رأي

إلى مريدي «كلاب»… عن أوهام السردية الجديدة وخرافة «التاريخ أب العلوم»

الدكتور عبد السلام بامعروف باحث في العلوم السياسية والقانونية

من أكثر المهام إرهاقا في النقاشات الفكرية أن تحاول إقناع ”المريد” بأن البحث العلمي لا يقوم على الولاء للأشخاص، ولا على الإعجاب بالشيخ، ولا على التصفيق لكل أطروحة تقدم إليه باعتبارها ”حقيقة نادرة” ظل بقية الباحثين عاجزين عن اكتشافها.

المشكلة أن المريد لا يبدأ عادة من السؤال العلمي البسيط:

ما الدليل؟

بل يبدأ من سؤال آخر:

كيف أدافع عن شيخي ؟

وهنا تنقلب العلاقة بين الباحث والقارئ. فبدل أن تكون الأطروحة هي موضوع الفحص، يصبح صاحبها موضوع الولاء، وتتحول كل ملاحظة نقدية إلى ”هجوم”، وكل اعتراض منهجي إلى ”مؤامرة”، وكل مطالبة بالمصادر الأصلية إلى محاولة لإسكات ”الصوت المختلف”.

ولهذا، لا نستغرب كثيرا من الهالة التي أحيطت بما يسمى عبثا ”السردية المورية الجديدة”.

لكن لنسأل السؤال الذي يبدو أن كثيرا من المريدين لا يحبون طرحه:

ما الذي يجعل السردية ”جديدة” فعلا؟

هل يكفي أن تعاد صياغة أفكار قديمة بلغة أكثر إثارة؟

هل يكفي أن تجمع أطروحات متفرقة سبق لباحثين ومؤرخين وأنثروبولوجيين ولسانيين أن ناقشوها ونقدوها منذ عقود، ثم تقدم إلى جمهور لم يقرأ الأدبيات السابقة باعتبارها ”فتخا علميا؟

هل يصبح القديم جديدا لمجرد أن صاحبه أعاد ترتيبه داخل قصة أكثر إثارة؟

الجدة العلمية ليست في نبرة الخطاب، ولا في عدد المتابعين، ولا في حجم الضجة التي تصنعها الأطروحة.

الجدة العلمية لا تعني أن تقدم أفكارا سبق إليها غيرك وكأنها اكتشاف شخصي خالص. بل تعني أن تعرف ما قيل قبلك، وأن توثق له، ثم تحدد بدقة ما الذي تضيفه أنت. أما إعادة إنتاج أفكار وأطروحات سابقة، وإعادة صياغتها وتقديمها للجمهور باعتبارها مشروعا فكريا أصيلا، من دون الإشارة إلى جذورها ومصادرها، فلا تصنع ”سردية جديدة”، بل تصنع وهم الجدة..

الباحث الجاد لا يخشى الاعتراف بأن فكرة ما سبقه إليها غيره.

بل العكس تماما.

إن أول ما يفعله الباحث هو أن يسأل:

من قال هذا قبلي؟

كيف ناقشت الأدبيات هذه الفكرة؟

ما الذي بقي منها؟

ما الذي تم تجاوزه؟

وأين تكمن إضافتي الفعلية؟

أما أن تأخذ أطروحات قديمة، وتعيد تدويرها، ثم تضع فوقها عناوين من قبيل ”إعادة كتابة التاريخ” و”تحرير السردية”، و”كشف المسكوت عنه”، ثم تطلب من الجمهور التعامل معها باعتبارها اكتشافا غير مسبوق، فهذه ليست ثورة معرفية بالضرورة.

قد تكون ببساطة إعادة تغليف معرفي.

المشكلة ليست في السردية وحدها… بل في المنهج

وهنا نصل إلى المسألة الأهم: المنهج.

فعندما ننتقد هذه الأطروحات، فإن نقدنا لا يتعلق بالنتائج التي تنتهي إليها فحسب، وإنما بالطريقة التي تبنى بها هذه النتائج، وبالأدوات التي تستخدم للوصول إليها، وبمدى انسجامها مع قواعد البحث العلمي.

فالمسألة ليست أن الباحث يطرح قراءة مختلفة للتاريخ، فهذا حقه، وإنما أن القراءة المختلفة تحتاج إلى أساس منهجي واضح، وأدلة قابلة للفحص، واستدلال متماسك.

ومن هنا تبدأ الأسئلة الحقيقية:

ما الأدوات التي بنيت عليها هذه الأطروحات؟ كيف استخدمت المصادر؟ كيف انتقل الباحث من المعطى إلى الاستنتاج؟ وهل تكفي الأدلة المقدمة فعلا لحمل النتائج التي بنيت عليها؟

وهنا تبرز مسألة التعدد المنهجي

فالتعدد المنهجي في العلوم الإنسانية والاجتماعية أمر مشروع، بل قد يكون ضروريا عندما تكون الأسئلة المطروحة مركبة ومتداخلة. لكن التعدد المنهجي لا يعني الانتقال بين التاريخ واللسانيات والأركيولوجيا والأنثروبولوجيا وغيرها بصورة انتقائية، ثم توظيف كل قرينة بالطريقة التي تخدم النتيجة المراد الوصول إليها.

التعدد المنهجي الحقيقي يعني معرفة حدود كل تخصص، وأدواته، ومفاهيمه، وطبيعة الأسئلة التي يستطيع الإجابة عنها، ثم بناء علاقة منضبطة بين هذه الأدوات داخل البحث.

فإذا استخدمت اللسانيات، فينبغي أن يكون واضحا ما الأداة اللسانية المستخدمة، وما الذي يمكنها إثباته وما الذي يتجاوز حدودها. وإذا استند الباحث إلى المادة الأثرية، فعليه أن يحدد بدقة ما الذي تسمح به هذه المادة من استنتاجات، وما الذي لا تسمح به. وإذا استعان بالأنثروبولوجيا أو علم الاجتماع، فعليه أن يوضح المفاهيم والمقاربات التي يعتمدها، وكيف يوظفها في بناء حجته.

وبالتالي، فالمشكلة ليست في تعدد المناهج بحد ذاته، وإنما في كيفية توظيفها، وحدود استخدامها، والعلاقة التي يقيمها الباحث بينها وبين النتائج التي ينتهي إليها.

ومن هنا جاء سؤالنا المباشر.

 ففي إحدى البثوث المباشرة التي كان ”كلاب” ضيفا فيها، طرحنا عليه سؤالا واضحا حول الأدوات والمقاربات التي يستند إليها في بناء أطروحاته، وقلنا له:

ما المناهج والمقاربات التي تعتمدها، إلى جانب المنهج التاريخي، في تحليل هذه السرديات وتفكيكها؟

ولم يكن السؤال اعتراضا على أهمية التاريخ، ولا تشكيكا في قيمة المنهج التاريخي، وإنما كان سؤالا منهجيا بحتا: ما الأدوات التي يعتمدها تحديدا؟  وكيف يوظفها؟ وما الذي يضيفه كل منها إلى بناء الحجة والاستنتاج؟

وهذا تحديدا هو ما يعنيه الحديث عن التعدد المنهجي: ليس مجرد إعلان امتلاك أكثر من منهج، وإنما القدرة على تسمية هذه المناهج، وتحديد أدواتها، وبيان حدودها، وشرح كيفية توظيفها بصورة منضبطة داخل البحث

لم يكن السؤال: هل التاريخ مهم؟

ولم يكن: هل المنهج التاريخي له قيمة؟

ولم يكن: هل يستطيع المؤرخ الاستفادة من تخصصات أخرى؟

بل كان السؤال عن الأدوات المنهجية التي يستخدمها تحديدا:

هل هناك مقاربة لسانية محددة؟

هل هناك توظيف منهجي للأركيولوجيا؟

هل هناك مقاربة أنثروبولوجية؟

هل هناك تحليل مقارن مضبوط؟

هل هناك إطار نظري يحدد طريقة قراءة المصادر؟

هل هناك منهج في تحليل الخطاب؟

هل هناك مقاربة ابستمولوجية؟ 

هل هناك مقاربة قانونية؟

وما حدود كل أداة من هذه الأدوات داخل بناء الاستنتاج؟

لكن الجواب الذي قدم كان، في جوهره:

 أعتمد على المنهج التاريخي لأن ”التاريخ أب العلوم،”

وهنا تحديدا تبدأ المشكلة.

لأن السؤال كان عن المناهج والمقاربات، بينما جاء الجواب عن مكانة التاريخ. وهذان شيئان مختلفان تماما.

أن تقول إن التاريخ أب العلوم لا يخبرنا كيف قرأت نصا، أو فسرت أثرا، أو قارنت ظاهرة، أو اختبرت فرضية، أو انتقلت من قرينة إلى استنتاج.

بل إن عبارة التاريخ أب العلوم نفسها تحتاج إلى تعريف وحجة:

هل المقصود أقدمية المعرفة التاريخية؟

أم أن التاريخ هو الأصل المعرفي لبقية العلوم؟

أم أن المنهج التاريخي أوسع من غيره؟

أم أن المؤرخ يستطيع الاستغناء عن أدوات الحقول الأخرى؟

كل معنى من هذه المعاني يحتاج إلى حجة مستقلة.

التاريخ أب العلوم ليس منهجا

فالمنهج ليس شجرة عائلة، وليس لدينا ”أب” معرفي يمنح بقية العلوم شرعية الوجود.

التاريخ حقل معرفي عظيم، لكنه ليس بديلا عن اللسانيات، ولا عن الأنثروبولوجيا، ولا عن الأركيولوجيا، ولا عن علم الاجتماع، ولا عن القانون؛ كما أن هذه الحقول ليست بدائل عن التاريخ.

والمسألة ليست في المفاضلة بينها، وإنما في معرفة:

متى نستخدم كل أداة؟ ولماذا؟ وبأي شروط؟

بل حتى عبارة ”المنهج التاريخي’‘ نفسها تحتاج إلى قدر من الدقة؛ فالتاريخ الحديث ليس كتلة منهجية واحدة، وإنما داخله مدارس واتجاهات ومقاربات متعددة، وتطورت علاقته بالأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والاقتصاد ودراسات الذاكرة واللسانيات وغيرها من الحقول عبر عقود طويلة.

لذلك، حين يقال:

أنا أعتمد المنهج التاريخي لأن التاريخ أب العلوم.

فالسؤال الأكاديمي لا ينبغي أن يكون: هل نحب التاريخ أم لا؟

بل:

أي منهج تاريخي تحديدا؟

ما النظرية التي تحكم قراءة المصادر؟

ما معايير الترجيح بين الروايات؟

كيف يتعامل مع التناقض بين المصادر؟

كيف تفصل القرينة عن التأويل؟

كيف يختثر الاستنتاج؟

وأين تنتهي حدود المصدر وتبدأ فرضية الباحث؟

وهنا تحديدا يظهر الفرق بين مجرد تقديم سردية مغايرة وبين تقديم مشروع بحثي يمتلك أساسا منهجيا وفكريا متينا، مشروع يعرف أدواته، ويحدد حدودها، ويفصل بين المعطى والتأويل، وبين القرينة والاستنتاج.

فالسؤال في النهاية ليس:

هل نستخدم أكثر من منهج؟

بل:

كيف نستخدم هذه المناهج، ولماذا، وبأي شروط؟

وهذه هي الأسئلة التي ينبغي أن يبنى عليها النقاش، بعيدا عن الأشخاص والهالات والولاءات.؟

والأكثر إثارة للدهشة أن النقاش لم يتوقف عند عبارة ‘التاريخ أب العلوم’‘.

عندما كنا نناقشه –كلاب– حول الأدوات النظرية التي يمكن الاستناد إليها في دراسة الهوية وتفكيك تشكلاتها التاريخية والاجتماعية، طرحنا أمامه نماذج واضحة من التراث النظري الذي اشتغل على هذه القضايا، وأشرنا إلى تصورات وأعمال أسماء مثل إميل دوركايم، وكلود ليفي-ستروس، ومارغريت ميد، وستيوارت هول، باعتبارها أمثلة على تقاليد فكرية مختلفة يمكن أن تسهم، كل من موقعه، في فهم الجماعة والهوية والثقافة والتمثلات والانتماء.

وكان المتوقع، في نقاش يدعي صاحبه امتلاك مشروع علمي حول الهوية، أن يبدأ الحوار من الأسئلة الحقيقية:

أي مفهوم للهوية نتبنى؟

هل نتعامل معها باعتبارها بناء اجتماعيا؟

أم ظاهرة ثقافية؟

أم عملية تاريخية متغيرة؟

ما علاقة الهوية بالذاكرة الجماعية؟

كيف تتشكل داخل الخطاب؟

كيف تنتج الجماعة حدود نحن و هم؟

وما الأدوات التي تسمح لنا بفحص هذه العمليات تاريخيا وأنثروبولوجيا ولسانيا وسوسيولوجيا؟

لكن الإجابة كانت أكثر مفاجأة من المتوقع.

قيل لنا، ببساطة، إن هؤلاء فلاسفة وإن الفلسفة لا تحدد الهوية، وإن الذي يحددها هو التاريخ، لماذا ؟ 

 لأن: التاريخ أب العلوم.

وهنا لا بد من التوقف قليلا.

ليس لأننا نريد تسجيل نقطة في سجال شخصي، وإنما لأن هذا النوع من الإجابات يكشف مشكلة مفاهيمية ومنهجية أعمق بكثير من مجرد اختلاف في الرأي.

فدوركايم من الأسماء المؤسسة لعلم الاجتماع الحديث، وله إسهامات مركزية في دراسة المجتمع والدين والتضامن والتمثلات الجماعية.

وليفي-ستروس من أبرز أعلام الأنثروبولوجيا البنيوية، واشتغل على القرابة والأسطورة والثقافة وبنى التفكير.

ومارغريت ميد من الأسماء البارزة في الأنثروبولوجيا الثقافية، وارتبط عملها بدراسة الثقافة والتنشئة والأدوار الاجتماعية.

أما ستيوارت هول فهو من الأسماء الأساسية في الدراسات الثقافية، واشتغل بصورة مباشرة على قضايا الهوية والتمثيل والثقافة والسلطة والشتات.

قد نختلف مع أي واحد من هؤلاء، وقد نرفض بعض أطروحاتهم أو نعيد تقييمها أو نناقش حدودها، وهذا حق الباحث وواجب البحث العلمي.

لكن تصنيفهم جميعا تحت عنوان هؤلا فلاسفة ثم استخدام هذا التصنيف لإخراجهم من النقاش حول الهوية والثقافة والمجتمع، يكشف خللا في فهم طبيعة الحقول العلمية وتداخلها.

كيف نتحدث عن الهوية دون معرفة تاريخ مفهوم الهوية؟

المسألة ليست أن كل من يشتغل بالتاريخ يجب أن يكون عالم اجتماع أو أنثروبولوجيا أو لسانيا.

طبعا لا.

ولا أحد يطلب منه أن يتحول إلى موسوعة بشرية في جميع العلوم الإنسانية.

لكن عندما تختار بنفسك أن تجعل الهوية موضوعا مركزيا في مشروعك، وأن تتحدث عن تفكيك السرديات،  ثم يطرح أمامك التراث النظري المرتبط بهذه المفاهيم فتتعامل معه باعتباره مجرد فلسفة لا علاقة لها بالسؤال، فهنا يصبح من المشروع تماما أن نسأل عن العدة النظرية والمنهجية التي تقوم عليها أطروحتك.

المشكلة ليست في أن المؤرخ لا يعرف كل شيء.

لا أحد يعرف كل شيء.

المشكلة في أن الباحث، حين يتصدى لمفهوم مركب مثل الهوية يحتاج إلى معرفة التاريخ النظري للمفهوم نفسه قبل أن يدعي إعادة تعريفه أو اكتشاف جذوره.

فالهوية ليست وثيقة أرشيفية تنتظر من يفتحها.

إنها مفهوم معقد ومتعدد المستويات، يتقاطع فيه التاريخ مع الثقافة واللغة والذاكرة والتمثلات الاجتماعية والسلطة والممارسة والرموز.

ومن يريد أن يعيد بناء تاريخ الهوية، عليه، على الأقل، أن يعرف كيف ناقشت العلوم المختلفة مفهوم الهوية قبل أن يقرر أن التاريخ وحده كافٍ لتعريفها.

ثم هناك إشكال منهجي آخر لا يقل أهمية، وهو من أبرز مواطن الضعف في بعض أطروحات ”كلاب”: إسقاط المفاهيم الحديثة على المجتمعات القديمة، وقراءة الماضي من خلال مفاهيم معاصرة ثم البحث عن شواهد تاريخية لتأكيدها.

فليس كل جماعة تاريخية يمكن تحويلها بأثر رجعي إلى أمة بالمعنى الحديث.

وليس كل انتماء جماعي ”هوية وطنية”.

وليس كل شكل من أشكال التنظيم السياسي ”دولة” بالمفهوم الحديث.

وليس العثور على كلمة تشبه مفهوما معاصرا في نص قديم دليلا تلقائيا على وجود المفهوم نفسه بالمضمون التاريخي ذاته.

هنا تحديدا تصبح الاستعانة باللسانيات والأنثروبولوجيا وغيرها ضرورية، لا ترفا.

لأن الباحث مطالب بأن يسأل عن المعنى داخل سياقه التاريخي، لا أن يضع المفهوم المعاصر فوق المادة القديمة ثم يبحث عن شواهد تؤيده.

والأخطر من ذلك هو تحويل المادة الأثرية نفسها إلى متحدث باسم الماضي.

الخزف لا يتكلم.

والأثر لا يروي قصة كاملة بمفرده.

والقطعة الأثرية لا تصبح دليلا على مفهوم سياسي أو هوية جماعية لمجرد العثور عليها في مكان ما.

هناك سلسلة طويلة من العمليات الاستدلالية بين وجود الأثر وبين التفسير التاريخي الذي يبنى عليه.

وهذه السلسلة هي التي يجب أن تكون قابلة للفحص والنقد.

فلنضع ”السردية الجديدة” تحت الاختبار

لذلك، فإن التحدي الذي أطرحه ليس شخصيا.

وليس الغرض منه التشهير بشخص أو استبدال شيخ بشيخ آخر.

بل العكس.

أنا مستعد لمناقشة الأطروحات نفسها، واحدة واحدة.

هاتوا لنا ما تسمونه سردية جديدة.

وسنبدأ من أبسط سؤال:

أين قيلت هذه الأفكار قبلا؟

ثم:

ما المصادر الأصلية؟

ما الأدبيات السابقة؟

ما الذي أُضيف فعلا؟

ما الذي تم تجاوزه؟

ما الأدلة الجديدة؟

ما المنهج المستخدم؟

ما البدائل التفسيرية التي نوقشت؟

وما الذي يجعل النتيجة أكثر قوة من النتائج السابقة؟

وسنضع كل ذلك أمام المصادر والمراجع، لا أمام شعبية صاحب الأطروحة.

فإن كانت هناك بالفعل ثورة معرفية، فستصمد أمام المقارنة.

وإن كانت هناك سردية جديدة، فستستطيع تحديد موضع جدتها.

وإن كان هناك اكتشاف علمي، فسيكون قادرا على عرض أدلته ومنهجه وقابليته للنقد.

أما إذا كانت النتيجة مجرد إعادة تدوير لأفكار قديمة، مضافا إليها خطاب هوياتي أكثر صخبا، فالمشكلة ليست في أن أحدا يحارب السردية

المشكلة أن السردية نفسها لم تثبت جدتها بعد.

الخلاصة

لا نريد معركة بين المريدين و الخصوم.

ولا نريد تبادل الاتهامات.

ولا نريد شعارات عن التحرر من السردية الرسمية.

نريد شيئا أكثر بساطة:

مصدرا أمام مصدر.

نصا أمام نص.

دليلا أمام دليل.

ومنهجا أمام منهج.

نريد أن نعرف أين تبدأ الوثيقة وأين ينتهي التأويل.

نريد أن نعرف متى تتحول القرينة إلى دليل، ومتى يتحول الاحتمال إلى يقين بلا مبرر.

نريد أن نعرف ما الجديد فعلا في السردية الجديدة، وما الذي كان موجودا في الأدبيات قبل ظهور صاحبها.

ونريد، قبل كل ذلك، إجابة واضحة عن السؤال الذي طرحناه منذ البداية:

ما المناهج والمقاربات التي يعتمدها كلاب فعلا، إلى جانب المنهج التاريخي، في تفكيك السرديات وبناء تصوره للهوية؟

لا نريد جوابا عن عظمة التاريخ.

ولا نريد عبارة عن ‘أب العلوم”.

نريد أسماء المناهج، وأدواتها، ومراجعها، وكيفية تطبيقها.

فإذا كانت السردية الجديدة قوية، فلتدافع عن نفسها أمام النقد.

وإذا كانت الأدوات المنهجية صلبة، فلتعرض.

وإذا كانت الأطروحة أصلية، فليثبت تاريخها أنها أصلية.

أما أن يكون جواب السؤال عن المناهج:

التاريخ أب العلوم

وأن يكون جواب السؤال عن علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية أنهم فلاسفة ثم ننتقل بعد ذلك للحديث بثقة عن الهوية وإعادة كتابة التاريخ وتفكيك السرديات، فهنا يصبح السؤال مشروعا تماما:

هل نحن أمام مشروع بحثي جديد فعلا، أم أمام خطاب هوياتي يستخدم مفردات البحث العلمي دون أن يمتلك عدته المنهجية؟

هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يتاقش.

لا الأشخاص.

ولا المريدون.

ولا الشتائم.

الأطروحات وحدها.

المصادر وحدها.

والمنهج وحده.

الميدان مفتوح…

والأرشيف بيننا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى