رأي

الحاجة إلى تصوف عالم وعاقل      

ابراهيم أقنسوس كاتب مقالات ودراسات نقدية

 الطريقة التي احتفل بها مريدو زاوية صوفية بشيخهم ، أثارت الكثير من النقاش ، المتعدد والمتنوع ، وبصدد هذا النقاش ، وفي علاقة بهذا الأسلوب في التدين ، وبهذا السلوك في التصوف ، يمكن الإدلاء بالملاحظات التالية : 

أولا :  مبدئيا ، بالنسبة إلى المؤمنين والمؤمنات ، الدين لا يتعدد ، لأنه يعني النص ، في ثباته وحياده ، أما التدين ، فيتعدد ويتنوع ويختلف ، باختلاف الأفراد والمجتمعات ، وأشكال الفهم التي يصدر عنها المؤمنون والمؤمنات ، ولذلك لم تكن المشكلة أساسا ، وفي الغالب الأعم ، في أصل الدين ، وإنما المشكلة كل المشكلة مردها رأسا ، إلى أشكال التدين ، إلى الترجمة العملية ، والتطبيقات الفردية والجماعية ، للتعاليم الدينية ، المبنية على قراءات وتفسيرات وتأويلات ، تتعدد وتختلف . ولذلك يسهل أن نلاحظ أن جل المتدينين ، أو المتحدثين عن الدين ، وفي الدين ، لا يترددون في التأكيد على دوره الإيجابي ، والتنصيص على غاياته المثلى ، التي تهدف إلى الرقي بالإنسان وتخليصه من أسباب التخلف والتراجع ، لكن عملية تنزيل هذا الكلام إلى واقع الناس ، تكون دائما محفوفة بالكثير من التأويل والتبديل والتغيير، الذي يتخذ أشكالا متعددة ، ويتجلى عبر مستويات مختلفة ، ويكون سببا  في انتشار وإشاعة ألوان من التدين ، المثيرة للإرتباك والريبة والتردد ، وهنا يأتي دور العلماء والمفكرين ، والمثقفين الجادين عموما ، الذين يتحملون موضوعيا ، مسؤولية تبيان وتجلية المعاني البدهية ، الأصيلة والعميقة والراقية والجميلة والحضارية التي يبشر بها الدين ، ويدعو إليها باستمرار.

ثانيا : تعتبر نشأة الزوايا وإقامتها ، جزءا رئيسا ، من تاريخ الدول التي تعاقبت على حكم المغرب ، حتى قيل ، تفسيرا لهذا الإرتباط ، إن تاريخ المغرب هو تاريخ زواياه ، ويتوقف العديد من المؤرخين طويلا ، عند الدور الذي لعبته هذه الزوايا ، وما قدمته من خدمات ، تربوية واجتماعية وأمنية ، ما يعني أن وجودها ببلادنا ليس حدثا عارضا ، ولا فضلة زائدة ، تاريخيا على الأقل ، لكن الذي حدث ويحدث الآن ، أن الكثير من هذه الزوايا ، تحولت عن صورتها الأولى ، وأصبحت مرتعا للكثير من الإنحرافات المرتبطة بالترويج لأشكال من التدين ، البعيدة عما يقصد إليه الدين في نصوصه الأصلية ويريده ، وما تنص عليه الإختيارات المذهبية لبلادنا ، والمتضمنة في عبارة الفقيه ابن عاشر الشهيرة : ( في عقد الأشعري وفقه مالك وفي طريقة الجنيد السالك ) ؛ فما  أحوج الكثير من رواد هذه الزوايا إلى التسديد والترشيد ، بما يساعدهم على تصحيح تدينهم ، وتخليصه من هذه الممارسات التي لا تتوافق وما يتغياه  الدين من رقي ، وما تعلن عليه بلادنا من نمط في التدين ، العالم والعاقل ، وهذا دور العلماء والفقهاء والمهتمين بالشأن الديني عموما ؛ فإذا قدرنا أن هذه الزوايا في حاجة إلى دعم مادي ، فلا يجب أن نغفل عن حاجتها الماسة إلى دعم علمي ومعرفي أيضا ، بما يمكنها من استعادة دورها التربوي والإجتماعي من جهة ، وبما يمكنها من جهة أخرى ، من استعادة ما درجت عليه بلادنا من اختيارات مذهبية ؛ ولنا أن نتوقف عند بعض الممارسات ، وما الذي تعنيه ، ونكتفي منها بما يلي :  تقبيل الأيدي والأرجل ؛ رفع الأصوات بالأذكار المصحوبة بالرقص ؛ إغداق الأموال والهبات على مشايخ بعض الطرق الصوفية ، وتحويل المناسبات الدينية ، وحلق الذكر ، إلى فرص للإغتناء ومراكمة الأموال والهدايا ، دون إمكانية طرح السؤال حول مشروعية هذه العمليات ، وحول المستفيدين منها ، تحويل المتدينين (المريدين) إلى كائنات هامشية ، بعيدة عن واقع الناس ، وقضايا الشأن العام . 

ثالثا :  إذا كان المغرب قد عرف ، بكونه بلد الأولياء ، كما هو في أدبيات بعض المؤرخين ، فلا يجب أن ننسى قبل هذا وبعده ، أن المغرب أيضا هو بلد العلماء ، إذ لا يمكن تصور ولاية بالمعنى العرفاني للكلمة ، بلا علم ، وبلا فهم ولا فقه ، وإلا تحولت إلى جهالات وطقوس بليدة ، وممارسات شاذة  تقوم على التقليد الأعمى ، وترديد كلمات وعبارات ، دون فهم ولا تأصيل علمي محكم ؛ فالعلم يبقى دائما هو رأس الأمر كله ، ويكفي أن أول كلمة خوطب بها المؤمنون والمؤمنات مطلقا ، هي عبارة (اقرأ) ، ولذلك لا تصح عبادة المقلد ، عند الكثير من العلماء ، في أشهر الأقوال ، وفي أحسن الأحوال اعتبروها ناقصة ، ما يعني ضرورة امتلاك المعرفة بالشيء قبل الإقبال عليه ، ولذلك معظم رواد المنحى الصوفي ببلادنا كانوا علماء ، ( أبو العباس السبتي ، أبو الحسن الشاذلي ، الشيخ سيدي أحمد بن عجيبة وغيرهم … ) ، علماء ، اختاروا أن يتفاعلوا مع النصوص الدينية وفق رؤية عرفانية ، أو ما يسميه المفكر الراحل محمد عابد الجابري بالعقل العرفاني ، حيث يكون للتصوف أو للعرفان قيمته ومنطقه ومعناه ، بما يمكن من قراءته ومناقشته وتمييز عناصره ، أما ما يصدر عن بعض الزوايا وتنقله بعض وسائل التواصل الإجتماعي ، فهو أبعد ما يكون عن هذه المعاني والتمثلات ذات البعد المعرفي ، ما يعني مرة أخرى ، ضرورة التدخل من طرف الجهات المعنية بالحقل الديني ، ومن طرف العلماء المهتمين ، لتصحيح ما يلزم تصحيحه ، حفاظا على سلامة معتقدات المواطنات والمواطنين ، وتسديدا لأنماط تدينهم من جهة ، وحرصا على سمعة هذا البلد العلمية والدينية ، وتاريخه العريض من جهة أخرى . 

Screenshot

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى