نقد كتاب : أوثان السلفية للكاتب عبد الخالق كولاب 1
بقلم : مصطفى بن عمور المعاشي الحسني استاذ وباحث في الفكر والثقافة العربية والاسلامية

المقدمة
بعد أن وعد المؤثر الفيسبوكي عبد الخالق كلاب Abdelkhalek Koullab بنشر كتابه بداية من المقدمة ثم الفصول تباعا على صفحته الرسمية ….ها أنذا أتتبع ما يلقيه فيها لنقده ونقضه وكشف زيوفه التي عهدناها منه في تدويناته وفديوهاته التي نشرها في الفيسبوك أو اليوتيوب .
ولتكن البداية مع مقدمة الكتاب كما يلي .
في نقض مقدمة “التمزيغي”: قراءة في أوهام اليقين وسلطة المركزية البديلة
تمهيد:
يزعم صاحب المقدمة أنه انطلق من “خلوة مباركة” كأنه شيخ زاوية صوفي ليُصغي إلى صوت الحقيقة بعيداً عن “كل تأثير خارجي”، كأن المعرفة التاريخية تولد من رَحِمِ العُزلة لا من مَخاضِ الجدل مع السابقين ونتيجة المدافعة في الميادين . وهذا وَهْمٌ ركب صاحبَنا أو ركبَه هو ليعطي لنفسه مبررا أن تدعي الصفاء في التحليل والصواب في الأحكام ، كأنه لم يدرك أن الوعي الإنساني ليس تابوتاً مُغْلَقاً يُفتح في لحظة خلوة وصفاء، بل هو نتاج تراكم الزمن وصراع الأضداد وتشابك التأثيرات وتفاعل العناصر .
إن ادعاء النقاء المنهجي هو ضرب من النرجسية المعرفية وتوثين الذات الشخصية ، لأن المؤرخ، حتى في أعمق حالاته الروحية، يحمل على ظهره جِلْدَ ثقافته وهَوَسَ انتمائه ورواسبَ تربيته، فكيف لرجل واحد في عُزلة ذاتية أن يُطهر نفسه من “كل تأثير خارجي” وهو يكتب بلغةٍ هي نفسها نتاجُ ذلك التمازج الذي يُنكره؟
إنها مقولة تليق بأنبياء الوحي وشعراء الإبداع ، لا بباحثي التاريخ المتمكنين من عدتهم ومنهجهم .
استبدال وثن بآخر
ينتقد الكاتب “المركزيات الخارجية” التي جعلت الفاتحين أبطالاً والأمازيغ تابعين، وهذا حقٌّ لو توقف عنده. لكنه سرعان ما يقع في شَرك ما ينتقده، إذ يُقيم “مركزية وطنية” وهمية أو متوَهمة لا تقل إقصاءً عن تلك التي يَهْدِمُها. فمن هدم صَنَماً ليُقيم مكانه صنماً آخر، لم يُحرر الفكر بل غيّر عنوان العبودية.
إن “المركزية الوطنية” التي يدعو إليها ليست منهجاً علمياً ولا تحقيقا معرفيا، بل هي خطابٌ سلطويٌّ يَكْسُوه بهرج التحرر ، يُسقط تصوُّر الدولة القومية الحديثة على كِيانٍ قبليٍّ متشظٍ في العصر الوسيط، ويُحوّل التاريخ إلى أداةٍ في خدمة دولة متخيَّلة ومشروعِها السياسي المُتوَهم .
والأكثر إثارة للدهشة أن الكاتب يختزل الهوية المورية في “المطبخ واللباس وتعبيراته الفنية”! وهذا اختزال أنثروبولوجي سخيف يغفل البنى الذهنية والاقتصادية والاجتماعية العميقة التي تشكل حياة الأمم؛ وقد كنت وجهت له نقدا لهذا التعريف السطحي في صفحته ذات مرة قبل أن يخرج كتابه هذا …ولكنه لا يلتزم الصواب فيأخذ به بل يستمر كعادته في تقديس أخطائه والسعي الأعمى لترسيخها في ذهن المتلقي ، إن ذلك التعريف السخيف للهوية تعريف يليق بمتحفٍ فولكلوري، لا بتاريخ أمةٍ عريقةٍ تُصارع الوجود وتُنتج الحضارة. فإذا كانت الهوية بهذه السطحية، فأي وطن يُبنى على مثل هذه الأساسات الرخوة؟
خطيئة الإسقاط وثنائية الأضداد
إن المتأمل لعناوين فصول الكتاب سيُلفيها تعج بالثنائيات الساذجة :
فتح أم غزو؟ بربر أم أمازيغ؟ عرب أم عُرِّبنا؟ وثنية أم توحيد؟ وهذه الثنائيات فخاخُ المنطق الثنائي التي تَحْبِسُ الروح الإنسانية في قفصِ الأضداد الساذجة ، إذ تغفل أن الأحداث التاريخية الكبرى لا تُختزل في حَلْقتَيْ مصارعةٍ بين طرفين، بل هي عملياتٌ معقدةٌ من التفاعل والتضارب والاستيعاب والاستقطاب ، حيث تتداخل الهويات وتتمازج الثقافات وتتشابك المصائر. إن السقوط في فخ “الغزو” مقابل “الفتح” هو إسقاط للوعي المعاصر وبراديمه على عصرٍ لم تكن فيه “الأمة” مفهوماً سياسياً بهذا المعنى، بل كان الصراع قائماً بين إمبراطوريات لا حدود بينها سوى حدود الرمح والسيف وقبائل توالي وتعادي ومصالح كالكرة تتقاذها أرجل اللاعبين بقواهم المختلفة ، وكان التبادل الحضاري يسير في اتجاهين لا في اتجاه واحد.
إن من يبحث عن “هويةٍ موريةٍ خالصةٍ” في غمارِ تلك العصور، كمن يبحث عن قطرة ماء نقية في نهرٍ عكر؛ فالتاريخ الذي يسميه كلاب موريا عنوة لم يكن نتاجاً لفعلٍ واحدٍ، بل هو ديالكتيك دائم بين الداخل والخارج، وبين اللغة والعقيدة، وبين المقاومة والاندماج . التاريخ لا يعرف الألوان الصافية، بل يعرف المزج والامتزاج والتحول لو كنت حقا مؤرخا كما تدعي وتزعم .
انفعالات المقهور وبرودة المنهج
يُكثر الكاتب من الخطاب الوجداني: “كفى جلداً للذات”، “استلاب”، “تبعية”، “أمة مستلبة ومنبطحون”. هذا الانفعال وإن كان مَشروعاً في نفسِ صاحبه، فهو ليس حُجّةً في ميزان التاريخ ولا برهانا في مجاله . فالعبرة ليست في شدة الغضب على الروايات السابقة، بل في قوة البرهان الذي يُفنّدها. إن الاستعاضة عن النقد بالحماسة والهياج النفسي هي أسهل طرق الهروب من مشقة العلم، وأسرعها إلى قلوب العوام والغوغاء لا عقول الخواص.
والأخطر من ذلك أننا نجد كلابا يكتفي بـ”اليقين الذاتي” الذي يَصْبُغُه بصبغة القداسة ويزينه في نظر أولئك الغوغاء وعصابة الدهماء فكل ما في الأمر يقينٌ داخليٌّ وشعورٌ بالظلم الموروث، وهذا لا يكفي لبناء مشروع فكري، بل هو خطاب عاطفي يبحث عن متنفّس والأدهى أنه سيقلب الحقائق ويتأول النصوص والأحداث ليطابقها مع حالته النفسية العاطفية .
التناقض المكين في قلب المشروع
يصف الكاتب الروايات السابقة بأنها “أوثان سلفية” لا يجوز التشكيك فيها، ثم يُعلن عن مشروعه كـ”هدْمٍ” لهذه الأوثان وإحلال رواية جديدة محلها. لكنه حين يطالب بمنع التشكيك في روايته الجديدة، ويصف كل معارضٍ له بأنه “مارق وضال يدعو إلى الفتنة”، فهو يُعيد إنتاج السلفية نفسها التي ينتقدها، مع اختلاف المضمون فقط. إن الدعوة إلى قطيعة مع كل الماضي، وإعادة كتابة التاريخ بمركزيةٍ واحدةٍ لا تقبل الجدل، هي عين السلفية التي ينتقدها، لأنها تُقَدِّسُ النقيض كما يُقدِّس الآخرون الأصل بل هي عملية محكوم عليها بالفشل منهحيا وعلميا وتاريخيا .
إن الهوية ليست وثناً يُعبَد أو يُهدم، بل هي كيانٌ متحركٌ ومتفاعل يُعاد إنتاجه في سياقات تاريخية متغيّرة ومتبدلة . وما يقدّمه كلاب (التمزيغي) ليس نقضاً للخطاب التاريخي، بل هو مجرد “قلبٍ” للمعجم، يبقى فيه الفكر أسيرَ جدليةِ العبد والسيد، دون أن يرقى إلى أفق النقد الذي يَسْأَلُ عن شروط إمكانية التاريخ نفسه. إنه يُبدل مفردات الخطاب لا بنيته، ويُغيّر الأسماء لا المنهج.
في نقد مفهوم الدولة والهوية
يعتبر الكاتب أن “الدولة” هي نتاج الاجتماع (الموري) عبر التاريخ، وأن “الهوية الوطنية” هي المدخل لفهم الماضي. وهذه مقولة تنم عن خلط فادح بين المفهوم الحديث للدولة القومية والواقع التاريخي للمجتمع (الموري) الذي عاش قروناً في نسيج قبلاني لا يعرف الدولة بالمعنى الحديث ولا قارب صورتها ، ولا يعرف الوطنية بالمعنى الذي نعرفه اليوم . إن إسقاط مفاهيم القرن العشرين على أحداث القرن السابع هو خطأ منهجي قاتل، بل حماقة مضحكة … يفضي إلى نتائج مشوهة تماماً كما تُشوّه الروايات التي ينتقدها.
ثم ما معنى أن تكون الهوية “وطنية لا فوق وطنية” في عصرٍ لم يعرف الوطنية أصلاً؟ إنه إسقاط مزدوج: إسقاط لوعي الحاضر على الماضي، وإسقاط لصراعات السياسة اليومية على تاريخ يمتد لألفية ونصف. هذا النوع من الكتابة لا يُنتج معرفة، بل يُنتج شرعية سياسية باسم تاريخ مركب في وهم صاحبه ليس إلا …
خاتمة: في حاجة إلى تاريخ لا إلى تأبين وعويل
إن العيب الأكبر في هذه المقدمة أنها تُصادرُ التاريخَ لصالح الأيديولوجيا، وتُسَخّر الماضي لخدمة صراعات الحاضر، دون أن تضع سؤالاً جوهرياً واحداً: كيف نكتب تاريخنا؟ بدلاً من هذا السؤال الإبستمولوجي، نجدها تُصِرُّ على إجابةٍ جاهزة: نكتبه لنَصُونَ الدولةَ ونَدْحَضَ المُنْبَطِحِين والمستلبين وهلم ألفاظا مشحونة بأحكام قيمة سخيفة . ومعنى هذا أن تَجْعَلَ من التاريخ خادماً لا سيداً، ومن الحقيقة أداةً لا غاية.
إن أمةً تستحق البقاء، لا تحتاج إلى مؤرخٍ يردّد لها ما تُحِبُّ أو ما تحب فئته الإيدلوجية التي ينحاز إليها ، بل إلى مؤرخٍ يُعَلّمها كيف تفكر في يقيناتها، وكيف تَسْأَلُ عن كل المقدسات، قبل أن تبني على أنقاضها قداسةً جديدةً لا تلبث أن تتآكل تحتَ وَطْأَةِ الزمن. التاريخ في عيون من يعرفون ليس خطباً إنشائية يتلهب المشاعر، بل معركةٌ صامتةٌ مع الوثائق والصمت، مع النسيان والذاكرة، مع السلطة والحقيقة.
إن ما يقدمه كلاب التمزيغي ليس كتابةً للتاريخ، بل هو رد فعل عاطفي على كتابة أخرى مؤسسة على أصولها المعلومة ، يظل فيه العقل التاريخي الذي يسميه موريا أسير دوائر المزايدات الهوياتية، بدلاً من تحريره نحو مقاربة نقدية تسائل السلطة والذاكرة والهوية في آن واحد . مشروعه، بهذا الشكل، محكوم عليه بأن يكون مجرد “وثن” جديد في معبد الأوثان التي يظن أنه يهدمها.




