
الأزمة الصامتة في المغرب ليست وليدة حكومة بعينها، ولا تتحمل مسؤوليتها حكومة دون أخرى؛ فالحكومات المتعاقبة، على اختلاف أحزابها وشعاراتها، ظلت تتنافس أساسا على تنفيذ المشاريع والاستراتيجيات والاختيارات والتوجهات العامة نفسها، في ظل منطق الليبرالية الجديدة والرأسمالية المتوحشة.
لقد بدأت هذه الأزمة اليوم تخرج إلى العلن، ليعلمها من جهلها، وتفرض نفسها على من تجاهلها، من خلال أصوات فئات من المجتمع، والقاصرين خصوصا، الذين بلغ بهم اليأس حدّ التعبير عن رغبتهم في مغادرة الوطن؛ وهذه، في حد ذاتها، ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل جرس إنذار سياسي واجتماعي وأخلاقي يستوجب التوقف والتأمل.
وبعد ما عبّر عنه آلاف المواطنين، والقاصرون منهم على وجه الخصوص، من رغبة في مغادرة الوطن، يحق لنا أن نتساءل: ما معنى الانتخابات، وما جدوى تداول الحكومات، إذا كان الأمر سينتهي في كل مرة إلى إعادة إنتاج الاختيارات والتوجهات نفسها، وبالأحزاب نفسها تقريبا؟
هذه هي الحقيقة التي لا تريد معظم الأحزاب السياسية مواجهتها أو الخوض فيها بجدية. فالمطلوب اليوم، ليس مجرد تغيير حكومة بحكومة، أو حزب بحزب، وإنما وقفة سياسية ومجتمعية حقيقية تفتح حوارا شعبيا صريحا حول مستقبل البلاد، وتعيد النظر في الاختيارات والتوجهات العامة، وصولا إلى بناء تعاقد اجتماعي جديد، يعيد للدولة مسؤوليتها الاجتماعية، ويقطع مع منطق الليبرالية الجديدة التي تختزل دور الدولة وتكاد تبرئها من مسؤولياتها الأساسية تجاه المجتمع.
أما اختزال الأزمة في معارضة حكومة أخنوش وحدها، وجعل أخنوش «الحائط القصير» الذي تُعلَّق عليه كل الإخفاقات، فمع ضرورة تحميله وحكومته مسؤولياتهما السياسية كاملة، لا ينبغي أن يحجب عنا حقيقة أوسع: فهو لا يملك صناعة الاختيارات الكبرى، كما لم يكن ذلك متاحا لمن سبقه، ولن يكون لمن سيأتي بعده.
إن الاستمرار في اختزال الصراع السياسي في تغيير الأشخاص والحكومات، دون مساءلة الاختيارات التي تنتج السياسات نفسها، ليس إلا تضييعا للزمن السياسي الحقيقي، وتأجيلا لمواجهة الأزمة التي بدأت اليوم تفرض نفسها على الجميع.





