغض النظر عن المستوى العلمي لهذا النقد. وأساس هذا الظن عندي هو أن العادة محكمة، وقد صار من عادة العثماني أن يردف كل مقال للريسوني بمقال نقدي يحاول فيه نقض مقال الريسوني من أساساته.
− لا نجادل في أن الريسوني ليس منزها عن النقد، ولا نجادل في حق الصادق العثماني في نقد الريسوني
أو غيره وقتما شاء، وفي أي موضوع كان، لكن من حقنا أن نتساءل: هل هو نقد علمي خالص، أم هو حالة نفسية تتمحور حول الريسوني ومقالاته، يمكن أن نطلق عليها ” الريسونيفوبيا”؟، وأعني بها: حساسية مفرطة تجاه كل مقال يصدر عن الريسوني وتحويله إلى مناسبة جديدة للهجوم عليه.
وليست “الريسونيفوبيا” عند الشيخ العثماني عديمة الصلة ب”الوزارتوفوبيا” أو “الدولتوفوبيا أو “السياستوفوبيا”، بل هي مكونات ومركبات لتلك الحالة النفسية، إذ إن أغلب انتقادات العثماني إنما تتوجه إلى مقالات الريسوني التي تتناول إجراء سياسيا من إجراءات الوزارة أو الدولة، وكأني بالعثماني يصرخ في وجه الريسوني محاكيا تلك الشعارات الشعبوية: ماتقيسش بلادي!
ولا أتحدث عن هذه الحالة من فراغ، بل أستند إلى أساليب الحشو والتلبيس والتدليس التي اعتمدها الصادق العثماني في تأليف مقاله، وأعني بالذات تلك الفقرة من المقال التي قال فيها: “ومن المفارقات أن الريسوني، الذي كان على رأس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وهو تنظيم ذو خلفية إخوانية معروفة، ثم غادر رئاسته في سياق أزمة سياسية وفكرية، يواصل منذ ذلك الحين إنتاج خطاب شديد التركيز على نقد المؤسسات الدينية الرسمية، وفي مقدمتها وزارة الأوقاف المغربية”.
ولنا أن نسأل الصادق العثماني عن مقدار الصدق والأخلاق في هذه الفقرة، كما نسأله عن مقدار العلمية فيها كذلك. فإذا كان من القواعد المنهجية لفهم أي إنتاج فكري استحضار الخلفية الثقافية لصاحبه، فإن إعمال هذه القاعدة يلزم السيد العثماني أن يبين للقارئ بما يكفي من الإيضاح: لماذا غادر الريسوني الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين؟
كل المتابعين لهذه القضية يعلمون أن سبب المغادرة هو موقف الريسوني من مغربية الصحراء ومن إمارة المؤمنين، إذ صرح في مقابلة صحفية مع الموقع الالكتروني “إطلالة بريس” بأن “الصحراء الشرقية ـ فضلا عن الغربية ـ أراض مغربية، ولو أذن لنا أمير المؤمنين بالقيام بمسيرة لتحريرها لفعلنا”،
أجل، هكذا قال الريسوني: “أمير المؤمنين”، ولم يقل ملك البلاد فقط، ومعناه أن الريسوني وهو على رأس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لم ينزع عن جلالة الملك صفته الدينية، فضلا عن أن ينازعه فيها, بل استحضرها في قضية الصحراء للتأكيد على البعد الديني والشرعي بما له من ثقل ووزن في تحريرها.
كلنا لا زال يتذكر الردود المتشنجة للإعلام الجزائري على هذا التصريح، كما نتذكر موقف علماء الجزائر منه، وتسجيل المقابلة الصحفية لا زال محفوظا شاهدا على كل هذا لمن يريد أن يرجع إليه.
رفض الدكتور الريسوني كل الدعوات التي وجهت إليه للاعتذار عن تصريحاته، وآثر التشبث بموقفه على رئاسة الاتحاد والعضوية فيه، وكل متابع منصف سيخلص إلى أن الخلفية الوطنية للريسوني هي المؤطر لهذا الموقف التاريخي، ولكن الصادق العثماني تنكر لهما معا، ولم يستحضر إلا الخلفية الإخوانية للاتحاد، وأتى بعبارة مفعمة بالتلبيس والتدليس: “غادره في سياق أزمة سياسية وفكرية”، وهذا أمر مفهوم، لأن موقف الريسوني هذا يأتي على مقال العثماني بالإبطال وينسف أساساته الواهية، ويفند مزاعمه من أن الريسوني يهاجم مؤسسات الدولة بمرجعية إخوانية وخلفية حزبية.
نأتي الآن إلى قضية الكسوف الأصغر” كسوف الشمس” والكسوفات الكبرى، ونقول: إن من يقرأ المقال ويعرف المكانة العلمية لصاحبه الريسوني يدرك بداهة أنه لم يكن لينشغل بمناقشة قضية فقهية سبق تقريرها في المصادر الفقهية القديمة منذ العصر الأول، وإنما الذي انشغل به الريسوني هو واقع المجتمع بكل أبعاده الدينية والثقافية والتربوية والإعلامية والسياسية والاقتصادية، والتهمم بإصلاحه، مع مراعاة فقه الموازنات وفقه الأولويات في ذلك.
فقد تقرر في شريعة الإسلام أن شعب الإسلام ليست على وزان واحد؛ فهناك أركان الدين وفرائضه وسننه ومستحباته، كما أن هناك في جانب المنهيات الفواحش والكبائر والصغائر واللمم، ومن رشد التدين وتسديد الخطاب الديني أن يقوما على مراعاة هذا التوازن، فيحفظ للأعمال وزنها وأولويتها. وقد استمد هذا المنهج من قول الله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة: 19]، ومن سؤال الصحابة رضي الله عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال وأحبها إلى الله تعالى، والسؤال عن الكبائر وأكبرها كذلك.
إن أي متابع للخطاب الديني الرسمي في علاقته بالواقع العقدي والفكري والأخلاقي والتربوي في المجتمع المغربي يرى اختلالا واضحا في هذا الشأن، ولنا أن نسأل السيد العثماني: هل سبق لك أن اطلعت على خطاب ديني رسمي ينكر الدعوة إلى العلاقات الرضائية ويندد بالداعين إليها، ومنهم وزير في الحكومة التي ينتمي إليها السيد وزير الأوقاف؟
من السهل على السيد العثماني أن ينكر ما ادعاه الريسوني من أن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية «تمنع الخطباء والعلماء المعتمدين من التطرق إلى القضايا والتحديات والتجاوزات والمخاطر الجسيمة»، ومن السهل عليه القول بأن هذه الدعوى تحتاج إلى أدلة وتوثيق، كما أنه من استسهال العقول أيضا أن يشهد لوزارة الأوقاف بأنها تمنع تسيس المنابر، ولكن سيجد من الصعوبة البالغة أن يجد للمؤسسات الدينية الرسمية مبررا لصمتها عن بيان الموقف الفقهي الشرعي من سوق الأضاحي المقلدة إلى الأضرحة في المواسم، ومن الترخيص للخمور، ومن تنظيم مهرجان موازين بكل فواحشه ومنكراته، وإذاعة فقراته على قنوات القطب الإعلامي العمومي، كما لن يجد مبررا لصمتها عن حكم السياحة الجنسية، ورسو باخرة الشواذ بمدينة طنجة وتجول ركابها في أحياء المدينة وأسواقها، في الوقت الذي كانت الوزارة الوصية منشغلة بصلاة الكسوف وشروطها، وهذا مجرد غيض من فيض.
وأما محاولة التنكر للدلالة المنهجية لواقعة السؤال عن دم البراغيث فهو مجرد هروب من جوهر القضية ليس إلا، فالواقعة تعكس اختلالا منهجيا في التدين تصدى له الصحابة ومنهم عبد الله بن عمر رضي الله عنه، كما تصدى له الفقهاء ومنهم الإمام مالك الذي ندعي اتباعه والتأسي به.
وليست هذه الواقعة بجوابها إلا واحدة من نظراء لها تعكس منهجا إصلاحيا مستمدا من أصول الإسلام وروحه، كما أنه مستند إلى الفطرة الإنسانية. فقد قال الله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 31]، وقال أيضا: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} [النجم: 32]، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن، إذا اجتنب الكبائر».
وخلاصة القول فإن “الريسونيفوبيا” قد استحكمت بالشيخ العثماني، فأنسته منهج الإسلام في الإصلاح، كما أغشت بصره عن النظر إلى الإنتاج العلمي للدكتور الريسوني؛ بدء من نظرية المقاصد ونظرية التقريب والتغليب وقواعد المقاصد، إلى الإشراف على موسوعة القواعد الفقهية والأصولية والمقاصدية من أربعين مجلدا، فضلا عن مؤلفات أخرى ومشاركات علمية وفكرية عديدة…
أعرض العثماني عن كل هذا ثم راح يشرح للريسوني مقتضيات التمذهب بالمذهب المالكي كأنه تلميذ بين يديه، ويطالبه بمشروع فكري مقاصدي إصلاحي عوض توجيه النقد إلى المؤسسات الدينية الرسمية، وهنا يمنع الحياء من الاستمرار في التعليق، ولا يجد المرء مناصا من التوقف، والحمد لله رب العالمين.




