رأي

الخطاب الديني و شرعية الهجرة بين الاستلاب والانبهار.

محمد كندولة كاتب وشاعر

مقدمة؛
يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم:” يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾
المعنى الظاهر من خلال القراءة الأولى أنّ الله سبحانه وتعالى يخاطب عباده المؤمنين قائلاً: يا عبادي الذين آمنوا، إن كنتم في ضيقٍ من إظهار الإيمان وعبادة الله وحده، فهاجِروا إلى أرض الله الواسعة، وأخلِصوا العبادة لي وحدي.
وفي ذات السياق نطرح السؤال المحوري الآتي:
فهل الهجرة مسموحٌ بها أم ممنوعة؟
سؤالٌ عميق يمسّ صميم الواقع المعاصر، إذ يجمع بين التأصيل الشرعي للنصّ القرآني، والتحليل السوسيولوجي لظاهرة الهجرة والاغتراب الثقافي في بلدان بعيدة عن الوطن والأهل والأحباب.
وللإجابة بالتفصيل على شقَّي السؤال، نقول:
أولاً: هل الآية تأمر بالهجرة بلا شروط أو أسباب؟
الجواب المختصر، شرعاً وعقلاً، هو: بالنفي لا. فالآية لا تأمر بالهجرة بشكلٍ مطلق أو بلا شروط، بل هي مقيَّدة بشروط دقيقة، وقد بيَّن القرآن نفسه هذه الشروط والاستثناءات. ومن الشروط المستنبطة:
١. شرط القدرة والاستطاعة
لقوله تعالى: “أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً”، وهو تقريرٌ للقدرة على الحركة والانتقال. فالحكم موجَّهٌ لمن يملك الخيار والقدرة المادية والجسدية على المغادرة، أمّا مَن سُلِبَت إرادته أو قُيِّدَت حركته، فلا ينطبق عليه هذا الوعيد.
٢. شرط عدم القدرة على إظهار الدين أو الخوف عليه فسياقُ “ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ” مرتبطٌ ببقائهم في بيئة تمنعهم من ممارسة دينهم أو تدفعهم للمعصية، مع وجود بديل. فالهجرة في الأصل فرارٌ بالدين، وليست مجرّد انتقالٍ جغرافي.
٣. شرط انتفاء الاستضعاف الحقيقي
وهذا ما أوضحته الآيتان التاليتان بالاستثناء الصريح:
“إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا”
فمَن انطبقت عليه هذه الصفات كفقدان الحيلة، وعدم معرفة السبيل للخروج فهو معذور، بل موعودٌ بالعفو والمغفرة.
وكخلاصة لما سبق، فالأمر بالهجرة في الآية مشروطٌ بالقدرة والحاجة إلى حماية الدين، وليس أمراً شكلياً أو بلا أسباب.
ثانياً: ما معنى الاستلاب والانبهار في سياق المهاجر؟ وما الحكم الشرعي فيهما؟
في التعريف الاصطلاحي
فالاستلاب أن يُسلَب المهاجرُ هويَّتَه الأصليةَ الدينيةَ والثقافيةَ والأخلاقية، قسراً أو طوعاً، ليحلّ محلَّها هويةُ المجتمع المضيف. فهو لم يهاجر ليحفظ دينه، بل ذاب فيه وفقد بوصلته القِيمية، فأصبح غريباً عن دينه وأهله، وغير منتمٍ بصدق للمجتمع الجديد أيضاً.
اما الانبهارفهو التأثّرُ النفسيُّ العميق وغيرُ النقديّ بحضارةٍ أو نمطِ حياةِ المجتمع المضيف مادياً كان أو اجتماعياً لدرجة التقليل من شأن الذات، وتبرير مخالفات الدين أو العُرف الأصيل بحجّة التحضّر أو مواكبة العصر.
فالتحليل الشرعي والحكم الفقهي
ينظرفيه الفقه الإسلامي إلى هذه الظاهرة من خلال مقاصد الشريعة، وتحديداً مقصد حفظ الدين، ويمكن تلخيص الحكم في النقاط الآتية:
أ) الهجرة التي تؤدّي إلى ضياع الدين محرَّمة أو مكروهةٌ تحريماً شديداً
فالقاعدة الأصولية تقول: «ما أدّى إلى الحرام فهو حرام». فإذا كانت الهجرة سبباً في الاستلاب الثقافي والديني، وفقدان المهاجر قدرتَه على الالتزام بأحكام الإسلام بسبب الانبهار والتذويب، فإنّ هذه الهجرة تفقد مشروعيتها. وقد قال العلماء: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونيّة»، والمراد المعاصر أنّ الهجرة من دار الكفر أو الفساد يجب أن تكون لغايةٍ سامية: حفظُ الدين، أو الدعوة، أو العلم النافع، لا الذوبانُ والتبعيةُ العمياء.
ب) مخالفة قاعدة الولاء والبراء:
فالانبهارُ الذي يصل إلى حدّ تفضيل منهج الكافرين على منهج المسلمين، أو موالاتهم في خصومتهم للإسلام، أو التزيّي بزيّهم المميَّز الذي يرمز لدينهم، يدخل في باب التشبّه الممنوع. وقد قال النبيّ ﷺ:«مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»
والانبهار السلبيّ ينافي كمالَ الولاء لله وللمؤمنين.
ج) إهدار مقصد حفظ النّسل والعَرض خصوصاً في حقّ الوِلدان فالآية الكريمة استثنت «الولدان» لأنّهم لا يستطيعون حيلة. لكن إذا اختار الأبوان الهجرةَ طوعاً إلى بيئةٍ تُمارَس فيها عمليةُ استلابٍ ممنهجة لأبنائهما عبر التعليم، والإعلام، وضغط الأقران ممّا يفقدهم هويّتهم الإسلامية، فإنّهما يكونان قد قصَّرا في واجب حفظ النسل الذي هو أحد الضروريات الخمس في الإسلام.
د) الفرق بين التفاعل الإيجابي والاستلاب السلبي:
الإسلام لا يمنع المسلم من أن يأخذ العلوم النافعة، أو يتعامل بأخلاقٍ راقية، أو يكون مواطناً صالحاً في وطنه الجديد. لكنّ الفرق الجوهري أنّ المسلم يجب أن يبقى متميّزاً بهويّته، كما في الحديث:«بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ» (رواه مسلم)
فالغُربة المحمودة هي غربةُ التمسّك بالقيم وسط مجتمعٍ يخالفها، وليست غربةَ الذوبان وفقدان الهوية.
ونخلص في الأخير إلى أنّ الآية الكريمة “أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً” هي سيفٌ ذو حدَّين في الواقع المعاصر فالظالم لنفسه يهاجر هرباً من الالتزام الديني بحجّة «سعة الأرض»، فيستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير . اما المضطر فيهاجر حفاظاً على حياته أو دينه، فيجد نفسه في بيئةٍ جديدة فيُطلَب منه أن يجعل من «سعة أرض الله» فرصةً لبناء مجتمعاتٍ إسلاميةٍ مصغَّرة، والحفاظ على شعائر الدين ، فيكون المآل في الاستلاب والانبهار مسخ هويّته ويكون في حالة الاضطرار حفاظٌ لهويّته،وتفاعلٌ في مجتمعه الجديد .
فالهجرة في الإسلام ليست مجرّد انتقالٍ من مكانٍ إلى مكان، بل هي مشروعُ حفظٍ للهوية في أرض الله الواسعة، لا ذوبانٌ فيها ولا انبهارُ بما فيها. والله أعلم، وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى