ما وراء تسريب الطالبي العلمي.. عندما تتحول الانتخابات إلى سوق لاستقطاب الأعيان
بقلم : عبدالعزيز رجاء؛ فاعل مدني

تشريح «البنيوية الانتخابية» بالمغرب: كيف تُفرغ شبكات الأعيان الديمقراطية من مضمونها؟ وهل تبحث الأحزاب عن الناخبين أم عمن يملكهم؟
تتجاوز الواقعة الإعلامية للتسريب الصوتي المنسوب لرشيد الطالبي العلمي حدود الشظية العابرة، ولا يمكن اختزالها في جولة تكتيكية جديدة ضمن حرب المواقع المفتوحة بين «التجمع الوطني للأحرار» و«الأصالة والمعاصرة» حول التزكيات أو حسم الحقائب الوزارية الاستراتيجية؛ ومن بينها المستقبل السياسي لفوزي لقجع .
إن القيمة التحليلية الحقيقية لهذا التسجيل لا تتأتى من البعد السجالي الضيق حول كواليس الأشخاص والعبارات المتداولة كـ «الترغيب والترهيب»، بل تكمن في كشفه عن أزمة بنيوية عميقة ضربت المنظومة الانتخابية؛ وأزمة حوّلت العملية الديمقراطية من تنافسٍ حول البرامج والرؤى التنموية، إلى «ميركاتو سياسي» تُدار قواعده بمنطق استقطاب شبكات النفوذ والسيطرة المسبقة على الكتل الانتخابية.
فما يظهر بين السطور يطرح سؤالاً أكثر خطورة: هل أصبحت الأحزاب تتنافس على استقطاب من يملكون شبكات انتخابية جاهزة، بدل إقناع المواطنين ببرامج سياسية تُعيد بناء الثقة؟ هنا تحديداً تكمن الخطورة؛ فالأمر لا يتوقف عند انتقال منتخبين من تنظيم إلى آخر، بل يتعلق بنموذج انتخابي كامل يقوم على فكرة مفادها أن استقطاب شخص ذي نفوذ اجتماعي أو اقتصادي أو عائلي محلي قد يكون أكثر فاعلية من كسب آلاف الناخبين عبر مشروع سياسي.
فرغم تركيز معظم التغطيات التحليلية للتسريب، على المفارقة المتمثلة في انتقاد الأحرار لظاهرة الاستقطاب ( الذي كانوا من المستفدين منها سابقا)ً. إلا فقد ضلت القراءات حبيسة الصراع الحزبي الضيق. ولم تطرح السؤال الجوهري: لماذا أصبحت الأحزاب أصلاً في حاجة ملحة إلى «الأعيان»؟
لماذا يصبح «العَيْنُ» الانتخابي أهم من الحزب؟
في كثير من الدوائر، لا يبدأ الرهان من البرنامج الانتخابي أو عدد المنخرطين، بل من سؤال واحد: من يملك القدرة على حسم المقعد؟
وهنا تظهر قيمة «العَيْن» الانتخابي؛ فهو ليس بالضرورة صاحب مشروع فكري أو مُنظّراً حزبياً، بل يمتلك امتداداً اجتماعياً، وموارد مالية، ونفوذاً محلياً يُمكّنه من توجيه كتلة واسعة من الناخبين. لنصل إلى جوهر الفارق في «الميركاتو السياسي»:
فالسياسي الذي يغير انتماءه دفاعاً عن فكرة أو رأي شيء، لا يقارن بالضرورة بالشخص الذي يتقلّب بين الأحزاب لأنه يحمل معه كتلة أصوات شبه جاهزة شيء آخر تماماً.
في الحالة الثانية، لا يستقطب الحزب مرشحاً، بل يستقطب شبكة أصوات مغلقة، وهو المنحى الأشد خطورة.
الوهم الأخطر: «المقعد المضمون»
تتعامل الأحزاب في كثير من الأحيان مع الأعيان باعتبارهم أرصدة جاهزة: “فلان يضمن هذه الدائرة”، “فلان خلفه عائلة نافذة”، “فلان قادر على تحريك الكتلة الحرجَة”. فتصبح المعادلة التبسيطية:
استقطاب المرشح النافذ = استقطاب الأصوات = ضمان المقعد البرلماني.
غير أن هذه المعادلة تمثل إحدى أكبر مغالطات السياسة. فلا يوجد في الديمقراطية مقعدٌ مضمون بالكامل، فالناخب ليس ملكية خاصة لأحد، ولا يمكن رهنه للفاعل الاقتصادي أو الرمز القبلي. وبالتالي إن تحويل قدرة التأثير المحلي إلى لغة سياسية داخل المقرات الحزبية يُجرد الناخب من صفة المواطن صاحب القرار، ليحوله إلى مجرد وحدة رقمية في دفتر المرشح. الأمر الذي يجرنا إلى الوقوف عند عبارة «الترغيب والترهيب» في التسريب المنسوب للطالبي العلمي: فإذا كان المقصود بها مجرد التجاذب السياسي والوعود بالترشيح، فالمسألة تقف عند حدود الأخلاقيات الحزبية. أما إذا كان المقصود هو استعمال النفوذ الإداري أو الضريبي لابتزاز المنتخبين والسياسيين، فنحن أمام تجاوز يستوجب المساءلة والإثبات القانوني لا مجرد تبادل الاتهامات.
ما الذي غاب عن التسريب؟
تحدث التسريب عن الترحال، والترغيب، والمناصب، والوزارات؛ لكنه سكت عن السؤال الأهم: كيف تستعيد الأحزاب ثقة الناخبين القابعين خارج منظومة الأعيان؟ لم نلمس دعوة واضحة لاستقطاب الكفاءات والمثقفين، ولا لإعادة الاعتبار للطبقة الوسطى، أو فتح التنظيمات أمام الشباب وإقناع العازفين بناءً على البرامج بدلاً من شبكات النفوذ. إن الحزب الذي يشتكي من نزوح أعيانه نحو المنافس دون أن يتساءل عن كيفية استعادة المواطن العادي، يظل أسيراً للمنظومة ذاتها التي ينتقدها.
حين يخرج الناخب من الحسابات التقليدية
تكشف تجربة انتخابات 25 نونبر 2011 عن درس بالغ الأهمية؛ فقد أظهرت النتائج آنذاك قدرة الفئات الحضرية والطبقة الوسطى والمتعلمين على تغيير قواعد اللعبة وإحداث القطيعة مع الحسابات التقليدية المبنية على النفوذ المحلي فقط.
وحين يدخل المواطن العملية الانتخابية بقناعة سياسية مستقلة، فإنه يملك القدرة على قلب المعادلة. تكمن قيمة تلك اللحظة في صعود «الناخب الحر» الذي يصوت للحزب بناءً على الاقتناع ببرنامجه، وصدق خطابه، أو رغبةً في التغيير أو لمعاقبة أداء معين، بعيداً عن وصاية الأعيان.
المفارقة الكبرى والعزوف السياسي
مع تراجع الثقة في العمل الحزبي، ابتعدت شرائح واسعة من الطبقة الوسطى والشباب عن صناديق الاقتراع. وهنا تنشأ الدائرة المغلقة: تتجاهل الأحزاب المواطن المستقل وتبحث عن الأعيان ◄ يجد الأعيان مظلة الحزب الأقرب للنفوذ ◄ يشعر الناخب أن اللعبة حُسمت فينكفئ نحو العزوف ◄ تزداد حاجة الأحزاب للأعيان للتعويض عن غياب الناخب الحر.
وبذلك يصبح العزوف الشعبي وهيمنة الأعيان وجهين لعملة واحدة.
إن السياسي النافذ قد ينتقل من تنظيم إلى آخر وهو يمارس اللعبة من الداخل، أما المواطن الذي يفقد الثقة وينسحب إلى العزوف، فإنه يترك المؤسسات التمثيلية فارغة إلا من القوى الأكثر قدرة على الحشد والتحكم المالي.
لماذا يُستبعد استقطاب الكفاءات والطبقة الوسطى من أولويات الأحزاب؟ الجواب بسيط ومزعج: لأن الناخب الواعي يحاسب على البرنامج، ويرفض الولاء الأعمى، بينما يوفر «العَيْن» الانتخابي قاطرة سريعة وحسابات مادية سهلة القياس، حتى وإن كان ذلك على حساب بناء قاعدة سياسية مستدامة.
الأعيان ليسوا المشكلة وحدهم
ليس الهدف شيطنة الشخصيات المحلية؛ فالمجتمع المغربي يزخر بكفاءات ورجال أعمال محترمين لهم حضور اجتماعي وخدمة عامة. لكن الإشكال يبدأ عندما يُستبدل المشروع السياسي بالنفوذ المالي، أو عندما تمنح الأحزاب تزكياتها لمن يضمن الفوز بغض النظر عن انتمائه الفكري. حينها تتحول الأحزاب إلى مجرد «منصات مؤجرة» يستغلها المرشح للوصول إلى المقعد، لتبدأ مفاوضات المواقع، وعند أول خلاف حزبي تُطوى اليافطة للبحث عن البديل.
المعركة الحقيقية وإصلاح قواعد اللعبة
إذا كانت الأحزاب جادة في قطع الطريق على الترحال والاستقطاب الهجين، فإن المطلوب يتجاوز إصدار البيانات إلى تبني ميثاق انتخابي عملي يرتكز على:
تجريم استغلال المال أو النفوذ الإداري في توجيه التزكيات.
اعتماد معايير الشفافية والكفاءة في اختيار المرشحين.
فتح التنظيمات الحزبية أمام الشباب، النساء، والطبقة الوسطى.
تقديم برامج تنموية واقعية قابلة للمحاسبة.
إعادة بناء القواعد الحزبية المحلية وتقويتها بدلاً من الارتهان للشخصانية.
استعادة ثقة المواطن العازف باعتباره الكتلة الحرجة والضامن الوحيد لديمقراطية سليمة.
إن المقعد البرلماني ليس ملكاً لمرشح، ولا لحزب، ولا لـ «مول الشكارة»؛ بل هو تفويض شعبـي مؤقت. والمواطن العازف ليس بالضرورة شخصاً غير مهتم، بل قد يكون مواطناً غاضباً ينتظر عرضاً سياسياً يحترم عقله.
خلاصة
يكشف التسريب المنسوب لرشيد الطالبي العلمي الكثير من واقع السياسة الحزبية، لكن المسكوت عنه أعمق وأشمل.
فالسؤال الوطني الراهن ليس: من سيكسب الجولة بين الأحرار والبام في استقطاب هذا«العَيْن» أو ذاك؟
بل السؤال الحقيقي هو: هل ما زال المواطن هو الصانع الفعلي للنتائج الانتخابية، أم أن شبكات النفوذ أصبحت تحسم الخريطة البرلمانية قبل أن يصل الناخب إلى صندوق الاقتراع؟
إن أخطر ما يتهدد الديمقراطية ليس ترحال السياسي من حزب إلى آخر، بل ترحال المواطن من الفعل السياسي برمته نحو العزوف. وهذا الرهان هو الزلزال الحقيقي الذي ينبغي أن يستنفر الدولة، والأحزاب، والمجتمع معاً.




