حين تتحول الشعارات إلى بديل عن التاريخ قراءة نقدية في خطاب اتهام حزب الاستقلال بمعاداة الأمازيغية
بقلم الدكتور عبد السلام بامعروف باحث في العلوم السياسية والقانونية

هناك منشور تتداوله بعض الصفحات المحسوبة على مناضلي مشروع حزب تامونت، ينسب إلى أستاذ ينتمي إلى هيئة الدفاع. ويستحق هذا المنشور التوقف عنده، ليس فقط بالنظر إلى مضمونه السياسي، وإنما أيضا بالنظر إلى طبيعة صاحبه وموقعه المهني. فالمحامي، بحكم تكوينه وممارسته، يفترض فيه أن يكون أكثر الناس قدرة على التمييز بين الادعاء والدليل، وبين الموقف السياسي والحقيقة التاريخية، وبين المسؤولية الفردية والمسؤولية الجماعية، وبين النقد المشروع والتجريم الخطابي.
لكن ما يثير الاستغراب في هذا الخطاب أنه يبدو وكأنه يستسلم لشعارات جاهزة أكثر مما يدخل في صلب الإشكال التاريخي والسياسي الذي يتحدث عنه.
فالقول بأن ”الشعب المغربي الواعي بأمازيغيته’‘ مطالب بمقاطعة حزب الاستقلال، والمطالبة باختفائه من المشهد الحزبي والسياسي، بدعوى ارتكابه ”جرائم عنصرية في حق الشعب الأمازيغي”، ليس موقفا نقديا عابرا. إنه اتهام بالغ الخطورة، لأنه ينتقل من نقد مواقف أو سياسات أو خطابات محددة إلى إدانة حزب سياسي بكامله، وتحميله مسؤولية تاريخية جماعية، ثم الدعوة إلى إخراجه من الحياة السياسية.
وهنا يطرح السؤال نفسه: أين هي الوقائع؟ أين هي الأدلة؟ ما هي الجرائم المقصودة؟ ومن ارتكبها؟ ومتى؟ وبأي قرار؟ وبأي صفة؟ وما علاقة الحزب، كتنظيم سياسي في مراحل تاريخية مختلفة، بكل واقعة يجري الاستناد إليها؟
هذه ليست أسئلة ترف فكري. إنها أبسط قواعد التفكير القانوني والتاريخي.
حزب الاستقلال والأمازيغية: هل نحن أمام عداء للأمازيغية أم خلاف حول تصور الهوية؟
من أكثر الأخطاء شيوعا في هذا النقاش وضع كل شيء داخل ثنائية مبسطة: حزب الاستقلال = العداء للأمازيغية.
هذه المعادلة تحتاج إلى مراجعة جادة.
فحزب الاستقلال نشأ في سياق الحركة الوطنية المغربية ومقاومة نظام الحماية، وكان جزءا أساسيا من المعركة السياسية من أجل الاستقلال والسيادة الوطنية. ولذلك فإن تقديمه اليوم باعتباره مجرد ”إرث استعماري” يتجاهل سياق نشأته وتاريخه داخل الحركة الوطنية.
لكن هذا لا يعني أن الحزب فوق النقد، ولا أن مواقفه التاريخية كلها صحيحة، ولا أن مواقف بعض قياداته أو تياراته من المسألة اللغوية والثقافية والهوياتية يجب أن تكون بمنأى عن النقد. بالعكس، إعادة قراءة مواقف الحزب ومناقشتها تاريخيا أمر مشروع وضروري.
غير أن هناك فرقا هائلا بين نقد موقف سياسي وبين اختراع سردية تاريخية كاملة عنوانها ”الحزب ارتكب جرائم عنصرية ضد الأمازيغ”.
وهنا تحديدا تكمن المشكلة.
الأمازيغية شيء، والتمزغ السياسي شيء آخر
لا أحد يملك حق احتكار الأمازيغية، ولا يجوز أصلا وضع الأمازيغية في مواجهة المغرب أو الوطنية المغربية.
الأمازيغية مكوّن أصيل من مكونات الشخصية المغربية، وليست اختراعا حديثا ولا منة من أحد، ولا قضية تخص فئة سياسية بعينها. والمغاربة، بمختلف روافدهم، هم الذين صنعوا عبر قرون هذا المركب الحضاري المغربي.
لكن الدفاع عن الأمازيغية لا يمنح صاحبه حصانة من النقد عندما تتحول الأمازيغية من مكوّن ثقافي ولغوي أصيل إلى مشروع لإعادة تعريف المجتمع على أساس ثنائية عرقية صدامية: ”أمازيغ” في جهة و”عرب” في جهة أخرى.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين:
الأمازيغية المغربية ليست هي التمزغ السياسي.
الأولى حقيقة تاريخية وثقافية راسخة، أما الثاني فهو قراءة سياسية وهوياتية للأمازيغية يمكن مناقشتها ونقدها ورفض بعض أطروحاتها.
ومن المؤسف أن بعض الخطابات المعاصرة لا تكتفي بالمطالبة بحقوق اللغة والثقافة، وإنما تعيد بناء التاريخ المغربي كله من خلال سردية صراعية، وكأن المغاربة عاشوا تاريخا من العداء بين مكونين منفصلين، ثم يأتي الخطاب السياسي الحديث ليحول هذا الاختلاف إلى خصومة دائمة.
وهنا يصبح من الضروري إعادة قراءة مواقف الحركة الوطنية
المفارقة التي ينبغي الانتباه إليها هي أن ما نشهده اليوم من بعض أشكال التوظيف السياسي للهوية الأمازيغية يجعلنا نعيد النظر في بعض مواقف الحركة الوطنية تجاه الخطابات الأمازيغية.
فربما لم تكن المسألة، كما يحاول البعض تصويرها اليوم، رفضا للأمازيغية في حد ذاتها، وإنما كان جزء من الخلاف مرتبطا بالطريقة التي كان يعاد بها تعريف الأمازيغية المغربية، وبالخلفيات الفكرية والسياسية التي كانت تحيط بهذا التعريف.
فالاستعمار لم يتعامل مع المجتمع المغربي باعتباره كتلة متجانسة فحسب، بل أنتج أيضا تصنيفات ودراسات ونظريات حول مكوناته، واستثمر الاختلافات الموجودة في المجتمع ضمن سياسات الإدارة والسيطرة. ومن هنا فإن التحفظ على بعض التصورات التي تفصل ”الأمازيغي المغربي” عن ”العربي المغربي” وتتعامل معهما ككيانين سياسيين متعارضين لا يمكن اختزاله تلقائيا في عداء للأمازيغ.
بل إن بعض المخاوف التي عبرت عنها الحركة الوطنية تصبح، في ضوء بعض الخطابات الحالية، جديرة بإعادة الفحص.
ليس لأن كل ما قاله الوطنيون كان صحيحا وإنما لأن التاريخ لا يقرأ بأثر رجعي وفق الشعارات الرائجة في وسائل التواصل الاجتماعي.
رجل القانون أولى الناس بالشك في الشعارات
وهنا نصل إلى النقطة الأكثر إثارة للانتباه في الخطاب موضوع النقاش.
عندما يصدر مثل هذا الكلام عن شخص عادي، يمكن أن نقول إنه تعبير عن موقف سياسي أو انفعال هوياتي. لكن عندما يصدر عن رجل قانون، فإن المعايير ينبغي أن تكون أكثر صرامة.
رجل القانون يفترض أن يسأل قبل أن يصدر حكما:
هل هناك فعل محدد؟
هل هناك فاعل محدد؟
هل توجد وثائق؟
هل توجد قرارات أو تصريحات موثقة؟
هل يمكن إثبات العلاقة السببية؟
هل يجوز قانونيا وأخلاقيا تعميم أفعال أشخاص أو تيارات أو مراحل تاريخية على حزب بكامله؟
وهل كلمة ”جرائم” مستخدمة هنا بمعناها القانوني، أم أنها مجرد استعارة سياسية؟
إذا كانت المقصود بها الجرائم بمعناها القانوني، فالأمر يحتاج إلى وقائع وأدلة وتكييف قانوني.
وإذا كانت المقصود بها ”أخطاء تاريخية” أو ”مواقف عنصرية” بالمعنى السياسي، فمن الضروري تحديدها ومناقشتها واحدة واحدة، بدل إطلاق حكم شامل على حزب بأكمله.
المحاماة تقوم على التفكيك والتحقق، لا على التسليم بالشعارات.
ولهذا فإن المشكلة في هذا الخطاب ليست فقط أنه ينتقد حزب الاستقلال، وإنما أنه يستخدم لغة إدانة قاطعة دون أن يقدم، في النص المعروض، الحد الأدنى من التفصيل الذي يسمح للقارئ بمعرفة ما هي الوقائع التي بني عليها هذا الحكم.
هل نحن أمام إعادة كتابة للتاريخ من خلال تيك توك؟
الأكثر إثارة للقلق أن جزءا من هذا الخطاب الجديد حول الهوية يبدو وكأنه انتقل من فضاء البحث والنقاش التاريخي إلى فضاء الشعارات القصيرة والمقاطع الرقمية.
وهنا يقع بعض المتحمسين الشباب في مشكلة حقيقية: يأخذون مصطلحات مثل الظهير البربري و الاستعمار وليوطي، و العنصرية، و التعريب، ثم يجمعونها في رواية واحدة جاهزة، دون أن يتوقفوا عند تعقيدات التاريخ المغربي، ولا عند تطور الحركة الوطنية، ولا عند اختلاف مواقف الشخصيات والتيارات، ولا عند التحولات التي عرفها مفهوم الهوية نفسه.
وهذا لا يخدم الأمازيغية.
بل على العكس، إن اختزال الأمازيغية في خطاب المظلومية الدائمة، وتحويلها إلى أداة لمحاكمة التاريخ كله، يسيء إليها أكثر مما يخدمها.
الأمازيغية أقوى من أن تحتاج إلى تاريخ مختلق لكي تثبت وجودها، وأعمق من أن تحتاج إلى عدو دائم كي تحافظ على مشروعيتها.
النقد الحقيقي لا يحتاج إلى شيطنة حزب
يمكن لأي شخص أن ينتقد حزب الاستقلال، وأن يناقش موقفه من اللغة والثقافة والسياسة الوطنية، وأن يختلف مع قياداته التاريخية والحالية، بل وأن يعتبر بعض مواقفه خاطئة أو ضارة.
لكن هناك فارقا بين ذلك وبين الدعوة إلى اختفائه من المشهد السياسي بناء على اتهام تاريخي عام.
فإذا كان هناك من يعتقد أن الحزب ارتكب ممارسات عنصرية، فليعرض الوثائق.
وليحدد المسؤولين.
وليضع الأحداث في سياقها.
وليشرح كيف تطورت تلك المواقف.
وليقدم أدلة تسمح للقارئ بالحكم.
أما إطلاق الأحكام الكبرى ثم مطالبة ”الشعب المغربي” بمقاطعة حزب سياسي بأكمله، فهذا أقرب إلى التعبئة السياسية والهوياتية منه إلى البحث التاريخي أو الخطاب القانوني.
المفارقة الكبرى
المفارقة أن بعض من يرفعون اليوم شعار ”تصحيح التاريخ” قد يقعون هم أنفسهم في إعادة إنتاج إحدى أخطر مشكلات الخطاب الاستعماري: اختزال المجتمع المغربي في جماعات منفصلة، وتصوير هذه الجماعات ككيانات متصارعة، ثم قراءة تاريخ المغرب كله من خلال هذه الثنائية.
وهذا بالضبط ما ينبغي الحذر منه.
لا نريد مغربا تستخدم فيه الأمازيغية ضد العربية، ولا العربية ضد الأمازيغية.
ولا نريد مغربا يطلب فيه من المواطن أن يختار بين هويته المغربية ومكون من مكونات هذه الهوية.
ولا نريد أن تتحول الأمازيغية إلى بطاقة سياسية تسمح لشخص ما بمنح صكوك الوطنية ونزعها عن الآخرين.
المغربي الأمازيغي ليس في حاجة إلى أن يصبح عدوا للمغربي العربي حتى يثبت أمازيغيته، والمغربي العربي ليس في حاجة إلى أن يصبح خصما للأمازيغية حتى يثبت عروبته.
هذه هي المعادلة التي ينبغي الدفاع عنها.
وفي النهاية، فإن من حق رجل القانون أن يختلف سياسيا مع حزب الاستقلال، ومن حقه أن ينتقد تاريخه، ومن حقه أن يدافع عن الأمازيغية بكل قوة. لكن من واجبه أيضا، بحكم مهنته ومكانته، أن يفرق بين التاريخ والشعار، وبين الوثيقة والانطباع، وبين النقد والتجريم، وبين الأمازيغية كهوية مغربية أصيلة وبين توظيفها السياسي كأداة للصراع.
أما أن نستبدل البحث التاريخي بشعارات يرددها بعض المتحمسين، ثم نبني عليها أحكاما قطعية في حق حزب وطني بأكمله، فهذه ليست عودة إلى التاريخ، وإنما هروب من تعقيد التاريخ إلى بساطة الشعارات.
ولعل ما يقع اليوم هو بالضبط ما يدفعنا إلى إعادة قراءة النقاش القديم بهدوء: ربما كان الخلاف الحقيقي لدى جزء من الحركة الوطنية ليس مع الأمازيغية المغربية، وإنما مع محاولة إعادة صياغتها خارج سياقها الوطني والتاريخي، وبمفاهيم تحمل آثارا من التصورات التي أنتجها الاستعمار عن المجتمع المغربي.
وهذه فرضية تستحق البحث والنقاش والوثيقة، لا التخوين ولا التقديس.
فالتاريخ لا يحتاج إلى صراخ حتى ينتصر؛ يحتاج إلى من يقرأه.





