رأي

هدم أوثان المتنبئين الجدد (2): في تفكيك المقولات المنهجية والأوهام التاريخية

الدكتور مصطفى بوهندي استاذ التعليم العالي باحث في تاريخ وجغرافية ولغات الأديان

استكمالاً للحلقة الأولى التي كشفت تهافت «الخلوة الإشراقية» واستبدالها للبرهان التاريخي والمادة الفيلولوجية بيقينيات مغلقة، ننتقل اليوم إلى تفكيك المقولات المركزية التي بنى عليها عبد الخالق كلاب أطروحة «أوثان السلفية التاريخية».
نضع في هذه الحلقة ادعاءات الكتاب على محك التمحيص المصدري والتحليل اللساني والجغرافي، رصداً للاجتزاء المفهومي والوقوع في الفخ الاستعماري للتاريخ، عبر المحاور التالية:
تهافت الثنائيات الحادة: كشف عجز الأطروحة عن فهم حركة المجتمع والمذهب، باختزالها المقاومات والحركات الإصلاحية في المغرب الوسيط إلى صراعات عرقية مجردة.
المأزق الفيلولوجي والطوبونيمي: رصد التحكم الذاتي في حظر المصطلحات التاريخية، وعزل الألسن المغاربية عن عمقها المعجمي والصرفي الأصيل.
الارتهان للمقترب الكولونيالي: كشف آلية استعادة السرديات الاستعمارية وتزييفها للجغرافيا التاريخية لأقصى الغرب الحضاري والإسلامي.
نواصل هذا المسار لتبيان أن التحرر المعرفي لا يتحقق باستبدال سلفية إخبارية بأخرى هوياتية، بل بالاستمساك بشرط البرهان والعودة إلى التحقيق العلمي الصلب الذي يستوعب حقيقة الشراكة الحضارية واللسانية في تاريخنا المجيد.
عن وهم “القطيعة المورية”: تفكيك سردية العزل واستنزاف التاريخ المغربي
تستوقف المتابعَ للأنشطة الفكرية على منصات التواصل الاجتماعي بعضُ المقالات التي تتزين بعباءة “الدفاع عن الذات الوطنية”، بينما تدعو في جوهرها إلى اقتطاع المغرب من محيطه الحضاري، وإعادة تأسيس هويته على مفهوم مغلوق يُدعى “الأمة المورية”، متذرعةً باكتشافات أركيولوجية جليلة لتصل إلى نتيجة غريبة: فصل الأمازيغ عن الإسلام والعربية، واختزالهم في مقولة إثنية معزولة عن التاريخ!
إن الرد على هذا التيار لا يكون بإنكار عراقة الإنسان على هذه الأرض المباركة، بل بكشف الخلل المنهجي والتاريخي الذي يسقط فيه هذا الخطاب، ويمكن إجمال مفنداته في النقاط التالية:
1. الاستمرار الأيديولوجي لمخطط “الظهير البربري” الاستعماري
إن الدعوات المعاصرة لفصل الأمازيغ عن هوية المغرب العربية والإسلامية ليست ابتكاراً حديثاً، بل هي امتداد مباشر للسياسة الاستعمارية الفرنسية التي تجسدت في مرسوم 16 مايو 1930م (المعروف بـ “الظهير البربري”).
كان هدف الإدارة الاستعمارية صريحاً: شق الصف الوطني، وفصل القبائل الأمازيغية عن أحكام الشريعة والقضاء الإسلامي واللسان العربي، واختلاق “هوية مورية/بربرية” معزولة تُساق نحو التبعية. وقد فطِن أجدادنا الأمازيغ والعرب قاطبة لهذا المكر؛ فخرجوا يلهثون بالدعاء الشهير: “اللهم يا لطيف نسألك اللطف فيما جرت به المقادير، ولا تفرق بيننا وبين إخواننا البرابر”. إن من يحاول اليوم بعث هذا الطرح يسقط في الفخ الأيديولوجي نفسه الذي هندسه المقيم العام الفرنسي.
2. المغالطة الكبرى: الخلط بين “الأركيولوجيا الإنسانية” و”الهوية الحضارية”
يقوم الخطاب الإقصائي على مغالطة؛ إذ يستشهد بإنسان “جبل إيغود” (315 ألف سنة) و”بيزمون” (150 ألف سنة) ليصل إلى نتيجة سياسية وهوياتية معاصرة!
إن الاكتشافات الأركيولوجية هي مفخرة للمغرب كمهد للإنسان العاقل (Homo sapiens). لكن محاولة إسقاط مفهوم “المور” أو “الأمة” على مجموعات بشرية عاشت قبل آلاف السنين من ظهور اللغات والمفاهيم السياسية هو إسقاط للأيديولوجيا الحديثة على ما قبل التاريخ. فالإنسان العاقل الأول هو أصل البشرية قاطبة، وليس حكراً على هوية إثنية ضيقة لم تتشكل إلا في أزمنة متأخرة.
3. التاريخ الفيلولوجي لمصطلح “المور” (Mauri / Moros)
يدعي هذا التيار أن “المور” اسم أصيل للذات المغربية، بينما تثبت المعطيات الوثائقية واللغوية عكس ذلك تماماً:
في المدونة العربية والإسلامية: لم تستخدم المراجع التاريخية والجغرافية الإسلامية قاطبة (كابن خلدون، والبكري، والإدريسي، والمقري) لفظ “المور” لوصف سكان المغرب أو الأندلس، بل اعتمدت تصنيفات قائمة على النسب والجغرافيا (كالبربر، أهل المغرب، أهل الأندلس، زناته، مصمودة، صنهاجة).
المور في الوثائق الإسبانية (القرن 16): لو عدنا إلى وثائق التاريخ الحاسمة — ككتاب “فن تعلم اللغة العربية” (الأرافيغا) لبيدرو دي ألكالا (القلعة)، المطبوع في غرناطة عام 1505م — لوجدنا أن السلطة القشتالية عندما كانت تستخدم كلمة (Moro)، فإن المعجم الملحق بالصرف والقواعد (Vocabulista) ترجمها صراحة باللسان العربي الأندلسي بكلمة: (مسلم / Muslim)، وترجم (Morería) بـ (إسلام / Islém)، و*(Lengua Arauiga)* بـ (اللغة العربية).
إن كلمة “المور” في الأدبيات الاستعمارية لم تكن تعني سوى “العرب المسلمين” الذين حاربهم المستعمر وسمى لسانهم بالعربية، قبل أن يُعاد بعث المصطلح استعمارياً لتجزئة هويات المنطقة.
4. تحريف “ثورة البربر” (122 هـ / 740 م) وجعلها قطيعة مع الإسلام!
يستند صاحب الطرح إلى ثورة عام 122 هـ ليجعلها بداية للتقويم “الموري”، واصفاً إياها برفض “التأثير الأجنبي المشرقي”:
طبيعة الثورة: لم تكن ثورة 122 هـ ثورةً ضد الإسلام أو اللسان العربي، بل كانت ثورةً ضمت قبائل الأمازيغ المسلمة ضد مظالم وتجاوزات والي أموي (عبيد الله بن الحبحاب) خالف أحكام الشريعة في الجباية والمساواة.
المرجعية الإسلامية: خرج الثوار الأمازيغ تحت شعارات المذهب الصفري/الخارجي، وهو مذهب إسلامي كان ينادي بـ “المساواة الكاملة بين العرب والعجم”. كان الدافع هو إقامة العدل الإسلامي، وليس الانفصال عن دين الإسلام!
ما بعد الثورة: أسس الأمازيغ والعرب دولة الأدارسة، ثم دولة المرابطين، فالموحدين، والمرينيين. وكل هذه الدول العظام جعلت الإسلام عقيدتها، واللغة العربية لسانها الرسمي والديني والثقافي.
5. ابن آجروم الصنهاجي: العبقرية التي ألهمت العالم
من العجب أن ينادي هذا التيار بنبذ “الاستلاب المشرقي”، بينما يُعتبر الإمام ابن آجروم الصنهاجي الفاسي (تـ 723 هـ) نموذجاً حياً لما أبدعه العقل الأمازيغي المغربي في خدمة اللسان العربي!
فقد صنف “المقدمة الآجرومية” في لحظة صفاء وإخلاص علمي، وصارت النص التأسيسي لدراسة النحو العربي في العالم. بل اعتمدها الأوروبيون وطبعوها باللاتينية في روما منذ القرن السادس عشر تحت عنوان (Grammatica Arabica)، ونسبوا إليها علم القواعد والنحو (Grammar). إن ابن آجروم الأمازيغي جعل من فاس مركزاً عالمياً لإشعاع قواعد لغة القرآن، فكيف يُراد اليوم اختزال أجدادنا في صنم “موري” يعادي اللسان العربي؟
6. اختلاق “السلفية المورية” وصناعة الأوثان بأثر رجعي
يدّعي صاحب النص أنه يهدف إلى “هدم أوثان السلفية التاريخية”، بينما يسقط هو نفسه في بناء صنم جديد يُدعى “الأمة المورية”؛ صنمٌ يتغذى على شتم المشرق، وتخوين المراجع الإسلامية، وتأويل الحفريات الأثرية بنزعة قومية إقصائية.
إن النُّسّاك والعلماء الأمازيغ الذين أبدعوا عبر التاريخ صنفوا علومهم لجمع كلمة المسلمين ونشر الدين واللغة، ولم يخطر ببالهم يوماً أن تصبح معارفهم مادة لأيديولوجيا عرقية تُفرق بين الأخ وأخيه.
خاتمة: المغرب أمةٌ موحدة بتاريخها المكتمل
المغرب أمة عريقة متجذرة في أرضها منذ إنسان إيغود وبيزمون، ولكنها اكتملت حضارياً وإنسانياً حين احتضنت قيم الإسلام واللسان العربي، لننصهر جميعاً — أمازيغ وعرباً — في بوثقة وطنية واحدة، أجهضت مكر “الظهير البربري” قديماً، وستجهض كل محاولة معاصرة لزرع الفتنة وتقسيم الصف.
“نقشٌ في حجارة الأندلس، ونورٌ في صفحات النحو.. رحلةٌ مجيدة تلتقي فيها أصالة المعمار المغربي ببلاغة اللسان العربي في سفر ابن آجروم الخالد.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى