الرد على المتنبئين الجدد (1) من غار حراء إلى “خلوة” الأطروحة: في نقد الاستعاضة عن البرهان التاريخي بالإشراق الهوياتي .
بقلم: د. مصطفى بوهندي

تلبيةً لواجب الحقيقة العلمية والصرامة الأكاديمية في مواجهة موجة الشطحات الهوياتية واستنباث السلفيات البديلة، أطلق معكم هذه السلسلة الجديدة للنقد والتحليل تحت عنوان «الرد على المتنبئين الجدد».
سأخصص المجموعات الأولى من حلقات هذه السلسلة لتفكيك أطروحة عبد الخالق كلاب وكتابه «أوثان السلفية التاريخية»، رصداً لتهافت منطلقاته الإشراقية، ودحضاً لمقولاته القائمة على الاجتزاء المفهومي والارتهان الكولونيالي، وتعريةً لتنكّره للحقيقة الجغرافية واللسانية والتاريخية لأقصى الغرب الحضاري والإسلامي.
نبدأ اليوم بالمدخل التأسيسي الأول، مقالاً جامعاً يفند «مقدمة الكتاب» وما ادعاه صاحبها من خلوة مباركة وفتح هوياتي، ليتبعها لاحقاً تفكيكٌ مفصل لأبواب الكتاب وفصوله حلقةً بحلقة:

يبدأ الباحث عبد الخالق كلاب كتابه «أوثان السلفية التاريخية» بإعلان إبستمولوجي خطير، حين يصرح بأن مشروعه التاريخي لم يكن ثمرة تراكم فيلولوجي أو مساجلة أكاديمية صلبة للوثائق والتراكم المصدري، بل كان ثمرة خلوة علمية مباركة بعيدة عن كل تأثير خارجي؛ خلوة أفضت به -حسب زعمه- إلى حقيقة قاطعة تقطع مع كل ما استقر عليه المؤرخون والدارسون عبر القرون. إن هذا المنطلق لا يكتفي بإسباغ بُعد إشراقي صوفي على البحث التاريخي، بل يمارس إفلاساً منهجياً صريحاً عبر مصادرة الأدلة، وتجهيل المخالفين، واستبدال شرط البرهان العلمي القابل للدحض والتمحيص بالادعاء الخلوي المحصن بزهو الكشف والإشراق. وإذا كان الإجماع الأكاديمي يُجيز الخروج على السرديات الاستقرارية الكبرى بشرط تقديم أدلة جليلة توازي جسامة الادعاء، فإن إطلاق الأحكام القطعية بنفي المكون العربي وتفكيك النسيج الحضاري للأمة استناداً إلى يقين ذاتي مغلق يُعد مجازفة تتهافت نتائجها بتهافت مقدماتها، وتصنع سلفية هوياتية جديدة لا تقل تعصباً عن الأوثان التي ادعت هدمها.
تكمن المفارقة الكبرى في استدعاء نموذج الخلوة لشرعنة الأطروحة التاريخية في جهل تام -أو تجاهل متعمد- لمنطق الحجة والرسالة في التاريخ الإنساني. فحين اختلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم في غار حراء وقام بالدعوة، لم يطالب قومه بالإيمان لمجرد أنه اعتزل ورأى حقيقة، بل جاءهم بكتاب مبين وآيات بينات تصدت للحجاج، ونزلت إلى ميدان المناظرة، ودعت المخالفين إلى إتيان بسورة من مثله أو بعشر سور مفتريات، وجاهدتهم بالبرهان والبيان جهاداً كبيراً. أما الأطروحة التي بين أيدينا فتتخذ من الخلوة ستاراً يمنح الذات حصانة ضد المساءلة العلمية؛ فالكاتب يقرر النتائج الحاسمة التي تُسقط تراكم الأمة ورصيدها الحضاري، ثم لا يجد حاجة لإبانة الأدلة المقنعة، بل يكتفي بوضع نتاجه في قالب الحقيقة المكشوفة التي يُفترض في المطلع عليها التسليم بها، أو الوصم بالاستلاب والانحراف. إن العلوم لا تعترف باليقينيات المغلقة التي تُولد في الغرف المظلمة، بل تعترف بالمادة التحقيقية المعروضة على النقد والتمحيص، وحين يعجز الباحث عن تقديم الفرقان العلمي الذي يُثبت كيف انفصل الموري عن عروبته الإسلامية واللسانية عبر التاريخ، يتحول ادعاء الفتح الهوياتي إلى مجرد مجازفة لفظية لا تملك من السلطان المعرفي إلا ما توهمه صاحب الخلوة في اعتزاله.
تبلغ المأساة المنهجية ذروتها حين يتولى صاحب الخلوة تنصيب نفسه مجلساً أعلى للتحقيق التاريخي، ممارساً السلطة الشمولية ذاتها التي يعيبها على السلفية الإخبارية. فالكاتب لم ينزل إلى ميدان الفيلولوجيا والتحليل النصي ليناقش كيف تشكلت المفاهيم في ظروفها وسياقاتها، بل أصدر من خلوته أحكاماً ونسخاً قطعية ببطلان التراث الإخباري برُمّته، مخرجاً إلينا بأربع ثنائيات حادة ومتضادة؛ جعلت الأمازيغ بربراً، والغزاة فاتحين، ورجالات المقاومة المورية خوارج، والمصلحين متنبئين. إن هذا التبسيط يمارس بتراً مفهومياً يثبت جهلاً صريحاً بآليات حركة المجتمع والمذهب؛ فحين يصف حركة المقاومة ضد تجاوزات بعض ولاة بني أمية في ثورة مئة واثنين وعشرين للهجرة بأنها مقاومة مورية ويُسقط عنها البُعد الإسلامي، فهو يلغي حقيقة أن ثوار الأمازيغ إنما ثاروا باسم عدالة الإسلام ومبادئ القرآن ضد ظلم الولاة، واستمسكوا بمذهب الشراة والصفرية من الخوارج كبديل أيديولوجي إسلامي، ولم يثوروا من أجل عرقية مورية مجردة لم تكن مطروحة أصلًا في أدبيات العصر الوسيط. كما أن محاولة إعادة الاعتبار لبعض الحركات التنبيئية كبرغواطة بالدعوة إلى اعتبارهم مصلحين والقفز على التحريفات العقائدية التي أحدثوها، هو شطط يضحي بالحقائق العقدية واللغوية الصلبة لمصلحة صناعة رموز وطنية متخيلة، وكأن الإصلاح في المغرب لا يتم إلا بالخروج عن جادة الإسلام العريض ولسانه الحضاري.
ينكشف العجز المنهجي أيضاً حين يتعامل الكاتب مع التسميات التاريخية كالأمازيغ والبربر بأسلوب التحكم والانتخاب الذاتي بعيداً عن أدوات البحث الأكاديمي، فيقرر بضربة قلم إلغاء مصطلح وحظر تداوله وتنصيب آخر، دون أن يكلف نفسه عناء إجراء دراسة فيلولوجية أو طوبونيمية تفكك الأصول اللسانية والسياقات التاريخية لهذه التسميات. ومثل ذلك يسقط في الفخ الكولونيالي حين يستدعي المقترب الصليبي والاستشراقي في محاكمة الفتح الإسلامي، واصفاً الوجود العربي بالغزو السبيي والاستيطاني، وهي استعادة حرفية لأدبيات المدرسة الاستعمارية الفرنسية التي أصلت للظهير البربري وسعت لتفكيك الوحدة الوطنية عبر إيهام الأمازيغ بأن العرب استعمار قادم من الشرق، لتغطية الهيمنة الاستعمارية الغربية الحقيقية وتلميع وجهها. ويتجاهل الكاتب أن الفتح الإسلامي لم يكن استعماراً يحل شعباً محل شعب، بل كان تحولاً رسالياً وحضارياً شاملاً انخرط فيه الأمازيغ بذاتهم، فتعلموا العربية وعلموها، وأصبحوا قادة الفتوحات وبناة الإمبراطوريات المرابطية والموحدية التي حمت حوزة الإسلام واللسان العربي في المغرب والأندلس.
تكتمل دائرة الانحراف حين نتأمل التناقض الصارخ بين ادعاء النسك المعرفي وبين الارتهان الكامل لمقولات الأطروحة الفرنكونية الاستعمارية؛ إذ تتحول الخلوة من معمل للبحث إلى صالون لتمرير صكوك الاسترزاق الهوياتي التي تبدل المباني والمعاني. يظهر ذلك جلياً في التضليل المفهومي الذي يمارسه الكاتب حول لفظ المور، جاهلاً أن هذا المصطلح في المدوّنات القديمة لم يكن دالة على عرق خالص، بل كان تحديداً جغرافياً وطبوغرافياً لأهل أقصى الغرب في كروية الأرض الممتدة؛ حيث يقع “أقصى المغرب” التاريخي الحقيقي في الغرب الأمريكي عبر المحيط وفق خط الطول المرجعي للإدريسي، وليس مجرد المغرب الأقصى القُطري الذي يتوهمه القارئ اليوم. لقد قامت السردية الاستعمارية الأوروبية -عقب سقوط غرناطة واستعمار الأمريكتين في القرن التاسع عشر- بأكبر جريمة تزييف جغرافي بأثر رجعي، حين صادرت مئة وثمانين درجة كاملة من النصف الغربي للكرة الأرضية، ونقلت خط الطول المرجعي قسراً من خط الإدريسي في أقصى المغرب الأمريكي إلى “خط غرينتش” في لندن، وأعادت توطين اسم المغرب واقتطاع أقاليمه في إفريقيا لتجعل منه قوقعة عرقية محاصرة. وحين يأتي الكاتب ليتحدث من خلوته عن تاريخ موري محلي مغلق يرفض المكون العربي، فهو يمتثل كلياً لعمى الخريطة الاستعمارية، متجاهلاً أن المور والمغاربة والأندلسيين كانوا أسياد الملاحة والفلك في أقصى الغرب الكروي، وأن المكون العربي والإسلامي كان الشريك الفلكي واللساني الذي صاغ مع أخيه الأمازيغي هذه الخريطة الكونية الخالدة.
تتوج اللسانيات والدراسات المعجمية والمقارنة هذه الصدمة المنهجية بوجه أخير وصارم، حيث تتهاوى كل دعاوى الفصام اللغوي أو الصراع الهوياتي. فالأمازيغية في جوهرها وبنيتها ليست لساناً غريباً أو مناقضاً للعربية، بل إن التحليل الفيلولوجي الميداني يثبت أن نسبة هائلة تتراوح بين ثمانين ومئة بالمئة من معجم الأمازيغية ونحوها وصرفها وتصريف أفعالها تستند إلى أصول وجذور عربية أصيلة. وفي علم اللغات، يُعد استغناء لغة عن هذه النسبة الكلية لتعيش بمفردها أمراً مستحيلاً علمياً وعملياً، مما يجعل الأمازيغية في أصلها الحضاري دارجة ولساناً عربياً أصيلاً في أقصى الغرب احتضنه الأمازيغ ببديهتهم وطوّروا به علومهم. إن محاولة الكاتب نزع هذا الأصل العربي عن الأمازيغية ليست نضالاً، بل هي دعوة لإعدام الذات الأمازيغية وتجريدها من وعائها الحضاري الممتد.
تُثبت نصوص المقدمة في النهاية أن الكاتب لم يقدم بديلاً أكاديمياً يقوم على التحقيق الفيلولوجي أو مساءلة الوثائق، بل استبدل بالسلفية التاريخية سلفية هوياتية استبدادية، تنصب صاحب الخلوة كأنه آخر متنبئي المور، يوزع صكوك الوطنية والوصم بالاستلاب والعمالة على مخالفي رأيه، وينادي بآلية فرعونية لا تري الناس إلا ما يرى. إن التحرر الحقيقي لا يكون بالتنصل من العروبة واللسان والإسلام تحت دعوى المركزية المورية المتخيلة، بل بالوعي بأن الذات المغاربية صاغها الأمازيغ والعرب معاً كشريكين في البناء والعمران والدين واللسان، وأن هدم أوثان السلفية الحقيقي يبدأ أولاً بهدم صنم الخلوة الإشراقية، والعودة إلى حياض الصرامة العلمية والمصادرية الصلبة التي تتسع لكامل تعقيد وأصالة تاريخنا العظيم.




