
عندما يفسر العالم ويبين ويفتح فمه أو يغلقه، لا بناء على القواعد الشرعية وما تطالب به أمثاله من أهل العلم، وتطوق أعناقهم وذممهم ببيان الميثاق وعدم كتمانه، وإنما يكون دافع الكلام أو الصمت هي المغانم والمناصب، فيرجح بناء عليها، ويتعارض عنده البيان الشرعي مع المناصب والمغانم، فيختار ترجيح كفة الغنائم والمناصب، ويلبي دعوة بريقها، ولا يتمعر أن يطوح بالبيان الشرعي ويزدريه من أجل ما سالت له لعابه من لعاعات الدنيا ومفاتنها التي تعرضت إليه فلم يعرض عنها، بل أقبل إليها خاطبا ودها، راغبا في وصلها.
الذئاب الجائعة:
ولقد سمى النبي الكريم هذا الاختيار الرذيء، والترجيح السيء ب: الذئاب الجائعة. فقال صلى الله عليه وسلم في روايات متعددة:” مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ فِي حَظِيرَةٍ وَثِيقَةٍ يَأْكُلَانِ وَيَفْرِسَانِ أَسْرَعَ مِنْ حُبِّ الشَّرَفِ وَحُبِّ الْمَالِ فِي دِينِ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ”، ” ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه”، ” ما ذئبان ضاريان باتا في حظيرة فيها غنم يفترسان ويأكلان بأسرع فسادا فيها من طلب المال والشرف في دين المسلم”، ما ذئبان ضاريان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه”…
إن الحرص على المال، وعلى الوجاهة، ذئبان جائعان يفترسان دين المرء، يفسدان عليه دينه ودنياه..وإنما سماها عليه وسلم بالذئاب الجائعة، لأن جوع أهل العلم للمناصب والمغانم لا يناسبها من جنس العقوبة إلا مثلها في الجوع، وهي جوع الذئاب المفترسة.
مفاسد الذئاب الجائعة:
إن ترك البيان الشرعي، الذي هو ميثاق الله تعالى بينه وبين أهل العلم، حرصا على المغان والمناصب، له عائدة كبيرة من المفاسد الموبقة، ومنها:
1ـ إفساد المسلم لدينه: وهو منطوق أحاديث الذئاب الجائعة.
2ـ لعن الله ولعنة اللاعنين من خلقه: فيحمل هؤلاء العلماء الجائعون للمناصب والمغانم، المقدمون ثمنها ترك البيان الشرعي. فقال عز من قائل:” إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون”(البقرة:159).
فيلعنهم العلي القدير عن قبيح ما قاموا به. ويلعنهم اللاعنون من الصالحين والطالحين. فأما الصالحون فمما أزعجهم من التضحية بالدين، وأما الطالحون فلما أوبقهم هؤلاء في الجهالة من غير تبصير.
3ـ ملء بطونهم بحطب نار جهنم.
4ـ إعراض العلي القدير عنهم وعن الحديث معهم، ازداء وتوبيخا.
5ـ نزع البركة منهم.
6ـ الختم بالعذاب الأليم لهم.
وهذه الأربعة الأخيرة قد بينها عز وجل في قوله:” إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار (البقرة:174 ـ 175).
التأليف في الذئاب الجائعة:
ونظرا لخطورة الذئاب المفترسة الضارية على العلماء الذين هم موضوع حديث الذئاب الجائعة. فقد نهض أهل العلم للتصنيف في هذا الحديث. وأشهرهم ممن اذكره الآن، الحافظ ابن رجب الحنبلي، الذي ألف كتابه:” شرح حديث: ما ذئبان جائعان”.
فاللهم عفوك وعافيتك.




