مجتمع

إلى متى يبقى المتقاعد مبعدًا عن الاستشارة ويُطالَب منه التضحية؟

ذ. عبدالعزيز رجاء: الرئيس المؤسس لهيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب ORCM

 يتجدد النقاش حول التقاعد، والمغرب مقبل على انتخابات تشريعية مقررة يوم 23 شتنبر 2026، حيث أصبح ملف ملايين المتقاعدين وأسرهم أكثر حضورًا في الخطاب السياسي والحزبي. ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم، بعيدًا عن الحسابات الانتخابية، هو: ماذا تحقق فعليًا للمتقاعد الحالي؟ ومن سيتحمل مسؤولية السنوات العجاف التي فاقت 27 عام ومعاشات الصندوق المغربي للتقاعد مجمدة ؟
لجن تقنية… وانتظارات المتقاعد لا تنتهي…
في 9 يوليوز 2026، عقدت وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح اجتماعًا مع ممثلي المركزيات النقابية في إطار اللجنة التقنية المكلفة بإصلاح أنظمة التقاعد، وذلك بعد سلسلة من الاجتماعات التي شملت مسؤولي أنظمة التقاعد الأربعة. والتي انتهت وفق المعطيات المنشورة، إلى تجميع خلاصات أعمالها وإحالتها في اتجاه اللجنة الوطنية، مع استمرار النقاش حول المرحلة المقبلة. والأكثر دلالة أن المعطيات المتداولة أشارت إلى احتمال ترحيل الملف إلى الحكومة المقبلة، في وقت أكدت فيه وزيرة الاقتصاد والمالية أن استدامة أنظمة التقاعد لا يمكن تحقيقها من دون إصلاح شامل ومتوافق بشأنه. وهنا يمكن طرح سؤالًا مشروعًا: هل يمكن الحديث عن إصلاح التقاعد من دون أن يكون المتقاعد الحالي حاضرًا في صلب هذا الإصلاح؟ فاللجنة التقنية يمكن أن تدرس المؤشرات المالية والديمغرافية، والنقابات يمكن أن تدافع عن مصالح الأجراء، والحكومة يمكن أن تبحث عن توازنات الميزانية، لكن المتقاعد الذي يتلقى معاشه كل شهر هو صاحب المصلحة المباشرة في كل قرار سيتخذ. ومع ذلك، يظل حضوره في المشاورات محدودًا أو غائبًا، وكأن المتقاعد انتهى دوره بمجرد مغادرته الوظيفة.
مفارقة : الحكومة منشغلة بالبحث المقاعد… والمتقاعد منشغل بالبحث عن لقمة العيش.
الأكثر إثارة للقلق اليوم هو أن الحكومة تبدو وكأنها دخلت عمليًا في أجواء الاستحقاق الانتخابي قبل أوانه، وانشغلت بالحسابات المرتبطة بالمقاعد البرلمانية، وبالتنقل بين جهات المملكة في إطار اللقاءات والتجمعات والترويج لمرشحيها وبرامجها الانتخابية، بينما تظل أوضاع المتقاعدين المعيشية في مؤخرة سلم الأولويات. فالأحزاب المكونة للحكومة تجد الوقت والإمكانات لتنظيم الجولات واللقاءات الانتخابية، فهي مطالبة بأن تجد أيضًا الوقت والإرادة السياسية لمعالجة أوضاع مواطنين أفنوا عقودًا من حياتهم في خدمة الإدارة والدولة والمجتمع. فكيف يمكن أن يجد المسؤولون الوقت للتنقل عبر جهات المملكة بحثًا عن الأصوات والمقاعد، ولا يجدون الوقت الكافي للاستماع إلى صوت المتقاعد الذي يعيش اليوم على معاش لا يكفيه أحيانًا لتغطية أساسيات الحياة؟ هذه ليست مسألة مزايدة سياسية، وإنما سؤال يتعلق بالأولويات. المتقاعد لا يطلب حملة انتخابية، ولا مهرجانًا، ولا خطابًا منمقًا. إنه يطلب معاشًا يحفظ كرامته، ورعاية اجتماعية تقيه الهشاشة، وحقًا أصيلًا في المشاركة في القرارات التي تحدد مستقبله. ومن غير المقبول أن يصبح المتقاعد حاضرًا في الحسابات السياسية عندما تحتاج الأحزاب إلى صوته، ثم يغيب عن طاولة القرار عندما يتعلق الأمر بتحديد حقوقه.
إصلاح الصناديق شيء وإنصاف المتقاعد الحالي شيء آخر
ثمة خلط ينبغي وضع حد له. إصلاح أنظمة التقاعد ورش هيكلي طويل الأمد، يتعلق بالحكامة والتمويل والاستدامة والتوازن بين الاشتراكات والمنافع والانتقال الديمغرافي وتوحيد أو تقارب الأنظمة. أما تحسين معاشات المتقاعدين الحاليين فهو قضية اجتماعية عاجلة لا ينبغي رهنها بانتهاء الإصلاح الهيكلي. لا يجوز أن يقال للمتقاعد (الدي تم تهميشه بما يكفي) انتظر حتى تنتهي الحكومة من إصلاح الصناديق. فالذين يتقاضون معاشات زهيدة لا يستطيعون الانتظار سنوات أخرى في مواجهة ارتفاع كلفة الغذاء والسكن والطاقة والنقل والعلاج. لذلك، فإن موقفنا واضح: الإصلاح طويل الأمد يجب أن يسير بالتوازي مع إجراء اجتماعي فوري ينصف أصحاب المعاشات الحالية، ولا سيما أصحاب المعاشات الدنيا.
الزيادة الفورية ليست منّة… بل ضرورة اجتماعية
إذا كانت الحكومة تتحدث عن دعم القدرة الشرائية، وإذا كانت الإجراءات الاجتماعية التي اتخذتها في إطار الحوار الاجتماعي ستبلغ، وفق التصريحات الحكومية، نحو 49.7 مليار درهم مع نهاية 2026 وبداية 2027، فإن السؤال المشروع هو: أين يوجد المتقاعد الحالي في هذه المعادلة؟ في مقابل استفادة فئات من زيادات في الأجور. ومن هنا، يجب أن تكون الأولوية واضحة:
ــ زيادة عامة وفورية في المعاشات الحالية، مع إجراء إضافي تصاعدي لصالح أصحاب المعاشات الدنيا؛
ــ رفع الحد الأدنى للمعاش هو المدخل الحقيقي للإنصاف؛
إن هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب لا ترى في رفع الحد الأدنى للمعاش ترفًا أو مطلبًا فئويًا؛ إنه، قبل كل شيء، اختبار حقيقي لمفهوم الدولة الاجتماعية. وإذا كانت الحكومة قد جعلت تحسين دخل المتقاعدين جزءًا من التوجيهات المؤطرة لإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بعبارة عامة من قبيل «تحسين دخل المتقاعدين»، وإنما تحويلها إلى رقم واضح، وآلية واضحة، وتاريخ واضح، ومصدر تمويل واضح. المتقاعد لا يحتاج إلى خطاب جميل، بل يحتاج إلى :
كم ستكون الزيادة؟ من سيستفيد منها؟ متى ستصرف؟ ما هو الحد الأدنى الجديد للمعاش؟ هل ستشمل جميع المتقاعدين ؟ هل ستكون الزيادة دائمة أم إجراءً استثنائيًا؟ وهل ستربط مستقبلًا بالتضخم وكلفة المعيشة؟
أما ترك الأمر مفتوحًا أمام التأويلات، فهو استمرار للغموض الذي طبع هذا الملف لسنوات.
من يتحمل مسؤولية الاختلالات؟

المتقاعد ليس مسؤولًا عن القرارات التي اتخذت قبل عقود. ولم يكن هو من وضع قواعد الحكامة أو الاستثمار، ولا هو من رسم سياسات التوظيف والاشتراكات، ولا هو من اتخذ القرارات المتعلقة بتدبير الصناديق. المتقاعد أدى ما كان مطلوبًا منه أثناء حياته المهنية. ولهذا، فإن أي إصلاح يحاول سد الاختلالات عن طريق رفع الاقتطاعات، أو تخفيض الحقوق، أو تمديد سن العمل، أو تقليص قيمة المعاشات المستقبلية، من دون معالجة جذور الاختلالات ومراجعة الحكامة ومصادر التمويل، سيكون إصلاحًا ناقصًا ومحملًا اجتماعيًا على الفئات الأضعف. والأخطر من ذلك أن يصبح المتقاعد الحالي هو الحلقة التي يُطلب منها دائمًا أن تضحي باسم الاستدامة المالية .

المتقاعد ليس كائنا انتخابيا وليس مجرد ورقة للدعاية الانتخابية
مع اقتراب انتخابات 23 شتنبر 2026، بدأت الأحزاب تكتشف، مرة أخرى، الأهمية السياسية والاجتماعية للمتقاعد. ونحن في هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب لا نرفض أن تتبنى الأحزاب مطالب المتقاعدين، بل نرحب بأي موقف سياسي يدافع بصدق عن هذه الفئة. لكننا نرفض أن يتحول المتقاعد إلى ورقة انتخابية موسمية. فالحكومة والأحزاب التي تنشغل اليوم بالمقاعد البرلمانية، وتتنقل عبر مختلف جهات المملكة لتقديم مرشحيها واستقطاب الناخبين، مطالبة بأن تجيب بوضوح عن سؤال بسيط: ماذا قدمتم للمتقاعد قبل أن تطلبوا صوته؟ كما أننا لا نريد وعودًا انتخابية جديدة، ولا خطابات موسمية، ولا صورًا مع المتقاعدين خلال الحملات الانتخابية. نريد تعهدات مكتوبة، وأرقامًا محددة، ومصادر تمويل واضحة، وجدولًا زمنيًا قابلًا للمحاسبة. فالذي يريد أصوات المتقاعدين عليه أولًا أن يحترم كرامتهم. كما لا نريد مزايدات انتخابية… نريد تعهدات قابلة للمحاسبة لقد آن الأوان لكي يتغير منطق التعامل مع ملف التقاعد. و لا ينبغي للمتقاعد أن يظهر في البرامج الانتخابية فقط، ثم يختفي من أجندة الحكومة بمجرد انتهاء الانتخابات. والحكومة مطالبة بأن تدرك أن المتقاعد ليس رقمًا انتخابيًا، بل مواطن أدى واجبه تجاه الدولة، وساهم في بناء الإدارة والمؤسسات والاقتصاد والمجتمع، ومن حقه أن يعيش بقية حياته بكرامة.
وإذا كانت الدولة قادرة على تعبئة عشرات المليارات من الدراهم لدعم القدرة الشرائية وتمويل برامج وإجراءات اجتماعية مختلفة، فمن حق المتقاعد أن يسأل: لماذا لا تستطيع الدولة أن تجد حلًا عاجلًا لمعاشات المتقاعدين الدنيا؟ وإذا كانت الحكومة تقول إن تحسين دخل المتقاعدين أصبح من أولويات إعداد مالية 2027، فإن المطلوب هو الانتقال من اللغة السياسية إلى الالتزام المالي والقانوني.
إصلاح التقاعد يجب أن يبدأ من المتقاعد… لا من الصناديق : الإصلاح الحقيقي لا ينبغي أن يبدأ بالسؤال: كيف نضمن للمتقاعد حياة كريمة ومستدامة، ونضمن في الوقت نفسه استدامة الصناديق؟ وهذا يقتضي إصلاح الحكامة، وتحسين مردودية الاستثمارات، وتنويع مصادر التمويل، ومحاربة كل أشكال سوء التدبير، ومراجعة مساهمات الدولة، وتوسيع قاعدة المنخرطين، وإدماج الاقتصاد غير المهيكل، وإيجاد مصادر تمويل تضامنية، مع حماية الحقوق المكتسبة. مع إقرار آلية دورية لمراجعة المعاشات وفق تطور الأسعار وكلفة المعيشة، حتى لا يجد المتقاعد نفسه بعد سنوات أمام معاش اسمي لم يتغير، بينما تغيرت قيمة النقود وتضاعفت كلفة الحياة.

لا يمكن إصلاح التقاعد بإقصاء المتقاعدين وهيئاتهم وجمعياتهم .
من أكثر ما يثير الاستغراب أن المتقاعد يُطلب منه أن يتحمل نتائج الإصلاح، لكنه لا يُمنح حق المشاركة الكاملة في صياغته. وهنا تجدد هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب دعوتها إلى إشراك الهيئات والجمعيات الممثلة للمتقاعدين في اللجنة الوطنية واللجنة التقنية وكل مراحل إعداد الإصلاح. فالاستشارة ليست امتيازًا، إنها شرط من شروط الحكامة الجيدة. ومن غير المنطقي أن تتخذ قرارات مصيرية بشأن مستقبل معاشات ملايين المواطنين من دون أن يسمع صوت المعنيين المباشرين.

رسالتنا إلى الحكومة والأحزاب:
لقد انتهى زمن التشخيص المفتوح. أنتم اليوم أمام مشروع قانون مالية 2027، وأمام استحقاق اجتماعي وانتخابي، وأمام فئة لم يعد بإمكانها انتظار لجنة جديدة أو تقرير جديد. إذا كانت الحكومة منشغلة بالاستحقاقات الانتخابية وبالمقاعد البرلمانية وبالجولات عبر جهات المملكة، فعليها ألا تنسى أن وراء كل رقم انتخابي إنسانًا، وأن وراء كل متقاعد أسرةً والتزاماتٍ وحياةً يوميةً لا تنتظر نتائج الانتخابات. التي تعد موعدا سياسيا، أما كرامة المتقاعد فهي استحقاق إنساني واجتماعي يومي لا يحتمل التأجيل.
ونقول للأحزاب: لا تجعلوا المتقاعد سلعة انتخابية. من يريد أصوات المتقاعدين فليقدم لهم تعهدات مكتوبة، وأرقامًا واضحة، ومصادر تمويل محددة، وجدولًا زمنيًا قابلًا للمحاسبة.
ونقول للمتقاعدين:
لا تصدقوا من يكتفي بالتصفيق لمطالبكم. حاسبوا كل من يتحدث باسمكم، واسألوه: ماذا فعل؟ وماذا سيفعل؟ ومتى؟ وكيف؟
الزيادة الآن… والإصلاح بالتوازي
إن هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب لا تعارض الإصلاح الشامل، لأننا ندرك أن استدامة أنظمة التقاعد قضية وطنية. لكننا نرفض أن تتحول كلمة «الإصلاح» إلى ذريعة لتأجيل إنصاف المتقاعد الحالي نريد إصلاحًا مستدامًا،. وحكامة أفضل للصناديق.وعدالة بين الأنظمة، وتوسيع قاعدة التمويل وضمان الاستدامة. لكن قبل كل ذلك، نريد:
زيادة فورية في المعاشات الحالية.
رفعًا حقيقيًا للحد الأدنى للمعاش.
آلية دائمة لحماية القدرة الشرائية.
وإشراكًا فعليًا للمتقاعدين في كل مراحل الإصلاح.
فالمتقاعد الذي قضى ثلاثين أو أربعين سنة في خدمة الوطن لا يمكن أن يُطلب منه أن ينتظر أكثر، ولا أن يتحمل وحده فاتورة اختلالات لم يصنعها. لقد آن الأوان لأن تنتقل الدولة من إدارة ملف التقاعد إلى بناء سياسة وطنية للشيخوخة الكريمة. وآن للأحزاب أن تنتقل من استثمار ملف المتقاعدين انتخابيًا إلى تقديم تعهدات قابلة للمحاسبة.
وآن للحكومة أن تثبت أن عبارة «تحسين دخل المتقاعدين» الواردة في توجيهات إعداد مالية 2027 ليست مجرد صياغة إدارية، وإنما بداية قرار اجتماعي واضح. فالزيادة في معاشات المتقاعدين ليست منّة من أحد، ورفع الحد الأدنى للمعاش ليس شعارًا انتخابيًا، وإشراك المتقاعد في القرار ليس فضلًا من المؤسسات. إنها حقوق مرتبطة بالكرامة والمواطنة والعدالة الاجتماعية.
فإلى متى يبقى المتقاعد مبعدًا عن الاستشارة، ويُطالَب منه دائمًا أن يضحي؟ الجواب لم يعد يحتمل مزيدًا من اللجان. الآن وقت القرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى