رأي

اللغة المصطنعة والهوية المسروقة: كشف الخدعة التمزيغية وخطرها على المجتمع المغربي

مصطفى بن عمور استاذ باحث

ليس أخطر على أمة من أن تُسرق لغتها، لأن في سرقة اللغة سرقة للوعي، وفي سرقة الوعي سرقة للهوية، وفي سرقة الهوية سرقة للمستقبل. وهذا ما يحدث في المغرب اليوم، تحت ستار “النهوض بالأمازيغية” و”تصحيح المظالم التاريخية”، حيث يُمارس أخطر أنواع التزوير الفكري: تزوير اللغة الأم نفسها، عبر صنع لغة معيارية في المختبرات، وفرض حروف منقرضة ميتة على أجيال لا تعرفها، وإعلان ذلك كله “لغة أم” للأمازيغ، في أبهت مثال على الخداع الإيديولوجي الذي يهدف إلى إعادة تشكيل الهوية المغربية من جذورها، وتمزيق النسيج الثقافي الذي ظل قروناً موحداً يجمع شمل المغاربة ويوحدهم .

اللغة لا تصنع في المختبرات

إن الحقيقة اللسانية التي لا جدال فيها ولا مين ، أن اللغة الحية تنمو من أسفل، من أفواه الناس في حياتهم اليومية، من تبادلاتهم في الأسواق والبيوت والحقول، من أغانيهم الشعبية وشعرهم الزجلي، من تراثهم الشفاهي المتصل أجيالا تلو أجيال . ذلك أن اللغة كالكائن الحي: تولد وتنمو وتتغير بتغير الزمن، وتتكيف مع حاجات أهلها، وتستعير وتقرض، وتأخذ وتعطي وتثبت وتمحو ، ولكنها تظل دائماً ابنة المجتمع الذي ينطقها.

أما اللغة التي تصنع في المختبرات، في قاعات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، عبر لجان تنتقي مفردات من هنا وتراكيب من هناك، وتضع قواعد لا توجد في أي لهجة حية، وتستحدث كلمات لم يسمع بها أمازيغي قط، ثم تعلن أنها “اللغة الأمازيغية المعيارية”، فهذه ليست لغة، بل هي كيان لغوي هجين، لا يمثل تنوع اللهجات الأمازيغية الحية، ولا يعكس واقع المتكلمين، ولا يحمل أيّاً من خصائص اللغة الأم التي يتعلمها الطفل في حجر أمه.

والسؤال الذي يطرح نفسه، ولا إجابة عنه: إذا كانت هذه اللغة هي اللغة الأم للأمازيغ، فأين يتحدثها الناطقون بها؟ وأين تجدها في تراثهم الشفاهي؟ وكيف كتبوا بها أغانيهم وأمثالهم وحكمهم؟
إنها لغة تبحث عن متكلمين، وليس متكلمون يبحثون عن لغتهم.

تيفيناغ – حروف لا تتكلم ولا تُفهم

أما اختيار حروف تيفيناغ، فهو أبلغ دليل على أن المشروع ليس لغوياً بل إيديولوجياً بامتياز. فهذه الحروف، التي جرى إحياؤها من نقوش أثرية مشتتة نادرة تعود لقرون خلت، لم تكن أبداً وعاءً للتواصل اليومي أو التدوين المتصل للأمازيغ. ولم يكتب الأمازيغ بها تراثهم خلال العصور الإسلامية، بل كتبوه بالحرف العربي، كما كتبوا به دواوينهم ومؤلفاتهم الفقهية والأدبية والتاريخية. والحرف العربي كان وما يزال هو الوعاء الطبيعي للتعبير الأمازيغي المكتوب لا يوجد عند المغاربة غيره .

فلماذا هذا الإصرار على حروف غريبة عن أُذن الأمازيغي، وعن ذاكرته، وعن تراثه المكتوب والشفاهي ولم يعرفها أجدادنا ولا ذكروها ؟
الإجابة واضحة: لأن الغرض ليس تسهيل التواصل، بل خلق قطيعة ، وبناء هوية جديدة لا تمتد بجذورها إلى الماضي، ولا تتصل بحاضر المتكلمين، بل تعتمد على رمزية بصريّة تهدف إلى التمايز لا إلى التواصل، والفصل لا إلى الوصل، وتأكيد الانتماء إلى هويةٍ مصطنعة لا إلى حضارةٍ متصلة.

الخدعة الإيديولوجية في قناع الحقوق الثقافية

والمؤسف أن هذه الخدعة تسوق تحت قناع الحقوق الثقافية، وكأن المطالبين بها إنما يناضلون من أجل الهوية الأمازيغية المهددة ( من يُهددها ؟؟!!) ، وكأن اللهجات الحية ليست كافية، وكأن الاعتراف بها في الإعلام والأنشطة المناسبة دون حاجة إلى لغة معيارية جديدة هو حل ناقص. وهذا هو وجه الخدعة الأشد غواية: فمن لا يقرأ التفاصيل يظن أن هذا المشروع هو إنصافٌ للأمازيغ، بينما هو في الحقيقة إعادة إنتاج لتهميشهم من جديد، لكن تحت اسم الإنصاف.

فاللهجات الأمازيغية الحية هي التي تحتاج إلى تدوين وتعليم في حدود الواقع الممكن ، هي التي يستعملها الناس، هي التي تحمل تراثهم وثقافتهم وتاريخهم الشعبي . هذه اللهجات هي اللغة الأم حقيقةً وواقعاً. أما اللغة المعيارية فليست سوى بديل اصطناعي يحرم الأمازيغي من لغته الحيّة، ويفرض عليه لغةً جديدة يتعلمها في المدرسة ولا يستعملها في بيته، فيصبح بذلك غريباً عن لغتين: لغة المدرسة التي لا تشبه لهجته، ولهجته التي لا يعترف بها رسمياً، وكلاهما في النهاية يعزّز انفصاله عن هويته لا انتماءه إليها.

الخطر الأكبر – تفتيت المجتمع المغربي

غير أن الخطر لا يقتصر على الأمازيغ وحدهم، بل يمتد إلى المجتمع المغربي بأكمله، وإلى وحدته الثقافية واللغوية التي ظلت قروناً عصية على التمزق.
فالمغرب، بتعدده الثقافي، ظل متماسكاً بفضل عاملين رئيسيين: الإسلام عقيدةً وشريعة ، والعربية الفصحى لغةً جامعةً للثقافة والكتابة، إلى جانب حضور اللهجات المحلية، الأمازيغية والعربية، في الحياة اليومية.

أما المشروع التمزيغي، فيهدف إلى خلق قطيعة مع العربية، وخلق قطيعة مع اللهجات الأمازيغية نفسها، وخلق هويةٍ جديدةٍ قائمةٍ على التمايز والانفصال، لا على التكامل والوحدة. وهو بهذا يحقق، عن قصد أو غير قصد، أهدافاً لا تخدم المغرب ولا الأمازيغ، بل تخدم أجندات إقليمية ودولية ترى في تفتيت الدول القومية مكسباً استراتيجياً. إنه تطبيق ناعم للظهير البربري الاستعماري بأيد تدعي أنها مغربية .

وإذا استمر هذا المشروع، فسوف نرى، بعد جيل أو جيلين، أبناء مغاربة لا يقرؤون تراث أجدادهم، لا بالعربية ولا بالأمازيغية الحيّة، بل بلغةٍ صناعيةٍ منبتة الصلة، وحروفٍ لا يعرفها آباؤهم، ويتحدثون لهجاتٍ تتراجع مكانتها، وتُفقد ثقتها في ذاتها. ولسوف يتحقق ما تحقق في تركيا أتارتورك : جيل بلا ذاكرة، وأمة بلا تراث، وهوية من صنع السلطة لا من صنع التاريخ فهم في أمر مريج .

هل من سبيل إلى الإنقاذ؟

الطريق إلى الإنقاذ يبدأ بالاعتراف بحقيقة بسيطة: اللغة الحيّة لا تُصنع، بل تُحمى. والمطلوب ليس صنع لغة أمازيغية معيارية جديدة، ولا فرض حروف منقرضة، بل:

· الاعتراف باللهجات الأمازيغية الحية كلغاتٍ تحضر في الإعلام حسب حدود مناطقها، تدوّن بالحرف العربي (كما هو تاريخها).
· تدوين المأثور الشفاهي الأمازيغي بالأحرف التي دوّن بها تاريخياً، وليس بحروف ميتة مجهولة لا تمت للواقع بصلة.
· تشجيع الإبداع الأدبي والفني باللهجات الحيّة، لا بلغة معيارية لا يفهمها أحد.
· الفصل بين المطلب اللغوي الحي والمشروع السياسي الهوياتي، بحيث يكون الإنصاف للأمازيغ في واقعهم لا في تصورات النخب عنهم.

فالأمازيغي الحقيقي لا يحتاج إلى لغة تصنع له من فوق، ، بل إلى مؤسسات تحمي تراثه المكتوب بالعربية واللهجات المتنوعة حسب مناطقها ، دون أن تُفرض عليه هويةٌ جديدة، ودون أن تُقطع صلته بماضيه، ودون أن تُجبره على أن يكون، في آن واحد، غريباً عن لغته الأم، وغريباً عن لغته المكتسبة.

خاتمة

إن الخدعة التمزيغية ليست مجرد خطأ لغوي، بل هي مشروع سياسي خطير، يلبس ثوباً ثقافياً، ويسعى إلى تغيير هوية المغرب من الداخل، بقطع الصلة بين الأجيال وتراثها، وبين اللهجات الحية والمعيار المصنوع، وبين الحرف العربي والتيفيناغ المنقرض، وبين الوحدة الوطنية والتفتيت الهوياتي.

وليس المطلوب هنا الدفاع عن العربية ضد الأمازيغية، بل الدفاع عن اللهجات الحيّة ضد اللغة المصطنعة، وعن الهوية الطبيعية ضد الهوية المؤسساتية المؤدلجة ، وعن الأمة المتماسكة ضد مشاريع التمزيق. فالوطن الذي يفقد لغته الحيّة يفقد روحه، والأمة التي تسمح بسرقة لغتها الأم، تفقد سلاحها الأخير في مواجهة مشاريع الهدم والتفكيك.

وحسبنا أن نتأمل في دروس التاريخ: فالشعوب التي نجحت في الحفاظ على هويتها هي التي حمت لغاتها الحية من عبث السياسيين، والتي رفضت أن تكون لغتها أداةً في أيدي الإيديولوجيين، والتي عرفت أن اللغة ليست مجرد كلمات، بل هي روح الأمة ونبضها، وإن من يملك اللغة يملك الوعي، وإن من يملك الوعي يملك المصير.

والمغرب، بتاريخه العريق وتعدده الثقافي الأصيل، أجدر من غيره بأن يحمي تنوعه الحقيقي من مشاريع التوحيد المصطنع، وأن يبقى وفياً للغاته الحية وللغة العربية الجامعة التي تجمع الأجيال الصاعدة بالأجداد الغابرين وبالأحياء الحاضرين ، لا للغات المختبرات التي تخفي نوايا مدخولة وأهدافا مريبة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى