رأي

رحم الله «با العلوي»… حين تبتسم الموعظة فتدخل القلوب

د. مصطفى أبوسعد مدرسة الرشد

كان يصف نفسه بتواضع بأنه «واعظ شعبي» لا عالمًا ولا نجمًا، وأنه يتحدث بلغة الناس حتى يفهمه الجميع. وقد عُرف منذ سنوات طويلة بعفويته، وبمزج الموعظة بالطرفة والحكاية واللغة المغربية اليومية؛ وهو أسلوب لم يكن مجرد أداء إعلامي، بل كان -بحسب حديث سابق له- قريبًا من طبيعته الشخصية.
====================•=•=•••

رحل قبل يوم الواعظ المغربي الشعبي محمد العلوي، المعروف بـ«با العلوي»، بعد سنوات طويلة كان فيها وجهًا مألوفًا لدى المغاربة، بصوته وطريقته وضحكته ومواعظه التي امتزج فيها الجد بالطرفة، والنصيحة بالحكاية، والمعنى الديني بلغة الناس البسيطة.

رحمه الله رحمة واسعة، وغفر له، وجعل ما قاله من خير وما أدخله من سرور على القلوب في ميزان حسناته.

ولعل رحيله مناسبة للوقوف عند تجربة مختلفة في الوعظ تستحق التأمل.

لم يكن «با العلوي» يقدم نفسه عالمًا كبيرًا، ولا صاحب مدرسة فقهية، بل كان يصف نفسه ببساطة بأنه واعظ شعبي.

وهنا ربما يكمن أحد أسرار وصوله.

كان يعرف جمهوره، ويعرف اللغة التي يفهمها الناس، ويتحدث إليهم من داخل ثقافتهم اليومية، ويستحضر مواقف الحياة والأسرة والزواج والشباب، ثم يضع بينها نصيحة أو قيمة أو معنى إيمانيًا.

وكانت الفكاهة إحدى أدواته الكبرى.

والفكاهة في الخطاب التربوي والدعوي، حين تنضبط بالأدب ولا تتحول إلى تهريج أو استهزاء، ليست نقيضًا للجدية؛ بل قد تكون جسرًا إليها.

فالإنسان إذا ابتسم انخفضت مقاومته النفسية، وإذا شعر بالقرب من المتحدث أصبح أكثر استعدادًا للاستماع إليه.

ولهذا كان «با العلوي» في كثير من مجالسه يُضحك الناس ثم يمرر المعنى.

وربما ينسى الإنسان تفاصيل الموعظة، لكنه لا ينسى ذلك الرجل الذي جعله يبتسم وهو يحدثه عن الله، وعن الأخلاق، وعن الأسرة، وعن الحياة.

وهنا درس مهم للدعاة والمربين والآباء والمعلمين:
—————-
ليس كل خطاب صحيح قادرًا على الوصول، فالوصول إلى الإنسان يحتاج إلى معرفة الإنسان.

قال الله تعالى:

﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾.

ومن الحكمة أن تعرف ماذا تقول، ولمن تقول، وكيف تقول، ومتى تقول.

فالناس لا يحتاجون دائمًا إلى مزيد من المعلومات؛ أحيانًا يحتاجون إلى من يقرب إليهم المعلومة، ويزيل الحواجز النفسية بينهم وبينها.

وقد امتلك «با العلوي» شيئًا مهمًا في التواصل الإنساني:
———————-
العفوية.

لم يكن خطابه شديد الصنعة، ولا مثقلًا بالمصطلحات، ولا محاطًا بهيبة مصطنعة. كان قريبًا من صورة الأب والجد المغربي الذي يجلس وسط الناس، يحكي ويمازح وينصح ويذكر بالله.

وهذه البساطة ليست أمرًا هامشيًا في التربية والدعوة.

فمن أكبر أخطاء الخطاب أن يتحول العلم إلى حاجز بين صاحبه وبين الناس، بينما وظيفة العلم أن يزيد صاحبه قدرة على التبسيط والتقريب والرحمة بالمتلقي.

وليس معنى ذلك أن كل ما يقوله الواعظ الشعبي ينبغي أن يؤخذ بوصفه علمًا شرعيًا محررًا؛ فالعلم له أهله وضوابطه ومناهجه. لكننا نستطيع أن نفرق بين مقام العالم الذي يفتي ويؤصل، ومقام الواعظ الذي يذكر ويقرب ويحبب الناس في الخير.

ولعل هذه من أهم الخلاصات التي تتركها تجربة «با العلوي»:
————————-
الدعوة ليست معلومات فقط… إنها علاقة إنسانية.

وقد تستطيع كلمة بسيطة صادقة أن تفعل في قلب إنسان ما لا تفعله محاضرة طويلة.

وتستطيع ابتسامة أن تفتح بابًا أغلقته القسوة.

وتستطيع حكاية شعبية أن تحمل قيمة كبيرة.

ويستطيع واعظ بسيط، قريب من الناس، أن يترك في الذاكرة الجمعية أثرًا لا تتركه أحيانًا خطابات أكثر علمًا وتنظيمًا.

لقد كان «با العلوي» بطريقته المغربية الخاصة يقول لنا شيئًا مهمًا:
—————————————
لا تجعلوا طريق الناس إلى الخير موحشًا.

ذكّروهم بالله بمحبة.

صححوا أخطاءهم برفق.

خاطبوهم بلغتهم.

راعوا أحوالهم.

واجعلوا الموعظة قريبة من الحياة.

فالقلوب لها أبواب، ومن الحكمة أن نعرف من أي باب ندخل إليها.

رحم الله محمد العلوي «با العلوي»، وغفر له، وتجاوز عنه، وأكرم نزله، وجعل ما بثه من خير وموعظة وابتسامة طيبة صدقة جارية له.

وصدق رسول الله ﷺ:

«إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه».

ولعل بعض الوعظ يحتاج فعلًا إلى شيء من الرفق…
وشيء من البساطة…
وشيء من الابتسام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى