
حين نرى شبابًا يلتفّون حول شيخ أو داعية أو خطاب ديني معيّن، يسارع بعضنا إلى السؤال: ما الذي جذبهم إليه؟ وكيف اقتنعوا بخطابه؟ ولماذا منحوه هذه الثقة؟
لكن ربما يكون السؤال الأهم سابقًا على ذلك كله:
ما الأخطاء التي ارتكبناها نحن؟
وما المبالغات التي انسقنا وراءها؟
وما التهورات التي جرفتنا إليها العاطفة والحماسة قبل أن يحضر العقل والشرع والحكمة؟
إن الظواهر الفكرية والدعوية لا تنشأ دائمًا من قوة أصحابها وحدهم، بل قد تنمو أحيانًا في الفراغات التي يتركها غيرهم؛ فراغ التربية، وضعف الخطاب المتزن، وغياب القدوة، وقلة الاحتضان، وعجزنا عن مخاطبة أسئلة الشباب بلغة تجمع بين صدق الدين ووعي الواقع.
ومن أخطر ما يقع فيه الخطاب الديني أن تتحول الحماسة إلى بديل عن العلم، والعاطفة إلى بديل عن الفقه، والاندفاع إلى بديل عن الحكمة، وصدق النية إلى مبرر لضعف النظر في المآلات.
والقرآن لم يجعل الخير في مجرد الحركة والاندفاع، وإنما ربط العمل بالبصيرة:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾.
والبصيرة أوسع من المعرفة؛ فهي علمٌ بالشرع، وفهمٌ للواقع، وتقديرٌ للمآلات، وتمييزٌ بين الممكن والمتعذر، وبين المصلحة المتوهمة والمصلحة الحقيقية.
ومن هنا يأتي فقه المقاصد ليذكّرنا بأن صحة الشعارات لا تكفي، وأن الأعمال لا تُقاس فقط بحرارة بداياتها، بل كذلك بما تنتهي إليه من آثار. فكم من موقف بدأ بنية حسنة ثم انتهى إلى فتنة، وكم من خطاب أراد الإصلاح فأنتج استقطابًا، وكم من حماسة أرادت نصرة الحق لكنها لم تحسن تقدير الزمان والمكان والقدرة والمآلات.
وقد أرشدنا القرآن إلى هذا الميزان العظيم:
﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛
فالمنهي عنه هنا ليس لأن الغاية غير صحيحة، وإنما لأن مآل الفعل قد يؤدي إلى مفسدة أكبر.
ولهذا فنحن بحاجة إلى مراجعة هادئة لا إلى جلد للذات؛ مراجعة تسأل: أين بالغنا؟ أين عمّمنا؟ أين اختزلنا الواقع المعقد في شعارات بسيطة؟ أين خلطنا بين الثبات على المبدأ والجمود في الوسيلة؟ أين جعلنا المخالف خصمًا، والخصم عدوًا، والاختلاف معركة وجود؟
ونحتاج كذلك إلى الاعتراف بأن الشباب لا يبحثون فقط عمن يعطيهم المعلومات، بل عمن يمنحهم المعنى والانتماء والأمل والوضوح والشعور بالكرامة والفاعلية. فإذا لم يجدوا هذه الحاجات في خطاب متزن راشد، فقد يجدونها في خطاب أكثر حدة وحماسة وجاذبية.
وهنا لا يكفي أن نقول للشاب: لا تتبع فلانًا؛ بل ينبغي أن نقدم له ما هو أعمق: منهجًا في التفكير، وفقهًا في الاختلاف، وميزانًا في الحكم، وقدرة على التحقق، ووعيًا بالمآلات، وتربية تجعله لا يسلّم عقله لأي شخصية مهما بلغت مكانتها.
فالقرآن لا يريد إنسانًا مندفعًا بلا بصيرة، ولا مترددًا عاجزًا عن المبادرة؛ وإنما يريد إنسانًا راشدًا يعرف متى يتحرك، وكيف يتحرك، ولماذا يتحرك، وإلى أين يمكن أن يقوده اختياره.
إن سؤال: «لماذا التف الشباب حول هذا الشيخ أو ذاك الداعية؟» قد يكون سؤالًا متأخرًا.
أما السؤال التربوي الأعمق فهو:
ما الذي لم نقدمه للشباب حتى بحثوا عنه في مكان آخر؟
وما الذي ينبغي أن نراجعه في خطابنا وتربيتنا وممارساتنا؟
فالمرحلة لا تحتاج مزيدًا من المزايدات، وإنما تحتاج علمًا بلا تعالٍ، وحماسة بلا تهور، وثباتًا بلا تشدد، ورحمة بلا ضعف، وشجاعة يحكمها العقل، ودعوة تضبطها الحكمة، واختيارًا يزن المآلات قبل أن يدفع ثمنها الناس.
إنها دعوة للانتقال من حماسة اللحظة إلى حكمة المآل، ومن الانفعال بالأحداث إلى الرشد في التعامل معها؛ فليس كل ما يحرّك العاطفة حقًا، وليس كل ما يبدو شجاعًا حكمة، وإنما الرشد أن نجمع بين صدق المقصد، وصحة الوسيلة، وحسن تقدير النتائج.




