رأي

خطاب «شوكي» والهروب السوسيولوجي: حين تُستبدل المسؤولية السياسية بالتفسير الأكاديمي

بقلم: عبدالعزيز رجاء – فاعل مدني

بلاغة التبرير وتهريب المسؤولية
يبدو أن الخطاب السياسي الحديث بالمغرب قد أتقن لغة »الدروشة الاجتماعية « والادعاء القسري بالانتماء للمدرسة العمومية، مستعيراً أقنعة أكاديمية وصائغاً معجماً سوسيولوجياً استعراضياً غايته امتصاص الصدمات الشعبية لا تفكيكها.
خلال لقاء صحفي بدأه رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار محمد شوكي مُستغرقا في تشخيص الهجرة، والحديث عن «التجمهر»، والتنظير الجاهز لـ «تحولات قيمة العمل»، في محاولة جليّة لاستعراض نوع من الثقافة الجاهزة وممارسة نوع من الأستاذية، وإيهام الرأي العام بالإحاطة الشاملة بقضايا المجتمع وبإتقان الحديث في كل شيء.
غير أن هذا التهريب المفاهيمي يتلاشى فور الاصطدام بالحقيقة الصلبة وسؤال المسؤولية التنفيذية: كيف يتحول الفشل التنموي والتعليمي والصحي الممتد إلى مجرد «ظاهرة محايدة» بلا مسبب سياسي؟ وكيف تبددت مليارات الدراهم التي تم ضخها في جيوب “الفراقشية” في محاولة فاشلة لتسكين التضخم ودعم القدرة الشرائية المترهلة للمواطن البسيط، وكيف تُهدر مليارات أخرى في تكوين كفاءات عالية تلتقفها فرنسا وأوروبا بالمجان بدلاً من بناء بنيات إنتاجية حقيقية تواكب حاجيات السوق المغربي؟
أولاً: تدرج خاطف من عالم المال والأعمال إلى رئاسة حزب.
عند قراءة مسار محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، تتجلى بوضوح ملامح التحول الهيكلي الذي شهدته القيادات الحزبية في المشهد السياسي المغربي المعاصر. فالرجل القادم من خلفية الإدارة والمالية، بتكوين أكاديمي توزّع بين جامعة الأخوين وجامعات بريطانية وأمريكية وفرنسا، والمسير لشبكات استثمارية وإدارة المحافظ المالية كـ «إيه دي كابيتال» ومناصب في شركات كبرى، لم يخرج من رحم الأدبيات النضالية التقليدية للتنظيم.
بدأت خطوات شوكي السياسية الأولى كعضو مؤسس في شبيبة «حزب الأصالة والمعاصرة» ، وصولاً إلى انتخابه بالمجلس الجهوي بفاس-مكناس (2015–2021). غير أن مساره داخل «البام» شهد توترات تنظيمية وصراعات خفية مع بعض القيادات، تزامن مع صعود أسماء أخرى لقيادة الشبيبة، التي كان طموحه رئاستها.
لكن التحاقه بحزب «الحمامة» سنة 2018 شكل نقطة تحول حاسمة؛ حيث استغل قربه من الرئيس الفعلي للحزب (رغم استقالته الوهمية) عزيز أخنوش ليفتح أمامه مساراً زمنيّاً خاطفاً: من منسق إقليمي وجهوي إلى برلماني سنة 2021، فرئيس للجنة المالية، ثم رئيساً للفريق النيابي سنة 2024، وصولاً إلى كرسـي رئاسة الحزب (بالوكالة) سنة 2026. هذا الصعود السريع يطرح سؤالاً نقدياً جوهرياً حول طبيعة أحزابنا الوطنية اليوم:
هل أضحت اكتساب بعض المهارات الإدارية والكفاءة المالية، ورصيد نجاح رياضي ( حالة لقجع نموذجا) إضافة إلى “القرب من أصحاب القرار والمال والأعمال” بديلاً عن النضال والتراكم السياسي والميداني والتدرج الحزبي؟ وهل اختيار رجل أعمال لقيادة (بالوكالة) حزب يترأس الحكومة يعكس تحول التنظيم السياسي من فضاء نضالي فكري إلى منصة انتخابية تدبر المؤسسات بآليات «شركاتية» محضة؟
ثانياً: التبرير بمفاهيم السوسيولوجيا… لترحيل المسؤولية السياسية.
فخلال حوار صحفي أخير حول أحداث سبتة والفنيدق وموجات هجرة الشباب، حاول السيد محمد شوكي تغليف الأزمة بمفاهيم سوسيولوجية براقة من قبيل «ظاهرة التجمهر»، «تراجع الاعتزاز بالانتماء»، و«تحول العمل بسبب «البيتكوين» و»التريدينغ» و«التداول الإلكتروني»، في محاولة تسمية المشاكل الاجتماعية كـ “ظواهر سوسيولوجية” ليمنح خطابه مظهر الأكاديمية الرزينة، محاولا بذلك البحث عن مخرج مفضوح للهروب من سؤال الحصيلة العامة للأزمة وتداعياتها: السياسي لا يُحاسب لأنه اخترع الأزمة، بل لأنه جاء ببرنامج ووعود لم تنفذ… ثم يتساءل المواطن بعد سنوات: ماذا تغير؟
إن إرجاع يأس الشباب ومخاطرتهم بحياتهم إلى «تغير مفهوم الشغل لدى جيل “التريدينغ “و”الإكوميرس”» يتجاهل الواقع الميداني الصلب. إن الأسباب الحقيقية لا تكمن في خيالات الثراء السريع عبر الإنترنت و”البيتكوين”، بل في الأزمات الهيكلية المتمثلة في البطالة، ضعف الأجور، عدم تكافؤ الفرص، وتراجع الثقة في المؤسسات. وأما الحديث عن «وجود الحطب» الذي تسعى شبكات الاتجار لاستغلاله؛ فيبدو أن الأخ شوكي يتغافل عن من المسبّب الحقيقي في إيجاد هذا «الحطب» ومن جعله قابلاً للاشتعال؟
ثالثاً: عقدان في دواليب السلطة.. المسؤولية المباشرة لرئيس الحكومة
في محاولة تخفيف الضغط، يُستدعى التفسير التاريخي القائل : “إن الهجرة والأزمات الاقتصادية هي تراكمات عقود سابقة ولا تتحملها الحكومة الحالية وحدها”
. هذا الطرح ينهار أمام الحقيقة التنفيذية للطبقة الحاكمة اليوم؛ إذ إن رئيس الحكومة الحالي قضى أكثر من عقدين كاملين داخل دواليب الحكومات المتعاقبة، متقلداً حقائب وزارية ومحورية متواصلة. وبالتالي، فإن القرارات الاقتصادية، والتوازنات المالية، والخيارات الاستثمارية التي أوصلت البلاد إلى هذه الوضعية هي نتاج مباشر لسياسات كان رئيس الحكومة شريكاً أساسياً في صنعها وتنفيذها لسنوات طويلة. فلا يمكن القبول بمنطق التبرؤ من «عقود التراكمات» ممن أداروا تلك العقود بأنفسهم من موقع المسؤولية التنفيذية.
رابعاً: أزمة المنظومة التعليمية وتصدير الكفاءات مجاناً لأوروبا
تتجلى المفارقة المؤلمة في أن السياسات التعليمية الحالية لا تلبي احتياجات الاقتصاد الوطني الحقيقي بقدر ما تصب في خدمة الأسواق الخارجية. إن غالبية الشباب المعنيين بموجات اليأس لا يعرفون مجالات “البيتكوين” و”التريدينغ “ولا يبحثون عن مغامرات رقمية، بل يسعون وراء حق بسيط: تعليم نافع، ومنصب شغل يضمن كرامة العيش، ورعاية اجتماعية حقيقية مناسبة. ومحاربة حقيقية للفساد، وكل أشكال تضارب المصالح.
فالدولة تضخ مليارات الدراهم من المال العام لتكوين الأطباء والمهندسين والأطر العالية في الجامعات والمعاهد الوطنية. لكن، ونظراً لغياب مناصب شغل ذات امتيازات تناسب هذا التكوين المتقدم، وتراجع بيئة العمل والتحفيز، تجد هذه الطاقات الناشئة نفسها مرغمة على الهجرة. ونتيجة لذلك، تلقف فرنسا والدول الأوروبية أطباءنا ومهندسينا «مجاناً» وبلا أدنى تكلفة تأهيل، ليتكفل المغرب بضريبة التكوين بينما تجني أوروبا ثمار العقول الوطنية.
من تبرير الأزمات إلى بناء الاستقرار التنموي
يتضح أن الاعتماد على بلاغة الخطاب السياسي ــــــ التي تمزج بين البُعد العاطفي، والاعتراف الجزئي بالخلل، وتوظيف المصطلحات السوسيولوجية لتبرير الواقع ـــــــ لم يعد مجدياً في مواجهة الأزمات المركبة. إن استعراض برامج الدعم الرسمية أو سرد سِير النجاح الشخصي للمسؤولين يُعمّق الفجوة مع واقع اجتماعي مأزوم؛ واقعٍ يدفعه الإحباط إلى التزاحم على الحدود بحثاً عن أفق أرحب، مما يؤكد أن الإشكال لا يكمن في قلة التشخيص، بل في غياب النجاعة الإجرائية والإرادة السياسية الشجاعة.
إن الخروج من منطق «إدارة المسؤولية وتبرير القصور» يتطلب تحولاً جذرياً ونقلة شجاعة في القرار السياسي؛ تبدأ بالإقرار الصريح بالأخطاء، وتمر عبر إعادة هيكلة منظومتي التعليم والتشغيل لتكونا في خدمة المواطن أولاً. ولكي تتحول رغبة الشباب من الهجرة والهروب إلى الاستقرار والمساهمة الفاعلة في تنمية الوطن، يجب الاستجابة لمطالبهم الجوهرية وفق رؤية شاملة تراعي كافة الشرائح الاجتماعية:
النهوض بقطاعي التعليم والتشغيل: تحسين جودة التعليم العمومي وربطه بفرص عمل حقيقية ولائقة تضمَن للشباب العيش الكريم وتكافؤ الفرص.
 العدالة الاجتماعية والمجالية: تقليص الفوارق بين الطبقات والمناطق، وتوفير التغطية الصحية والرعاية الاجتماعية لكافة الفئات دون تمييز.
دعم فئة المتقاعدين وتحديث المنظومة الأسرية: الاستجابة العاجلة لمطالب المتقاعدين الذين يعانون من تهميش واقعهم وتجميد معاشاتهم؛ إذ يُشكل هذا الواقع المالي الحرج دافعاً أساسياً لهجرة أبنائهم، الذين يلمسون عجز تلك المعاشات عن ضمان العيش الكريم، أو تغطية مصاريف التعليم المتزايدة، أو تلبية الاحتياجات الأساسية والآنية للأسرة.
دولة القانون والحكامة: المحاربة الصارمة للفساد وممارسات الاحتكار، وكل أشكال الزبونية وتضارب المصالح، وتوفير بيئة اقتصادية قائمة على تكافؤ الفرص.، وتوسيع هامش الحقوق والحريات العامة، لتشجيع الكفاءات والشباب على الاستقرار والاستثمار في وطنهم.
إن تحويل المغرب إلى خيارٍ كَرِيمٍ ومُفضَّل لجميع أبنائه وكفاءاته يتطلب رؤية تضامنية؛ ترى في كرامة المتقاعدين واستقرار الأسرة حجر الزاوية الذي يمنح الشباب الثقة والأمل في بناء مستقبلهم داخل وطنهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى