ثورة الملك والشعب.. من ملحمة التحرير إلى مسؤولية البناء
بقلم: كمال عصامي صحفي ومدير نشر إطلالة بريس

يستحضر المغرب، في 20 غشت من كل سنة، ذكرى ثورة الملك والشعب، وهي واحدة من أبرز المحطات في تاريخ الكفاح الوطني، ومحطة تختزل في دلالاتها معنى التلاحم بين العرش والشعب، والإرادة المشتركة في الدفاع عن حرية الوطن واستقلاله.
ففي 20 غشت 1953، أقدمت سلطات الحماية الفرنسية على نفي السلطان محمد الخامس وأسرته، في محاولة منها لإضعاف الحركة الوطنية وفرض واقع جديد على المغرب. غير أن ما حدث كان عكس ما أراده المستعمر؛ إذ تحولت عملية النفي إلى لحظة فاصلة في تاريخ المقاومة المغربية، واتسعت دائرة الرفض الشعبي، وتعمقت روح المقاومة في مختلف أنحاء البلاد.
لقد أدرك المغاربة آنذاك أن المسألة لم تعد مرتبطة بشخص السلطان وحده، وإنما أصبحت قضية وطن وكرامة وسيادة. فتوحدت إرادة الشعب مع رمزية العرش، واستمرت المقاومة بمختلف أشكالها، إلى أن عاد محمد الخامس إلى أرض الوطن سنة 1955، لتدخل البلاد مرحلة جديدة انتهت بإعلان الاستقلال سنة 1956.
ولذلك، فإن ثورة الملك والشعب ليست مجرد ذكرى نحتفل بها كل عام، وإنما هي صفحة من تاريخ المغرب تستحق أن تُقرأ بعناية، خصوصًا من طرف الأجيال الجديدة التي لم تعش تلك المرحلة، حتى تدرك حجم التضحيات التي قدمها المغاربة من أجل أن يعيش الوطن حرًا ومستقلًا.
لكن استحضار التاريخ لا ينبغي أن يبقى حبيس الماضي. فكل ذكرى وطنية تحمل معها سؤال الحاضر ومسؤولية المستقبل.
وإذا كان المغاربة بالأمس قد خاضوا معركة التحرر من الاستعمار، فإن مغرب اليوم يخوض معارك أخرى لا تقل أهمية، وإن اختلفت طبيعتها. إنها معركة بناء دولة قوية وعادلة، وترسيخ دولة القانون والمؤسسات، ومحاربة كل أشكال الفساد والريع والاحتكار، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما أن مواجهة الغلاء وارتفاع الأسعار والمضاربات والاختلالات التي تمس القدرة الشرائية للمواطن أصبحت من القضايا التي تستحق اهتمامًا أكبر، لأن قوة الوطن لا تقاس فقط بمؤشراته الاقتصادية ومشاريعه الكبرى، وإنما أيضًا بمدى شعور المواطن بثمار التنمية وبقدرته على العيش بكرامة وأمان.
ومن هنا، فإن الوفاء الحقيقي لتضحيات جيل المقاومة لا يكون فقط باستحضار أسماء المقاومين وأحداث التاريخ، وإنما أيضًا بالحفاظ على الوطن قويًا، ومؤسساته فاعلة، واقتصاده منتجًا، ومجتمعه متماسكًا، ومواطنه محترمًا في كرامته وحقوقه.
إن المغرب الذي نريده جميعًا هو مغرب ينتصر فيه القانون على الفساد، والمصلحة العامة على المصالح الضيقة، والعمل والإنتاج على الريع والاحتكار، وتكون فيه محاربة الفساد والغلاء مسؤولية جماعية ومؤسساتية، بعيدًا عن الحسابات الضيقة أو المزايدات.
وفي ذكرى ثورة الملك والشعب، نستحضر معركة الأمس ونستشرف مسؤولية اليوم؛ فكما تحرر المغرب من الاستعمار بفضل تلاحم أبنائه، فإن مواصلة مسيرة البناء والإصلاح تقتضي اليوم إرادة قوية لتحصين الوطن من كل ما يعيق تقدمه، ومحاربة الفساد والريع والاحتكار، وصون كرامة المواطن، وتعزيز الثقة في المستقبل.
فتلك، في نهاية المطاف، إحدى أعمق رسائل هذه الذكرى: أن حب الوطن ليس مجرد ذكرى نحتفل بها، وإنما مسؤولية نتحملها كل يوم.





