
انطلاقا من الغاية النبيلة الرامية إلى حماية ارواح المواطنين، جاء المشرع المغربي بمدونة السير كرسالة سلام لخفض مؤشرات الوفيات والاصابات البليغة الناتجة عن حرب الطرقات، في أفق تحويل الفضاء الطرقي من مصدر خطر إلى بيئة آمنة لمستعملي الطريق، وتحقيق الوقاية من حوادث السير، من هنا برز كبح التهور بصرامة واستهداف السلوكيات القاتلة بشكل مباشر، كالسياقة في حالة سكر، والسير في الاتجاه الممنوع، والسرعة المفرطة وقطع الاشارة الحمراء وغيرها من السلوكيات المهددة للسلامة الطرقية والتي وجب ردعها عبر القوانين الزجرية..
ذاك هو الهدف الاسمى للمشرع المغربي، وطبقا للقانون لابد من وضع التشوير اللازم للتعريف بالدورية المتحركة والمتمثل في 100 متر، ويجب الإشعار بالمراقبة بواسطة لوحات على بعد200متر على الأقل في الاتجاهين كما يجب طبقا للقانون تعليق لوحة تحمل عبارة ” انتباه مراقبة بالرادار…” فالغاية التي توختها مدونة السير من اعتماد المراقبة الآلية للسرعة، ليس تصيد المخالفات، بل الوقاية من حوادث السير، ويفرض القانون أن يكون تموقع عناصر الدرك أو الأمن مرئياً بوضوح للسائقين من مسافة كافية..ولكن على أرض الواقع، حول بعض عناصر الدرك الملكي والشرطة فصول هذا القانون إلى لعبة “كاش كاش” أو قاش قاش في رواية أخرى! ببطولة مشتركة بين سائق يقظ حذر ودورية أمنية تمارس لعبة “التخفي” الاحترافي!
وإن كان هدف مشرعنا المغربي من ظهور شرطي المرور أو الدركي في مكان مكشوف أن يراه السائق فيستمر في احترام السرعة أو يتذكر تحديد سرعته، فإن هدف الدركي الذي تخلى عن دوره الوقائي هو تصيد المخالفة السمينة !! وذلك بتحوله إلى “قناص” في الطرقات الوطنية والمنعرجات ووراء الاشجار! هناك حيث الإثارة هي سيدة الموقف! فالظهور المكشوف لدى الدركي الخفي أوالشرطي الشبح يفسد عليهم متعة “الصيد”! فليس الهدف هنا أن تراه فتنتبه وتخفف من سرعتك لكي لا تموت او تتسبب في موت غيرك لا قدر الله! بل هدف الدركي الذكي هنا أن تظل مسرعاً حتى تقع في الكمين و”تحصل”، واللي حصل يودي !! وعندها تسجل نقطة لصالح الدركي بفوزه في اللعبة!
في الماضي القريب، كان السائقون المغاربة يعتمدون على “نظام تضامن تقليدي” فريد من نوعه؛ حيث يتحول وميض الأضواء من السيارات القادمة في الاتجاه المعاكس إلى شفرة سرية تعني: ” خفف السرعة.. الذئب يتربص بك خلف المنعطف!”. كان هذا التضامن البشري البسيط يفسد على “الصيادين” الكثير من “الفرائس” السمينة، ولكن مع تطور التكنولوجيا الحديثة دخلت التطبيقات الذكية على خط المواجهة لتُفسد على الدركي الحريص على تطبيق القانون متعة المباغتة! فبفضل بعض تطبيقات تحديد المواقع تحول كل سائق مغربي إلى مخبر رقمي متطوع لمواطنيه، وهو ما أثار على مايبدو حفيظة “حماة مدونة السير” في جهاز الدرك والأمن، لينخرطوا في استراتيجية جديدة لإنجاح عملية “التخفي”، والتحرك بمرونة للتملص من خوارزميات الـ GPS التي تفضح مكانهم وتعيد توجيه السائقين نحو بر الأمان بسرعة قانونية!
وبالرغم من أن بعض محاكم المملكة الشريفة في شمالها وجنوبها قد قضت ببطلان محاضر معاينة مخالفة تم رصدها عبر رادار مخفي، معتبرة في تعليلها أن الاختباء وراء الأشجار أو المرتفعات هو “تحايل صريح على القانون”، إلا أن عمليات التخفي في المنعطفات والدوارات مازالت مستمرة، بل إن نقطة المراقبة يتم اختيارها بعناية شديدة! بحيث تضمن عملية الاختفاء ليسقط الضحية في الكمين بنسبة عالية!! وأين ذلك من حكم المحكمة بخصوص “التشوير المسبق” وتعليل القاضي بكل صراحة بأن “الهدف من أجهزة الرادار هو الوقاية وتنبيه السائقين لتخفيف السرعة، وليس مباغتتهم واصطيادهم لجمع الغرامات“.!! ولنا عبرة من الشكاوى التي وصلت إلى المحكمة المغربية من بعض المواطنين المتشبثين بحقوقهم فكان الحكم صارما وواضحا “بعدم شرعية إجراءات المراقبة لكون العون المكلف قام بترصد السائق في أحد المنعرجات دون تشوير مسبق”..
فمن سيئات هذه العادة السيئة التي انتشرت في رجال الأمن والدرك، بدافع من حصد مزيد من المخالفات، أن السائق بدل أن يقود مركبته وعينه على الطريق أو الراجلين، فإنه خلاف ذلك يركز على جنبات الطريق والمنعطفات، ويحلل ظلال الأشجار وحركات الأوراق خوفاً من ظهور مفاجئ لدركي من حماة مدونة السير حريص على حسن سلوك السائقين “المتهورين” جميعا إلا من رحم الله..
فلا شك ولا ريب أن الهدف السامي للعون المتخفي هو حماية سلامتك! والاطمئنان عليك وإيقافك “متلبسا” في إحدى السدود المنتشرة عبر المملكة وانت في كامل قواك العقلية!! وإذا سلمت من الاستخلاص الفوري لـ 150 أو 300 درهم فأنت من الناجين!! فالأولوية القصوى للسرية على ما يبدو من السلوكات الظاهرة هو استخلاص اكبر عدد ممكن من المخالفات السمينة !! استجابة للكوطة اليومية المطلوبة !
ومن المفارقات المضحكة المبكية أن القيادات العليا للأمن والدرك تصدر دوريات تمنع التخفي وتعتبره “خطأ مهنياً جسيماً”، ومحاكم المملكة تعتبر “الكمائن” خرقاً صريحاً للمادة 194 من مدونة السير! لكن يبدو أن عشق لعبة “الكاش كاش” أقوى من المذكرات الوزارية والأحكام القضائية، إذ ما زال بعض حماة الوطن يصرون على أن الطريق عبارة عن غابة، وأن السائق مجرد “غزال” شارد يجب اقتناصه، لتظل “الغرامة المرورية” مستمرة! فعشق القاش قاش لم يحل دون تعمد إخفاء سيارة الرادار خلف حواجز طبيعية تحجب رؤيتها كلياً، وذلك ضدا على فلسفة مدونة السيرالتي تشدد على المراقبة المرئية لردع المخالف قبل ارتكاب المخالفة، وليس مباغتته بعد السقوط فيها، لاستخلاص بعض الدراهم من جيبه و”التفاوض” معه !!
إن اختباء العناصر يضرب مبدأ الثقة في الصميم، ويخرج القانون عن هدفه الأسمى الرامي إلى “الوقاية”، وإلا كيف نفسر التموقع عند نهاية المنحدرات الحادة والمنعطفات الضيقة، و اختيار نقط مراقبة فجائية مباشرة بعد المنعرجات أو المنحدرات التي تزيد فيها سرعة المركبات تلقائياً بفعل الجاذبية، مما يسهل سقوط السائق في “فخ” المخالفة دون منحه فرصة النجاة!! وما سر المراقبة المشددة على طريق طويلة تم تحديد سرعتها في 40 او 60كلم إذ لايفهم من ذلك سوى تصيد السائقين ورصد غفلتهم الثمينة !! وذلك كله حرصا على سلامتهم!!!
عندما جاءت مدونة السير، استبشر الجميع خيراً بعبارات “السلامة الطرقية” و”الحفاظ على الرأسمال البشري”، لكن بعد تنزيلها على أرض الواقع، تبين أن الأولوية في حصد المخالفات، والمنافسة على ذلك بين الاجهزة المختلفة! إذ تحول الرادار الطرقي من أداة تنبيه لخفض السرعة إلى “آلة صراف آلي” متنقلة! فلم يعد الهدف منع وقوع الحادثة، بل انتظار وقوع المخالفة لإنعاش الخزينة وتأمين “الحصيلة اليومية” من الغرامات التصالحية الفورية !!
لقد تخلت بعض دوريات المراقبة عن دورها “الوقائي” المرئي والمخيف للمتهورين والمستهترين من اولاد الفشوش وغيرهم، واعتمدت تكتيكات الكوموندو والاندماج مع الطبيعة المورقة!حيث يتم وضع كاميرا الرادار خلف الأعشاب الكثيفة ووراءها عناصر الامن او الدرك وكأنهم يصورون فيلماً وثائقياً عن الحياة البرية!!
والدليل على أن أولوية السرية السرية والعناصر المختفية هو الدراهم الفورية، انك عندما يتم إيقاعك في الكمين وإيقافك من العون الذي يؤدي لك التحية ويتحقق من جميع الأوراق والرخصة والبطاقة الوطنية، ويطلب منك التوقف عن يمين الطريق ومرافقته لدقيقة إلى قائد السرية، الدليل القاطع أن محرر المحضر لا يذكرك ابدا بأضرار المخالفة اوبتهديدك للسلامة الطرقية! بل يقول لك مباشرة: عندك مخالفة كذا واش تخلصها؟!! فتبدأ المفاوضات حول مبلغ المخالفة التصالحية!! بل إن اي نظرة خاطفة لمحضر المخالفة يقفز أمامك مبلغ المخالفة بالدراهم المغربية!! وكأنه أقرب إلى فاتورة تجارية منه إلى محضر مخالفة طرقية!!
وأخيرا، إن أخطر ما أنتجته هذه اللعبة المسلية هو تشويه وعي السائق المغربي، حيث ولدت ثقافة مرورية مشوهة، فالسائق لا يخفض سرعته او يستعمل حزام السلامة خوفاً على حياته، بل هربا من الوقوع بين يدي ذلك “الدركي” القابع في الظل!! والذي يترصد جيبه على الخصوص، فالسائق المخالف أحب إليه من ذلك البخيل المتنبه والملتزم بقوانين السير بحذافيرها امامه!!
كما أن “كمائن” الدرك والامن قد عززت حملة التضامن الوطنية بين السائقين، إذ تحول وميض المصابيح الأمامية إلى وسيلة متعارف عليها لتحذير القادمين من الاتجاه المعاكس من”الفخ” القريب!!
والأخطر في السلوك أن السائق بمجرد تجاوز نقطة المراقبة، يعود لاستمتاعه بتخطي السرعة المحددة مما يؤشر على ان كل تلك الجيوش الموزعة على النقط الكثيرة المنتشرة في ربوع المملكة لم تكرس سلوكا سليما على الطرقات!!
لقد نجح نظام “الكاش كاش” الطرقي في تحويل السياقة بالمغرب من رحلة آمنة إلى “تحدي” عدم وصول الدركي او الشرطي لمحفظة النقود الخاصة!! وإلى أن يتخلى عناصر الدرك والأمن عن عملية “الاختفاء” غير القانونية، ستبقى السلامة الطرقية مجرد شعار، وستستمر لعبة القاش قاش سيدة الموقف، تحصد الضحايا الغافلين ولو بعد حين..





