رأي

في التحذير من “الجلطة السياسية” 

حسن حمورو

في مجال الطب، لا تقع الجلطة الدماغية فجأة كما يتخيل الكثيرون، بل تكون في الغالب نتيجة تراكمات صامتة تبدأ بانسداد شريان صغير أو بضعف تدفق الدم إلى جزء من الدماغ، ثم تتطور الأعراض تباعاً، من فقدان التوازن واضطراب الكلام إلى تنمل بعض الأطراف وضعف القدرة على التفاعل مع المحيط، وما إن يتأخر التشخيص والعلاج حتى تصبح المضاعفات أكثر خطورة، وقد تتحول إلى عجز دائم.

هذه المعطيات الطبية يمكن أن نجد ما يشبهها في السياسة أيضا، فهناك جلطات لا تصيب الأفراد فحسب، بل تصيب الدول والحياة العامة، فتشل حيوية المؤسسات، وتضعف الثقة، وتربك التواصل بين الدولة والمجتمع.

وإذا كانت انتخابات 8 شتنبر 2021 قد شكلت منعطفا سياسيا لافتا في المغرب، من خلال إعادة رسم الخريطة الحزبية وإحداث تحول واسع في موازين القوى، فإن السنوات التي تلتها جعلت التساؤل حول ما إذا كانت السياسة المغربية قد أُصيبت بجلطة صامتة أمراً مشروعا إن لم يكن ضروريا. 

وإذا كانت أولى أعراض الجلطة الدماغية، كما يحددها الطب، تتمثل في فقدان القدرة على الحركة الطبيعية، فإن أولى أعراض الجلطة السياسية تتجلى في فقدان التنافسية الحقيقية، ويعني ذلك أن الأحزاب السياسية تصبح متشابهة في الخطاب والبرامج، ويتراجع الصراع السياسي حول المشاريع والرؤى، وتتحول السياسة إلى مجرد إدارة تقنية للشأن العام، بدل أن تكون فضاءً للاختيارات المتعددة. وعندها يفقد المواطن القدرة على التمييز بين البدائل، ويصبح التصويت في الانتخابات أقرب إلى سلوك روتيني منه إلى فعل سياسي مؤثر.

أما العرض الثاني للجلطة الدماغية فهو اضطراب الكلام، فالمريض المصاب بالجلطة يجد صعوبة في التعبير عما يريد قوله، والسياسة المصابة بالجلطة تعاني بدورها من عجز في التواصل مع المجتمع، فرغم كثرة البلاغات والتصريحات والخطابات، فإن الرسائل لا تصل، أو تصل فاقدة للحرارة والإقناع، وهكذا يتحول الخطاب السياسي إلى لغة منفصلة عن انشغالات الناس اليومية، فلا يجد المواطن نفسه داخل النقاش العمومي، ولا يشعر بأن صوته مسموع أو أن مشاكله تحظى بفرص حقيقية للحل.

ويتمثل العرض الثالث للجلطة الدماغية في ضعف الإحساس بالأطراف وتنملها،  والسياسة، حين تفقد الإحساس بأطراف المجتمع، تصبح عاجزة عن التقاط النبض الحقيقي للشارع، وهنا تتسع المسافة بين المؤسسات والمواطنين، وتتحول الاحتجاجات الافتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي إلى بديل عن الوساطة الحزبية والنقابية والمدنية، وبطبيعة الحال، عندما تضعف قنوات التأطير التقليدية، يبحث المجتمع عن منافذ أخرى للتعبير، وغالباً ما تكون أقل تنظيما وأكثر توترا. 

غير أن أخطر أعراض الجلطة السياسية يتمثل في فقدان الثقة، فتقارير المؤسسات الدستورية ودراساتها المنجزة خلال السنوات الأخيرة في المغرب، تشير باستمرار إلى هشاشة الثقة في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة، مقارنة بمؤسسات أخرى. وبكل تأكيد، توجد علاقة مباشرة بين منسوب الثقة ومستوى المشاركة السياسية، فكلما تراجعت الثقة، انخفضت الرغبة في الانخراط والمشاركة والتصويت.

والثقة في الحياة السياسية تشبه الدم في جسم الإنسان، فقد تستمر بعض الأعضاء في أداء وظائفها لبعض الوقت رغم انخفاض تدفق الدم إليها، والأمر نفسه ينطبق على المؤسسات، إذ يمكن أن تستمر في العمل لفترة معينة رغم ضعف الثقة فيها، غير أن استمرار هذا التآكل يحولها إلى جسد يتحرك بلا روح.

ومن آثار ذلك أن الناخب الذي يعتقد أن صوته لا يغير شيئا، والشاب الذي لا يرى في الأحزاب أداة لتحقيق تطلعاته، والمواطن الذي لا يلمس أثرا ملموسا للمحاسبة السياسية، ينسحبون تدريجيا من المجال العام، تاركين فراغا لا يخدم الديمقراطية، حتى في أكثر صورها تواضعا والمسماة هجينة أو انتقالية. 

ولنعد إلى انتخابات 2021 التي أظهرت، بحسب الأرقام الرسمية، ارتفاعا ملحوظا في نسبة المشاركة بعدما تجاوزت الخمسين في المائة مقارنة بمحطات سابقة، وهو ما خلق أملا بإمكانية تجديد العلاقة بين المواطن والسياسة، إلا أنه سرعان ما اتضح أن ذلك الأمل لم يكن كافيا، لأن الرهان الحقيقي لم يكن يوم الاقتراع فقط، بل فيما بعده، انعكاس ذلك على نجاح المؤسسات المنتخبة في تحويل تلك المشاركة إلى ثقة مستدامة، وفي إقناع المواطنين بأن السياسة ما تزال قادرة على إنتاج الأمل والحلول. 

وجاءت الإجابة تباعا من خلال مؤشرات متعددة، سواء عبر الدراسات واستطلاعات الرأي، أو من خلال موجات الاحتجاج التي عرفتها البلاد في مختلف المناطق، شمالا وجنوبا، في المدن والبوادي، قبل أن تبلغ ذروتها مع احتجاجات جيل “زد”.

بمعنى آخر، إذا كانت الجلطة الدماغية لا تُعالج بالمسكنات، بل بإعادة فتح الشرايين واستعادة تدفق الدم، فكذلك الجلطة السياسية لا تُعالج بالشعارات ولا بحملات التواصل الظرفية، وإنما بإعادة الاعتبار للوساطة السياسية، وتقوية دور الأحزاب، وتوسيع فضاءات النقاش العمومي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومنح المواطنين أسبابا حقيقية للاعتقاد بأن مشاركتهم يمكن أن تحدث فرقا. 

وخلاصة القول، إن المغرب لا يعاني من غياب المؤسسات، بقدر ما يعاني من الحاجة إلى ضخ مزيد من الحيوية في أوصالها، فالديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع تُفتح كل بضع سنوات، بل هي شعور جماعي بأن الشأن العام ملك للجميع، وأن لكل مواطن قدرة على التأثير في مساره، وعندما يضعف هذا الشعور، تبدأ أعراض الجلطة السياسية في الظهور، ليس داخل الأحزاب فقط، بل داخل المجتمع بأسره.

بقيت الإشارة إلى أن توظيف الاستعارات الطبية في قراءة الحياة السياسية ليس أمرا جديدا أو غريبا عن الخطاب العمومي المغربي، فقد سبق للملك الراحل الحسن الثاني، رحمه الله، أن استعار مفردات من عالم الطب خلال افتتاحه السنة التشريعية 1995-1996، عندما تحدث عن طلبه من البنك الدولي إنجاز ما وصفه بـ”راديوغرافية نزيهة ودقيقة” لأوضاع التعليم والإدارة والاقتصاد بالمغرب، في إشارة إلى الحاجة إلى تشخيص موضوعي للأعطاب قبل الشروع في العلاج والإصلاح. 

وإذا كانت الراديوغرافية تُستعمل لكشف الاختلالات الخفية في جسم الإنسان، فإن الحديث في هذا المقال عن “الجلطة السياسية” يندرج في المنطق نفسه، أي البحث عن صورة تفسيرية تساعد على فهم ما يعتري الحياة السياسية من أعطاب في التمثيل والثقة والوساطة، لأن الإصلاح، في السياسة كما في الطب، يبدأ دائما بالتشخيص الدقيق، والدول لا تتعافى بإنكار أعراض الأمراض التي يمكن أن تعتريها، وإنما بالاعتراف بها والسعي إلى معالجتها في الوقت المناسب.

ولهذا فإن التحدي الأكبر اليوم ليس هو الفوز في انتخابات 23 شتنبر 2026، بل استعادة الثقة المفقودة، فالأمم لا تتقدم بقوة اقتصادها أو حجم مشاريعها الكبرى فحسب، بل أيضا بسلامة دورتها السياسية وحيوية مؤسساتها، وإذا كانت الجلطة الدماغية تهدد حياة الإنسان، فإن الجلطة السياسية تهدد روح الديمقراطية ذاتها، وربما تهدد الدولة كذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى